المراجع النقدية

41

المراجع النقدية :ـ
الاستاذ المساعد : ليلى مناتي محمود/
إن النقد الادبي عند العرب نشأ عربياً؛ لأن أساس كل نقد هو الذوق الشخصي ، تدعمه ملكة تحصل في النفس بدون ممارسة الآثار الأدبية ، فلقد وجِدَ النقد الأدبي بصورته الأولى بعد أول مقطوعة شعرية قالها العرب، أي أنه كان ملازماً للشعر ،متواجداً بتواجده، متطوراً بتطوره وأن الشعر يثير أنواعاً خاصة من الانفعالات ، ومن المؤكد أن تكون هناك استجابات لهذا الانفعال في جانبين سلبي وايجابي ،تحكم على الشعر لترفع مستواه، وجعله قابلاً للتدوين والاعجاب. وإن النقد الأدبي توطد واستقر في عهد الطبقات الأولى من اللغويين، عُرفت له مقاييس واصول ، وهو ذلك النقد الذي تدعمه اسس نظرية او تطبيقية عامة وقد استعنت ببعض النماذج لمراجع نقدية قديمة ، لأنها تساعد قارئ الادب على التواصل مع النص وفهمه، وتعينه على تذوقه واكتشاف جوانب الابداع فيه ويغرس فيه الاحساس بالجمال . ومن اهم تلك المراجع :
أولاـ الشعر والشعراء لابن قتيبة: –
1ـ تعريف الكاتب :
هـو محمـد عبـد االله بـن مسـلم بـن قتيبـة الكـوفي الملقـب بالـدينوري نسـبة إلى دينـور الـتي ولي قضـاءها، ولـد في بغـداد وسكن في الكوفة وكان إماما من أئمة الأدب، وفقيها ومحدثا ومؤرخا، قصد البصرة واتصـل بالجـاحظ ثم انتقـل إلى بغـداد وتـوفي فيهـا سـنة (276 هــ / 889م )،” كـان صـادقا في مـا يرويـه ، عالمـا باللغـة والنحـو وغريـب القـرآن ومعانيـه والشـعر والفقـه ،وكثـير التصنيف والتأليف .
لـه تصـانيف ممتعـة ومفيـدة، تناولت معـارف أهـل زمانـه، قـد حـذا فيهـا حـذو المـبرزين مـن معاصـريه أمثـال: الجـاحظ وأبي حنيفـة الـدينوري، وكان هـم هـؤلاء أن يجعلـوا اللغـة والشـعر والأخبـار في متنـاول الكتـاب ،الـذين بـدأ يـذيع صـيتهم ويعلـو شـأنهم إبـان دولة بني العباس .
لم يقتصـر دور ابـن قتيبـة علـى جملـة مـن التصـانيف الأدبيـة واللغويـة الـتي وضـعها والـتي أسـهمت إلى حـد بعيـد في إنمـاء المكتبـة العربيـة وإغنائهـا، بـل كـان مـن المـدافعين عـن السـنة والكتـاب ضـد النزاعـات الفلسـفية والتيـارات الفكريـة الـتي عرفـت في عصره ،فاتهمه البعض بالزندقة شأن المارقين في كل عصر المتنطحين للقلة من الأضداد .
ولابـن قتيبـة آثـار كثـيرة قيـل أنهـا ثـلاث مئـة كتـاب في شـتى الموضـوعات منهـا كتـاب ” معـاني الشـعر الكبـير” وكتـاب ” عيـون الشـعر ” وكتـاب ” المعـارف ” وكتـاب ” أدب الكاتـب” كتـاب ” الخيـل ” وكتـاب ” خلـق الإنسـان ” وكتـاب ” الأشـرية” … الخ
2ـ تعريف الكتاب :
هـذا الكتـاب مـن مصـادر الأدب الأولى ،وممـا أبقـي لنـا حـدثان الـدهر مـن آثـار أئمتنـا الأقـدمين ، ألفـه إمـام ثقـة حجـة من أوعية العلم. تناول فيه ابن قتيبة المشهورين من الشعراء فأورد أخبارهم وما يستجاد من شعرهم وما أخذته علـيهم العلمـاء من الغلط والخطأ في ألفـاظهم أو معـانيهم… وكـذلك الـذين يقـع الاحتجـاج بأشـعارهم في الغريـب، وفي النحـو، وفي كتـاب الله (عز وجل) وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
. وهـذا الـذي قصـد إليـه:” ذكـره وكسـد شعــره، وكــان لا يعرفـه إلا بعـض الخواص ،فأمـا أقـل مـا ّ فأمــا مـن خفـي اسمــه، وقــل ذكـرت مـن هـذه الطبقـة إذا كنـت لا أعـرف مـنهم إلا القليـل، ولا أعـرف لـذلك القليـل أيضـا أخبـارا ” كمـا قـال هـو في ّ خطبة كتابه، وقدم له بمقدمة تنطوي على أبواب في أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء والأكفاء،والعين في الإعراب وأوائل الشعر .
ثانياـ طبقات الشعراء لابن معتز
1ـ التعريف بالكاتب:ـ
أبو العباس عبد االله بن المعتز بـن المتوكـل بـن المعتصـم بـن هـارون الرشـيد مـن الخلفـاء العباسـيين ولـد في سـامرا ولا تعـرف سـنة ميلاده معرفة ثابتة والأرجح كـان سـنة 247 هـ وقـد انصـرف منـذ حداثتـه إلى الدراسـات الأدبيـة فتخـرج علـى جماعـة مـن العلمـاء، نذكر منهم المبرد النحوي البصري والأديب المشهور وأبا العباس ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغـة فكـان ابـن المعتـز مـن الطبقـة ّ المثقفـة ,إن لم تكـن ثقافتـه عميقـة وقـد نظـم الشـعر وهـو في نحـو الثالثـة عشـرة مـن عمـره قتـل ابـن المعتـز سـنة 296 ه بعـد أن اضـطرب علـى خليفـة المقتـدر وعسـكره وبـايعوه بخلافـة ثم عـادوا مـذعنين للمقتـدر، ولم يهنـأ ابـن معتـز بلقـب الخليفـة إلا يومـا أو بعض يوم، فتفرق الناس عنه وقضي عليه خنقا .
وقد أسـلمت المدرسـة البيانيـة في الحكـم والأدب وفي تذوقـه زعامتهـا إلى ابـن المعتـز الـذي ربي في ظـلال النعمـة والحسـب المنيـع وهـو أديـب وشـاعر ذو عاطفـة جياشـة وحـس مرهـف فجـرى أثـر تلـك النعمـة وبـدأ الفـن في أروع صـوره وأجمـل معانيـه وأعـذب 1 فنونه في شعره الذي كان لا يسوغه رغبا ولا رهبا .
2ـ مؤلفات ابن المعتز:ـ
ذ كر أصحاب الكتب التي فيها ترجمة له أن له عدة مؤلفات منها : – كتاب الزهر والرياض – كتاب البديع – مكاتبات الأخوان بالشعر – كتاب الجوارح والصيد – كتاب أشعار الملوك – كتاب الآداب – كتاب على الأخبار – كتاب طبقات الشعراء – كتاب الجامع في الغناء – كتاب في أرجوزة في ذم الصبوح – كتاب السرقات .
3ـ تعريف الكتاب :
طبقـات الشـعراء لابـن المعتـز مـن أهـم الكتـب الـتي وجـدت في تراثنـا الأدبي الرائـع ،يعرض ألوانـا مـن الشـعر لطائفـة مـن شعراء الدولة العباسية ،ويجمع أشتاتا من أخبارهم ونوادرهم ومالهم من علاقات وصلات . وقـد أصـطلح الأدبـاء علـى أن ينعتـوا الشـعراء العباسـيين بلفـظ المحـدثين ولم يكـن ابـن المعتـز أول مـن افـرد تأليفـا عـن المحدثين وحدهم بل وسـبقه على الاقل استاذه المبرد في كتاب له اسمه الروضة، وسبقه هـارون بـن علـي المـنجم في كتـاب اسمه البارع . يذكر ابن المعتز أن الناس في زمانه كانوا يهتمون بأشعار المحدثين وأخبارهم . وقـد أوجـز فيمـا اشـتهر في عهـده وقصـر اهتمامـه علـى القصـائد والأخبـار الخاصـة بمعرفتهـا ولهـذا كـان كتابـه مـن أعظـم المصادر التي لا يستغنى عنها مـؤرخ أو أديـب ولا نجـد في غـيره مـا اشـتمل عليـه إنـه أثبـت أشـعارا تزيـد عـن ألـف وخمسـمائة بيـت لا توجد في كتاب سواه، لهذا كان تقويم ما صنف منها من أعسر الأمور .
ثالثا:ـ العمدة لابن رشيق:
التعريف بصاحب الكاتب : هو أبو علي الحسن ابن رشيق القيرواني الأزدي ، ولد في نهايات القرن الرابع الهجـري في مدينـة (المحمديـة في) المغـرب العربي وكان ذا ميول أدبية فاتحة إلى القراءة ، ورغب في الاستزادة مـن علـوم اللغـة والأدب، فرحـل إلى القـيروان ولمـا بلـغ السـابعة عشر، اتصل ثمة بالمعز بن باديس وابنة تيمة وأهل العلم والأدب فاشتهر أمره ونبه ذكره . تتلمذ علي يد أشهر علماء عصره كالقزاز النحوي صاحب ( الضرار الشعرية ) وعبد الكريم النهشلي صاحب ( الممتع في علم الشعر وعمله) وغيرهمـا تـوفي رحمـه االله غـرة ذي القعـدة سـنة 456 هـ عـن سـت وستين سنة . وتعددت جوانب ابن رشيق الأدبيـة والعلميـة ولكـن غلـب عليـه جانـب الشـعر والنقـد ولـه ديـوان شـعر كبـير تناقـل كثـير من المؤلفين بعض قصائده في موضوعات مختلفة . ولا يختلف شعره كثيرا عن شعر معاصريه في موضـوعاته فهـو يغـرق في المـديح والتملـق والمبالغـة في صـفات الممـدوح مـع اصـطناع الظـرف أحيانـا والمبـادرة إلى القـول فيمـا يعـرض مـن موضـوعات أو يقـترح في المجالـس إلى جانـب الغـزل بالمؤنـث والمـذكر ووصف الخمر ومجالس اللهو كما يتفق شعره مع روح عصره في أسلوبه وديباجته وميله إلى الوزان الخفيفـة والرقيقـة والاكثـار مـن 3 التشبيهات والاستعارات، وإن كان لا يميل إلى الصنعة اللفظية كثيرا كالجناس والطباق، ولو انه لم يخل منهما
2ـ مؤلفاته :ـ
ترك ابن رشيق آثار نقدية جلاّ يتصدرها كتابـه ( العمـدة في محاسـن الشـعر وآدابـه ونقـده) ولـه أيضـا (قراصـنة الـذهب) الذي صنفه للرد علـى ابـن شـرف الـذي اهـتم ابـن رشـيق بالسـطو علـى آراء أسـتاذه عبـد الكـريم النهشـلي ، ولأبـن رشـيق كتـاب ( الأنموذج في الشعراء) وهو ترجمة مفصلة لشـعراء القـيروان في عصـره ،فضلا عن تلـك الكتـب فلابـن رشـيق عـدد مـن الرسـائل المفقودة .

3ـ تعريف الكتاب:
كتـاب العمـدة يعـد عمـدة دراسـات الشـعر في هـذا القـرن، وقـد قـال عنـه ابـن خلـدون ” وهـو الكتـاب الـذي انفـرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها ولم يكتب احد فيها قبله ولا بعده مثله” ويقول أحمد أمـين ، إنـه بهـذا الكتـاب قـد نقـل النقـد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين كما فعل صاحب الموازنة والوساطة إلى نقد الشعر عامة، فابن رشيق قـد نقـل النقـد مـن المشرق إلى المغرب ، وأن النقد بعد العمدة لم يعد حكرا لعلماء العـراق أو الشـام بـل شـارك ابـن رشـيق بكتابـه الكبـير في جهـود هؤلاء .
ويعـرض ابـن رشـيق خطـة كتابـه في المقدمـة فيقـول 🙁 فقـد وجـدت الشــعر أكـبر علـوم العـرب وأوفـر حظـوظ الأدب ،وأحرى أن تقبل شـهادته ، وتمثـل إرادتـه ، ووجـدت النـاس مختلفـين في كثـير منـه ، يقـدمون ويـؤخرون ويقلـون ويكثـرون، يبوبـون أبواب مبهمة ،و لقبه ألقابا متهمة ,و كل واحد منهم قد ضرب في جهة ، وأنتحل مذهبا هو فيه إمـام نفسـه ، وشـاهد دعـواه فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون العمدة في محاسن الشعر وآدابه إن شاء االله تعالى . فهـو لا يـرى أن النـاس اختلفـوا في الشـعر، ووقـف كـل مـنهم منـه موقفـا خاصـا أدلى فيـه برأيـه، وأنـه وقـف علـى كـل مـا قيـل في الشــعر، ومــا بــذل مــن محــاولات و جهــود في فهمــه ونقــده وتبويبــه واطلــع علــى مــذاهب العلمــاء فجمــع آرائهــم ونســق بينهــا وهضمها واختار منها ما كان سديدا في رأيه فصار هذا الكتاب
4ـ قيمة الكتاب :
كتـاب العمــدة كتــاب جليــل القــدر اجتمعــت فيــه الثقافــات العالميــة، وتمازجــت فكــان مــرآة للحركــة النقديــة، والــروح الفلسـفية، والحيـاة الاجتماعيـة عرفـت في ذلـك العصـر، فهـو مـن ثم شـاهد قـيم لمـا بلغـه الفكـر الإنسـاني مـن التشـبع والتحـري وتقصي الحقائق في روح علمية منهجية تتسم بسمة الدقة وسعة الآفاق وغزارة العلم والمعرفة . والكتـاب مرجـع مـن مراجـع الأدب تتجلـى فيـه الـروح الموسـوعية، الـتي طافـت خـلال عصـور الأدب، منـذ فجـره إلى عهـد ابـن رشـيق، وجمعـت مـن شـتى المصـنفات والمجموعـات ومـن شـتى المصـادر والمـوارد، قــدرا عظيمـا مـن الشـعر وأبرزتـه بعـد التنخيـل والمقارنة وإبراز يطمئن إليه العالم والمؤرخ والأدب .
رابعا – دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني :
التعريف بصاحب الكتاب :
هـو أبـو بكـر عبـد القـاهر بـن عبـد الرحمـان بـن محمـد، فارسـي الأصـل ، جرجـاني الـدار مـتكلم عـن مـذهب الأشـعري، فقيه على مذهب الشافعي، ولد بجرجـان ولم يبرحهـا حـتى لطلـب العلـم ، ولمـا طافـت شـهرته الآفـاق شـدت إليـه الرحـال وحثـت المطي ،وظل متصبرا بجرجان يفيد الوافدين عليها إلى أن توفي بجرجان ودفن به سنة 741 هـ . تتلمذ علي يد شيخه أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبـد الـوارث الفارسـي ابـن أخـت أبي علـي الفارسـي، وأنـه قـد قـرأ علـى القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي بـن إسماعيـل الجرجـاني، وقـد قـرأ عليـه وحمـل عنـه الأدب وعلومـه وكـان يفتخر به في مجالسه . أثـار عبـد القـاهر الجرجـاني تشـير بأنـه قـد أحـاط علمـا بمـا صـنفه السـابقون عليـه في علـوم الـدين والفلسـفة والكـلام والأدب و اللغة، وأدلى بدلوه فيما عرضوا له من قضايا ومشاكل ،فضلا عن ما حفظ وجمـع لـه مـن شـعره، فيتضـح مـن آثـاره وإحاطتـه بما كتب أبو عمرو بن العلاء ،والخليل، ويونس ،و الأخفش، وسيبويه، وابن قتيبة ، وأبو هلال العسكري …. وغيرهم . وتتلمذ في الفقه على مذهب الشافعي ،وفي الكلام على مذهب الأشعري، وغلبت عليه شهرة اللغوي النحوي . تتلمذ علـى يديـه جلـة مـن العلمـاء مثـل علـي بـن يزيـد الفصـحي ،وهـو مـن أشـهر تلامذتـه ، قيـل عنـه : إنـه النحـوي الحـاذق بمـا اخذ عن عبد القاهر، وأبو النصر احمد بن محمد الشجري ، وهو من العلماء المبرزين في اللغة والنحو بعامة . اشتهر عبد القاهر بسعة الصدر، وطول النفس، في مناقشة معاصريه ومؤلفاته هي :
المعنى: وهو شرح مبسوط للإيضاح يقع في ثلاثين مجلد . المقتصد: أقتصد الجرجاني شرح المعنى في مصنفه المقتصد . الإيجاز: هو اختصار أبي علي الفارسي, ووصفه صاحب ” كشف الظنون” الكلمة: علق عليه صاحب ” الإنباه” بقوله إن عبد القاهر لو شاء لأطالّ . الجمل: وصفه صاحب”كشف الظنون” وصفا يطابق واقعه وللجرجاني كتب أخرى .
(التلخيص – كتاب رسالة الشافعية – كتاب العروض – كتاب أسرا البلاغة – كتاب المختار) تعريف الكتاب : ـ
أ ـ سبب تأليفه :
إن النـاظر إلى كتـاب عبـد القـاهر الجرجـاني يجـد رجـلا يحمـل وسـيفا، لا يـألو أن يشـهره دائمـا في وجـه خصـمه ، إلا أن الرجـل طغى عليه حب العلم، ولاسـيما إذا كـان في كتـاب االله ، فالقـارئ لكتابـه يلـتمس المنافحـة الـتي يحسـها بيديـه مـن قبـل الجرجـاني في دفاعه عن نظرية النظم على طريقـة المتكلمـين، فـأن عبـد القـاهر الجرجـاني يصـرح أن هنـاك أنـاس قـد سـبقوه في الكـلام علـى وجه الإعجاز بفكر وطريقة لم يعرض لها الجرجاني .
ب ـ من أين اشتق الجرجاني مادته :
الكتـاب قـد ألـف مـن أجـل بيـان وجـه الإعجـاز في القـرآن ،إذا فمادتـه الأولى هـي القـرآن ، ثم إن عبـد القـاهر اعتمـد على علمين جليلين، وهما :سيبويه والجـاحظ فهـو لم ينتفـع بهمـا، فقـد ذكـر الجرجـاني ، أن الخليـل وسـيبويه بلغـا في فقـه النحـو مبلغا لم يسبقهم إليه أحد, ثم ذكر أن الجاحظ بلغ في بابه أي علم الشـعر والمعرفـة جـوهره وطابعـه ومعدنـه، مبلـغ الشـيخين في علم النحو ، وتفرد الجاحظ في علم الشعر كتفرد الشيخين في علم معاني النحو .
