المسلة

162

في وسط مدينة معروفة وشهيرة تقوم مسلة سلمت من يد الخراب الماحق عبر مئات السنين بأُعجوبة . فكل ما حولها من آثار محقته الأيام والأمطار , وظلت هي شاخصة تنظر الى الجميع بكبرياء وحكمة , اذ مرت تحت أنظارها شعوب بعد شعوب ثم انتهت الى العدم لتُولد بعدها أجيال اخرى ثم تؤول أيضا الى الإندثار فالنسيان .

كان الشباب يحبون الارتقاء الى قمتها حتى يملوا فينزلون ليمارسوا أعمالهم وحياتهم وسط إعجاب أصدقائهم وخلانهم . وكثير ما بقي بعضهم على متنها بضعة أيام من قبيل المباهاة بقوة التحمل . وكان الأصدقاء يقومون بتشجيع معتليها على المطاولة . فكانت هذه لعبتهم الشعبية التي يحبونها و يتبادلونها بينهم .

في إحدى الاماسي وفد شبان الى المسلة , فأرادوا السخرية من أحد زملائهم أو المزاح معه فشجعوه على ارتقائها والبقاء في قمتها على أن يبيت هناك وهم يؤنسونه ويطعمونه . ارتقى الفتى بجهد واضح هذه المسلة العريقة فلما وصل القمة دغدغ شيء من العظمة أوصاله , وهذا ما يولّده عادة الارتفاع فوق رؤوس الآخرين . وإذ كانت مدائح أصدقائه تتوالى انتفش ريشه وأحس بالأهمية فقرر أن يظل فوق المسلة بضعة أيام أُخرى . وحين حل الليل وبعد أن تعب مشجعوه أحضروا لفارس المسلة طعاما وشرابا ثم انسلوا متعبين الى حيث بيوتهم وأُسرهم . كان الفارس قد انتفخ فخرا وعظمة فنام مع ابتسامة فوق فمه واشراقة فوق جبينه .

بدا في اليوم التالي أكثر فخرا وانتعاشا إذ كثر حوله المعجبون من أصدقائه ومعارفه وغيرهم من شبان الأحياء الاخرى الذين تداعوا لرؤية فارس المسلة الجديد . وقد كان للمشجعين دور بارز في بقائه بضعة أيام آخر , فقد كانوا يعظمونه ويأتون له بفاخر الطعام و لذيذ الشراب .

استمروا على ذلك بضعة أيام , حتى فاق عدد الأيام والليالي التي بقيها فارس المسلة فوقها أي فارس سبقه  فتعجب الناس وبدأوا يتساءلون ما عمل هذا الفارس وكيف يترك أُسرته هذا العدد من الأيام والليالي دون أن يقوم بشأنهم ويرعى مصالحهم . ولاحظ بعض المشاهدين أن وجه الفارس آخذ بلبس نظرة العظماء والملوك  بل الإلهة . غير إنهم لم يلقوا بهذه المعلومة الا في آذان خلصائهم . بدأ الناس يشعرون بالتعب أولا ثم بالملل فانصرفوا عنه رويدا رويدا الى شؤونهم , حتى صار بحاجة الى الطعام والماء إذ أصبح قلة منهم من يتذكره فيجلب له ذلك . ثم أخذوا يتوقون لرجل آخر يعتلي صهوة المسلة وأرادوا تغيير وجه هذا الرجل بآخر . سئم الجميع تشبث الرجل بالمسلة , لم تسقط نظرة العظمة عن وجه الفارس لتقلص المهتمين والمشجعين له , غير ان شحوبا بدأ يعلو وجهه وهو يرى انصراف معجبيه شيئا فشيئا . وتبع ذلك نوع من التغضن سبّبه الجوع والعطش اللذان حلا به غير انه لم يترجل بل ظل متمسكا  بمكان يشعر فيه بالعظمة والفوقية .

عزفوا عن مراقبة رجل المسلة . وبعد حين مرت امرأة تحمل حقيبة للتسوق ثقيلة فاختصرت الطريق بعبور الساحة من  وسطها حيث المسلة فلاحظت بالصدفة ان فارس المسلة أشبه ما يكون بتمثال من البرونز . ولما عادت الى بيتها أخبرت الاسرة بذلك تندرا , غير ان ذكور البيت والحي من الشيب والشبان هرعوا مذعورين الى الشارع فمن ثَمَّ الى مكان المسلة ليروا فارسها ….. وقد أمسى قديدا .

 

سمية العبيدي

بغداد

نشرتها جريدة المشرق في 11 /8 /2014

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع