المسلم ” الربّاني” عند محمد إقبال

52

يرى محمد إقبال أن الإنسان مطالب في هذا الوجودبأن يتعامل مع العالم، و يتكيف معه، و لا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر ما بنفسه أولا،و الإسلام في نظر محمد إقبال ليس رهبنة بل “دستورا” كليٌّا يحدد للإنسانما له و ما عليه، ويرى أنه في الوقت الذي لا يلقى الضعيف رحمة من أحد في العالمالدولي، و القويُّ وحده هو الذي ينال الإحترام، على شعوب الإسلام أن تتحرر و تستقللتقيم دولة، و يعيب محمد إقبال  على جمهورالمسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لم يدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذهالدراسة تمس الناس جميعا

لم يخلق المسلم ليكون تابعا لغيره و يندفع مع التيار ويساير الركب البشري في مساره و اتجاهه، فهو خُلِقَ ليوجه العالم و المجتمع والمدنية و ليفرض إرادته و اختياراته عليها، لا يخضع،  بل يقوم بالثورة فيصارع  و يعارك، في حديث روحي ( مناجاة) مع الله يقول رجلالإصلاح محمد إقبال: سألني ربّي: هل ناسبك هذا العصر و انسجم مع عقيدتك و رسالتك؟قلت: لا يا ربي، قال: فحطمه و لا تبال “، و لذا يؤكد محمد إقبال أن المسلم هومنبع التغيير و التجديد و الإصلاح في التاريخ، و هو مصدر سعادة البشرية و راحتهافي العالم، و المسلم و المؤمن يختلف كل واحد منهما عن الآخر، فالمؤمن يختلف عنالمسلم في أنه إذا نادى الآفاق بآذانه أشرق العالم و استيقظ الكون، و يهتز له العالمالمظلم فيحوله إلى نور، لأنه صاحب رسالة كبرى و أمانة عظمى هي “الخلافة”التي خصّه بها الله تعالى.

يقول محمد إقبال: ” المسلم الرّباني ليسشرقيًّا و لا غربيًّا ليس وطنيًّا دلهيا و لا أصفهانيا و لا سمرقنديا، إنما وطنيالعالم كله، و المسلم المؤمن عند محمد إقبال يحمل صفات الله و متخلق بأخلاق الله،و في ذلك يقول: “إن المؤمن هو الميزان العادل و القسطاس المستقيم، به يعرفالحسن من القبيح، و به يعلم رضى الله و سخطه، يشتد غضبه للحق، و تشتد ثورته علىالباطل،  و يشبه محمد إقبال المسلم بالشمسالتي لا تغيب، فهي إن غابت في جهة طلعت في مكان آخر، و الإنسان الكامل عند محمدإقبال كائن اجتماعي مرتبط بالجماعة و لا يمكنه أن يكون خارجا، و يقول: “الموجةهي موجة داخل النهر و خارجه لا تكون شيئا”، La vague estvague a l’interieur de la riviere en dehors elle n’est rien،  و لذا يرى محمد إقبال أن شخصيةالإنسان الحقيقية ليست أشياء، بل سلسلة من الأفعال، و في ذلك يقول: ” وحقيقتي بتمامها في منزع تدبيري”، ثم يخاطب الأخر ( أنتَ) فيقول له (لكَ)  فأنت لا تستطيع أن تدركني بوصفي  شيئا في مكان أو في مجموعة في تجارب في نظامزماني، بل يجب أن تفسرني، و أن تفهمني و أن تقدرني في أحكامي و في منازعي الإراديةو في أهدافي و آمالي”.

ففكر محمد إقبال هو فكر المسلم الرافض أن يكون  المسلم المعاصر صورة الأوروبي المعاصر و رفض الإقتباسالأعمى من قبل المسلمين لفكر و علم و ثقافة الغرب الأوروبي الغازي، و التغير فيالعالم عنده لا يحصل بعيدا عن الإنسان، فهو الذي يحركه ( اي الإنسان) للتلاؤم بينذاته و بين مقتضيات و مستلزمات هذا التغيّر و يحرك في الإنسان دائما قوة الدفعللتغلب على ما يواجهه من ظروف و معطيات جديدة، و في هذا فالإنسان مطالب في هذاالوجود بأن يتعامل مع العالم، و يتكيف معه، و لا يقدر على ذلك إلا إذا غيّر مابنفسه أولا، يقدم محمد إقبال تركيا كنموذج، باعتبارها الأمة الإسلامية الوحيدة التي  نفضت عن نفسها أسباب العقائد الجامدة و استيقظتمن الرقاد الفكري، وهي وحدها التي نادت بحقها في الحركة العقلية، و هي وحدها التيانتقلت من العالم الثالث إلى العالم الواقعي، تلك النقلة التي تستتبع  كفاحا مريرا في ميدان العقل و الأخلاق، أمّاباقي الشعوب الإسلامية فهي تعيش على التكرار ( الإجترار) و الآلية، فالتركي،  الحياة عنده تتحرك و تتغير و تنمو و تلد رغباتجديدة، و هو يدعو إلى حرية الفكر في الإسلام، يحذر  محمد إقبال في نفس الوقت من أن تكون هذه الحريةسبيلا إلى الإنحلال خاصة من فكرة القومية الجنسية السائدة في العصر الحديث، فيسؤال طرحه إن كانت شريعة الإسلام قابلة للتطور أم لا؟ ، يستشهد محمد إقبال برأيالمستشرق هورتن  الذي يرى في ظهور الفرقالدينية دليلا على مرونة التفكير الإسلامي، و يؤكد هذا المستشرق أن روح الإسلامرحبة فسيحة بحيث أنها تكاد لا تعرف الحدود، و لذا يعيب محمد إقبال  على جمهور المسلمين المتمسكين بالقديم بأنهم لميدرسوا الفقه دراسة نقدية لأن مثل هذه الدراسة تمس الناس جميعا.

فماذا عن حرية النقد؟ و الجواب أن محمد إقبال يدعو إلى ممارسة النقد، و أن يتحلى المسلم بروحنقدية لبلوغ أسمى مراتب التجديد و التطور، و بدون نقد لا يمكن أن نبلغ هذه المراتب،فكلما فتحت مسالك  جديدة للفكر، كلما أمكنالوصول إلى آراء أخرى، و يبين محمد إقبال قيمة النقد في تطوير المعرفة و بناءالحضارة و تحريك التاريخ، و لدا اهتم محمد إقبال بمشروع الإصلاح، وأراد بالإصلاح الفكرلا الدين من احل الإنتقال بحياة المسلم من حياة الركود و الإنحطاط إلى جو الحركة والتقدم و الإزدهار ، للإشارة أن محمد إقبال كما وصفه الدكتور جيلالي بوبكر فيكتابه “الإصلاح و نظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال” يعدُّ واحد منقادة الفكر و التجديد في العالم الإسلامي الحديث، رسم لفلسفته الإصلاحية هدفا هوإخراج الفكر الإسلامي من عالم التخلف و الإنحطاط و السير به نحو النّماء والإزدهار في معترك حضاري و صراع ثقافي بين عالم متخلف فكريا و حضاريا و العالمالإسلامي جزء منه، و عالم متقدم علميا و تكنولوجيا بيده حضارة متطورة هي الحضارةالغربية التي بسطت يدها و سلطانها على العالم أجمع بفكرها و ثقافتها المعارضة فيالعديد من الأمور، لم يكن مفكرا مصلحا فقط بل كان  ناقدا و جنديا في معركة النهضة.

و محمد إقبال من مواليد البنجاب، عاش في مرحلة مليئة بالمتغيرات اثرت في حياته الفكرية ، تلقىتعليمه عند المستشرق الإنجليزي سير طوماس أرنولد sir tomasarnoldالذي مكنه من الوصول إلى الثقافة الشرقية و الفكر الغربي على حد سواء، و هو الذيبعث به إلى أوروبا ليواصل دراسته، تنقل محمد إقبال بين إنجلترا و ألمانيا إلى أنحصل على شهادة الدكتوراه حخول تطور الفلسفة الميتافيزية في بلاد الفرس قبل ان يعودإلى بلادهع و يستقر في لاهور، اصدر كتبا كثيرة بمختلف اللغات، الفارسين الإنجليزيةو الأوردية، توفي في 21 أفريل 1938 تاركا وراءه ذخيرة فكرية و ثقافية، و هو يحتضرترك مقالة شهيرة : “لماذا أخشى أن يصغرني الموت، إذا كنت أُمِيتُ ( بضم الألفو كسر الميم)  حيوانيتي من اجل أن أصيراإنسانا” ، و قد لفظ أنفاسه الأخيرة وعلى شفتيه ابتسامة مرتسمة.

قراءة علجية عيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع