المحطة رقم 10 الفرزة الرابعة

56
المحطة رقم 10 الفرزة الرابعة
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

كنتُ في الصباح أتناقش مع عبد الأمير مسؤولي أيام كنتُ ضمن التنظيم فأطرح موضوعي عليه فكان يقول لي/ لا خلاص لك إلّا بالاعتراف وكان جوابي له أني لستُ بشيوعي ولا توجد عندي خلية ثم ينتهي النقاش.
وعند منتصف النهار دخل المساعد الأول علي برع الغرفة وجاؤوا له بكرسي وانا جالس على الأرض والجميع واقفون فسألني: ما هو النقد والنقد الذاتي؟
فأجبتُهُ أن النقد هو تحديد الخطأ من شخص الى شخص آخر حتى لا يتكرر على أن يكون بطريقةٍ بنّاءةٍ أماعن النقد الذاتي فهو قيام الشخص باكتشاف غلطه بنفسه ثم تصحيحه بدافع ذاتي.
فاستخف بقولي فقلتُ له كيف ترى ذلك؟ فقال النقد والنقد الذاتي هو أن ينتقدك الاخر على الخطأ ! فضحكتُ في نفسي وقلتُ هذا منتهى فهمه بعدها خرج ومن خلال تعامله كنتُ أشعر بحقده ولا اعلم سببه حتى اكتشفتُهُ بعد حين وتوقعت انتقاله بعد هذه المقابلة من خلال تسلم التحقيق معي المساعد الثاني سامي وصدق توقعي.
دخلتُ في الأمسية الثالثة وبدأ الجلاوزة بالتوافد ومعرفتي بهذا من خلال التحايا العسكرية التي أسمعها بضرب الأرض لأن الباب من الخشب الساج والشبابيك مرقومة بالخشب الفايبر ومدهونة بالدهان الأسود وهذا يشمل حتى غرف الدائرة كلها لمنع أصوات المعذَبين من أن تُسمع في الخارج أثناء التعذيب.
بدأتْ السهرة بحدود الثامنة وطلبوني لإعادة التحقيق في غرفة المساعد الثاني والحضور سامي وراء المكتب واثنان على جانبيه طلب سامي مني ان اعترف على الخلية المكونة من ثلاثة أشخاص وهو ما نسبها لي حسن علوان الذي زعم أنه مسؤولي فكان جوابي للمساعد هو أني غير شيوعي وليست عندي خلية انظمها.
وكما تقول الاغنية من هنا بدأت الحكاية اشتغل التعذيب ردحًا من الزمن، ثم استراحة ثم العودة وفيها لم اترك شتيمةً أو سبابًا الّا ذكرتُهُ مما دفع بسامي أن ينهض من مكانه ويأخذ سترتي التي كنتُ ألبسها ويضعها على أنفي حتى يكتم أنفاسي، ولكن أخطأ فجاءت يده بداخل فمي فأطبقتُ عليها ولولا السترة لقطعتُ حاشيتها وتم سحبها من فمي بمساعدة بعض الجلاوزة.
وقد عصبوا عينيّ بعدها أخذ أحد الجلاوزة بالضرب من خلفي عليهما بقبضتي يديه فمددتُ يديَّ لأتحسسهما ومن خلال تحسسي عرفتُ الشخص فخاطبتُهُ بالاسم / ليش تضرني أستاذ علي على عيني ليش / وأعني به مفوض الامن علي القريشي وعلى أثر كلامي معه كّفَّ عن الضرب دون كلام.
وفي احدى الاستراحات تكلم المساعد سامي للجالِسَين على جانبيه / أن ابنته الصغيرة ولم يذكر عمرها أو أسمها أنها طيلة الليالي السابقة لم تَنَم كالأيام السابقة فهي تهبُّ مذعورةً وقد راجعتُ بها الطبيب فأخبرني أنّها لا تُعاني من مرض والكلام للمساعد سامي فأجابه الذي على يساره/ أن زوجته هي الأخرى ترى كوابيسًا تمنعها من النوم وما كانت عندها هذه الحالة قبل أيام/ سمعتُ قوليهما وأنا واقف في زاوية الغرفة أنتظر فصًلًا أخرًا من التعذيب وقلتُ في نفسي هذا هو تعذيب رب العالمين لكم يا ظالمين.
لقد استمر التعذيب معي وقد بلغ الجُهدُ مني مبلغه ففكرتُ أن أعطي أسماءً وهميةً كي أكسب استراحةً لبعض الوقت فأعطيتهم الأسماء وطاروا بها فرحين وبحدود نصف ساعة التقطتُ بها أنفاسي رجعوا بخُفي حُنين وهم يستشيطون غضبًا وقد صبوا جام غضبهم فأوسعوني من الضرب ما لا يخطر على بال وقد كان الضيف الثالث مدير قضاء الحي المدعو شامل الذي استعمل في تعذيبي الكاوية الكهربائية ومعها الضرب على قدميّ حتى تعبوا وتوقفوا عن الضرب.
فطلبتُ مقابلة حسن علوان الذي ادعى انه مسؤولي مع اثنين ذكرهما فعرفتُ أحدهما وهو دفار عرير الذي كان قد اعترف عليّ وعلى الخلية التي كان فيها في بداية انقلاب 1963 رغم كونه قد خرج من التنظيم قبل الانقلاب القومي البعثي عام 1963 بسنة ولم أرَ وجهه وكذلك لم أرَ حسن علوان ولم التقِ به أو اعرف شيءً عنه منذ
خروجي من التوقيف في شباط 1964 حتى يوم قدومه الى الغرفة بداية شباط عام 1971 ومعه معاملة طلب سلفة له ولصاحبه حامد الذي وجدتُهُ موقوفًا قبلي في غرفة التوقيف حيث كان كفيلهما التاجر محمود الحاج حمزة والساعي بالوساطة لهما هو صديقي الحاج مجيد سعدون الامير ومن خلال هذه السلفة عرفتُ أنّه يعمل في معمل النسيج فدار بيننا كلام عن وضعه في المعمل وقد اشتكى من مضايقة البعثيين له فسألتُهُ عن السبب فقال: أنّهُ يتعرض لضغوط ويُريدون منه الانضمام لحزب البعث فكان جوابي له مُشجعًا بألانضمام لهم يدفعها عنه بقصبة كما يقول مثلنا وبذلك يتخلص من المضايقات وانتهى الموقف بيننا بخروجه وأخذ المعاملتين.
طلبتُ من المساعد سامي مقابلة حسن فأحضروه فأكد القول بأنه مسؤولي ومعي اثنان فأعادوه للغرفة وعادوا عليَّ بالضرب وبعد ما أخذوا قسطهم من الضرب رجعتُ أطلب من المساعد سامي مقابلته في غرفته الموقوف بها فاستجاب لطلبي وأدخلوني عليه فوجدتُ معه شخصًا أخر لا أستبعد كونه من الجلاوزة فتكلمتُ مع حسن عن انتمائي ومتى وكيف كان انضمامي للحزب واين التقيتُ به وكل هذا وهو مصر على انه مسؤولي وأنّي مسؤول عن خلية من ثلاثة اشخاص مما أثار غضبي فضربتُهُ على صدره وأخذتُ برقبته لأقتله لولا الشخص الذي كان معه حيث أخذ يسحبني ويستنجد بالجلاوزة ويضرب على الباب فجاؤوا مسرعين وأنقذوا حسن من بين يديّ ثم أعادوني الى غرفة المساعد وبدأ مشوار الضرب حتى فقدت الإحساس وأنا في شُـبه غيبوبة بعدها سحبوني الى الغرفة واتوقع أنّ حفلهم انتهى قريب من الفجر.
أصبحتُ وأصبح المُلكُ لله فعُدتُ بسؤالي الى عبد الأمير وأعاد عليَّ نفس جوابه ولأني أحب النُكْتة حتى أثناء تعذيبي عند استراحة الجلاوزة كان ردي عليه/ اني سأكتب مجموعة من الأسماء وأعمل عليها القُرعة فمَن يخرج اسمه يكون في خليتي الوهمية ثم ضحكتُ والالم يعتصر قلبي.

الدنمارك / كوبنهاجن الأربعاء في 19 تشرين أول 2022

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 − 3 =

آخر المواضيع