خامسا – منهاج البلغاء وسراج الأدباء :
تعريف الكاتب :
ولـد أبـو الحسـن القرطـاجني في سـنة (608- هــ 1211 م ) بقرطاجنـة واشـتهر بنسـبته إلى مسـقط رأسـه حـتى عـرف بالقرطاجني، وقد نشأ أبو الحسن حازم في وسط ممتاز ذي يسار . حفظ القرآن وتخرج في قراءتـه علـى شـيوخ جلـة مـن قـراء بلـده ،وأقبـل مثـل معاصـريه ابـن الآبـار والمخزومـي علـى دراسـة العلـوم الشـرعية واللغويـة واكتملـت عناصـر ثقافتـه فكـان فقيهـا مـالكي المـذهب كوالـده، نحويـا بصـريا كعامـة علمـاء الأنـدلس، فـارق حـازم وطنـه ومسـقط رأسـه مهـاجرا إلى المغـرب ، كانـت حياتـه حافلـة بـالأدب والعلـم، زاخـرة بالنشـاط الفكـري في كـل مكان حل به من بلاد الأندلس والمغرب وإفريقية وقد عمر حازم وكانت وفاته ليلـة السـبت 24 رمضـان سـنة ( 684 /23هـ نوفمبر 1385 م )عن ست وسبعين سنة قضاها في البحث والدرس .
2ـ تعريف الكتاب :
المنهـاج كتـاب بلاغـة، ونقـد تـذكر موضـوعاته المختلفـة المتنوعـة بمصـنفات الرومـاني ( 384 هـ 944 م )،والقطـابي: (388 /هــ 998 م)، الجرجــاني ( 474/ هــ 1081 م ـ1082 م )كمــا يكمــل صــنيع كثــير مــن النقــاد أمثــال قدامــة: (337 / هــ 508 م ) والأمدي:(371/ هـ 981 م ) والخفاجي: (366/ ه 1073م .( وهـو فضـلا عـن ذلـك يتميـز بخصـائص تفـرق بينـه وبـين عامـة المصـنفات مـن نوعـه مـن جهـتي الشـكل والمـادة، ويسـتدعي في أسلوب حازم في المنهاج انتباها خاصا، فهو مقتضب في عرض الإحكام والقواعد خال في الغالب من الشواهد .
وينقســم الكتــاب إلى منــاهج والمــنهج علــى فصــول أو فقــرات طويلــة يســميها علــى التــوالي معلــم، إضــاءة تنــوير أو معرف، إضاءة … وتتـوالى الإضـاءة فـالتنوير داخـل المعلـم أو المعـرف الواحـد ولـيس ثمـة فـرق عنـده بـين المعلـم والمعـرف، ولا بـين الإضاءة والتنوير بل هي تنويعات في تسمية الأقسام لا تخلو من حذلقة. وبـالرغم مـن الطريقـة الترتيبيـة الـتي أدخلهـا حـازم علـى مصـنفه فجعلـه أقسـامها ومنهاجـا ومعـالم ومعـارف و اضـاءات وتنــويرات، نلمــس في هــذا الكتــاب جوانــب مــن التعقيــد تقــوم في وجــه مطالعــة، فلغــة حــازم مستصــعبة لا يمكــن لمــن يجعــل الاصطلاحات المنطقية النفوذ إلى ما ورائها، كما لا يتسنى لمن لم يألف الاستعمالات الحكمية أن يدرك غرضه منها بسهولة .
سادسا ـ المثل السائر لابن الأثير :
تعريف الكاتب :ـ
هـو أبـو الفـتح نصـر االله بـن أبي الكـرم محمـد بـن عبـد الكـريم بـن عبـد الواحـد الشـيباني، المعـروف بـابن الأثـير الجـرزي، الملقـب بضـياء الـدين. كـان مولـده بجزيـرة ابـن عمـر ونشـأبهـا ، وانتقـل مـع والـده إلى الموصـل، وبهـا اشـتغل وحصـل العلـوم ، وحفظ كتاب االله الكريم، وكثير من الأحاديث النبوية ، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان وشيئا كثيرا من الأشعار . ثم اتصل بصلاح الدين الأيوبي في مصر، فوصله القاضي الفاضل رئـيس ديوانـه بالعمـل عنـده، ثم طلبـه الملـك الأفضـل نور الدين بن صلاح الدين، وولي عهده بدمشق، فخيره صـلاح الديـن بيــن البقـاء والذهـاب فاختـار الذهـاب، فاستـوزره نـورالديـن وحسنـت حاله عنده . ولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقل ولده الملك الأفضـل بمملكـة دمشـق ، اسـتقل ضـياء الـدين المـذكور والــوزارة، وردت أمـور الناس إليه، وصار الاعتماد فـي جميـع الأحـوال عليه . وتوفي ابن الأثير سنة (637 / هـ 1239 م )في بغداد وكان قد توجه إليها رسولا من قبل صاحب الموصل . ولابن الأثير من التصانيف
1ـ المثـل السـائر في أدب الكاتـب والشـاعر طبـع في مصـر سـنة 1939 م بتحقيـق محمـد محـي الـدين عبـد الحميـد ثم سـنة 1959 م بتحقيق الدكتورين احمد الحوضي وبدوى طبانة .
2ـ (الوشي المرقوم في حل المنظوم) طبع في بيروت، سنة 1289 هـ .
3ـ (المرصع في الأدبيات ) طبع في الأستانة عام 1304 هـ، وفي ألمانية عام 1896م
2ـ تعريف الكتاب :
كتاب المثل السائر يعد في مقدمة كتب البلاغـة الـتي تجمـع التبويـب وحـدد موضـوع كتابـه في عنوانـه ، فجعلـه في أدب الكاتـب والشـاعر أي يتـأدب بـه كلاهمـا ومـا ينبغـي أن يتـزود بـه مـن أدوات لإتقـان صـنعته، ويمكـن أن يجمـع إلى ذلـك جانـب النقد بأن يكون النظر في صنعة الكاتب والشاعر وتحليلها وبيان محاسنها أو مواقع القبح فيه . وينحصـر نقـد ابـن الأثـير في كتابـه المشـهور، المثـل السـائر في أدب الكاتـب والشـاعر وهـو كتـاب نظـر فيـه صـاحبه أولا إلى من سبقه من رجال النقد فلم يعجبه إلا الآمدي في “الموازنة ” وابن سـنان الخفـاجي في سـر الفصـاحة وقـد رأى أنهمـا أهمـلا أبوابا كما أهملا التعمق في موضوعات تعد في النقد جوهرا .
ومن هناك انتقل ابن الأثير إلى موضوع الكتاب ،إذ انه تناول في مقدمة ومقالتين والمقدمة فيها عشرة فصول: علم البيـان آلاتـه وأدواتـه – الحكـم علـى المعـاني – الترجـيح في المعـاني – جوامـع الكلـم – الحكمـة الـتي هـي ضـالة المـؤمن – الحقيقـة والمجـاز – الفصاحة والبلاغة أركان الكتابة – الطريق إلى تعلم الكتابة . وتـدور المقالتـان حـول علـم البيـان – المقالـة الأولى حـول الصـناعة اللفظيـة ( اللفظـة المفـردة واللفظـة المركبـة) مـن مثـل السـجع والتجنـيس أو الجنـاس ولـزوم مـالا يلـزم و المنـافرة في الألـف ومـا إلى ذلـك ، والمقالـة الثانيـة حـول الصـناعة المعنويـة مـن مثل الاستعارة والتشبيه والتجريد والإيجاز والإطناب وما إلى ذلك . ولقد أورد ابن الكثير من الآثار الأدبيـة وأظهـر رأيـه فيهـا كمـا حمـل موازنـات بـين بعـض الكتـاب والشـعراء مـن مثـل أبي تمام والبحتري والمتنبي فابن الأثير رجل نظر وتطبيق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع