المحطة رقم 10 الفرزة الثامنة

24
المحطة رقم 10 الفرزة الثامنة
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

في هذه الفرزة استكمل ما آلت اليه الجبهة بين الغريمين / البعثي والشيوعي/ وأتطرق الى العوامل التي ساعدت على نشوء الحزب الشيوعي في العراق والوطن العربي.
ومن أهم العوامل لظهور الشيوعية فيها هي:
اولًا العامل الاقتصادي المتردي الذي كان قبل تأسيس الحكومات العربية والموروث عن الدولة العثمانية ومن أبرزها الاقطاع والعامل الثاني الجهل المتفشي بين شعوبها والعامل الثالث وهو المهم ظهور الاتحاد السوفيتي كدولة شيوعية عظمى بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية.
حيث تأثّر بها الشباب العربي ومنهم العراقيّون بالفكر الماركسي فتصوروا أنها الفكر الواقعي لبناء مجتمعات متطورة تقوم على اساس العدالة والمساواة من خلال شعارها / لكلٍّ حسب حاجتهِ ولكلٍّ حسب قدرتهِ / أضف لها العامل غير المنظور ألا وهو انحسار دور المؤسسات الدينية في الوسط الشبابي بالوطن العربي ومنهم الشباب العراقي.
ثم قيام حكومات تم اختيارها من قبل المستعمر تُمثل ارادتَهُ ولا تَمِتُّ لشعوبها بصلةٍ من حيث الروح الوطنية فهي حكومة موالية للغرب وكل ما يأتي منها فهو مرفوضٌ جُملةً وتفصيلًا.
أضف لتلك العوامل الخطاب الإعلامي السوفيتي الذي ينادي بشعار/ للشعوب حق تقرير المصير/ الذي انطلى على الشعوب العربية فنسوا أنّ نصف أوربا بعد الحرب الكونية الثانية قد احتلتها روسيا وفرضت على شعوبها النظام الشيوعي قسرًا دون أن يُعطى أيَّ خَيَارٍ لشعوبها في تقرير مصيرها.
ومن بين هذه التداعيات نشأت البذرة الأولى للماركسية في جنوب العراق ووسطه كتجمعات شبابية تؤمن بها وفي عام 1932 تبنى يوسف سلمان يوسف/ فهد المسيحي العراقي القادم من مدينة برطلة التابعة للموصل على توحيدها بحزب يؤمن بالفكر الشيوعي الماركسي وتم انتخاب اللجنة المركزية التي ترأسها عام 1941 وعند سفره في تشرين الثاني عام 1942 للدراسة في الاتحاد السوفيتي انشق الحزب الى فئتين صادرت الفئة الخارجة عن التنظيم جريدة الحزب وهي الشرارة مع المطبوعات وبعد عودة فهد ضم اليه مجموعة المؤيدين له وأصدر جريدةً باسمه مع مجموعته وأسماها بالقاعدة.
وفي أيلول 1945 قام الحزب بقيادة فهد بتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية وفي عام 1947 تم اعتقاله في بيت اليهودي إبراهيم ناجي شميل بالكرخ على اثر اجتماع بينه وبين سعد صالح زعيم حزب الاحرار وهنا لا استبعد ان مندّسًا من بينهم في القيادة قد ابلغ عن ذلك الاجتماع.
وفي 14 شباط 1949 عند الفجر تم إعدامه شنقًا مع رفيقيه حازم وصارم وقد حضر اعدامهم السفير البريطاني الذي حضر جلسات محاكمته التي أُعِيدتْ بعودة نوري سعيد لرئاسة الوزراء.
وان دل هذا على شيء فإنما يدل على أن بريطانيا هي التي قد قررت إعدامه وكان نوري سعيد هو الأداة لتنفيذها والسبب يعود لتأسيسه /عصبة مكافحة الصهيونية/ وهذا هو محط الجَمّال.
وقبل اعدام فهد كتب رسالةً وصلت لعضو اللجنة المركزية الناجي الوحيد من الاعتقال هو يهودا صدّيق الساكن في بغداد تتضمن ترشيح مالك سيف الى تولي مسؤولية اللجنة المركزية وقيادة الحزب لكن يهودا اخفى الرسالة وجعل اخاه حزقيال هو المسؤول الأول وهذا دليل يؤكد صحة توقعي من أن موضوع القبض على فهد هو خيانةً من داخل الحزب تستر عليها الحزب كي يبعد عنه الشبهات يبقى هذا السر ليستمر توريط الناس الطيبين في مستنقع الشيوعية.
بقي الحزب من بعد فهد بحالة غير مستقرة بسبب انقساماته وتعدد الزعامات لحين تولي سلام عادل/ حسين أحمد الرضي عام 1955 قيادته وعلى يده تم توحيد القاعدة مع جماعة الشغيلة المنشقة وكان ذلك بمباركة القيادي الشيوعي السوري خالد بكداش.
وفي انقلاب 8 شباط 1963 أصبح الحزب الشيوعي بجميع قياداته وأعضائه حتى مؤيديه في في جميع العراق في قبضة حزب البعث الذي يطلبه بثأرٍ قديمٍ وما نجا منهم الا القلة بين هاربٍ الى خارج العراق أو الى الشمال.
لقد حان للبعثيين استيفاء دينهم ورد الصاع صاعين وهو رد فعل طبيعي على أعمال الشيوعيين التي كانت تباركها قيادة الحزب وأصبحت القيادة التي كانت تتبجح بهتافها / ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة / وتتفاخر بقوتها وخطها المائل/ وهو خط عسكري مدني مسلح/ كل هذا انتهى وكانت القيادة الشيوعية من أوائل المعترفين وعلى العلن في مقابلاتهم الإذاعية والتلفازية.
وللحق أقول أن رجلًا واحدًا في القيادة يستحق كل التقدير والاحترام ألا وهو حسين الرضي/ سلام عادل فقد بقي صامدًا حتى مات تحت التعذيب البشع وهو يعلم بانهيار كل شيء في الحزب وما كان الصمود الا اعتزازًا بكرامته التي حافظ عليها وهذا ما يستوجب الاحترام.
وفي عام 1973 لعب البعث لعبته معهم في بناء الجبهة وهي وسيلة لكشف المعلوم والمخفي عن الشيوعيين فالمعلوم لدى البعثيين هم المخبرون المندسون ومعهم المتخاذلون الذين اعترفوا في
عام 1963 وأمّا الأهم في نظر البعثيين هم المنتمون للتنظيم بعد عام 1963.
ثم انقسم الشيوعيون الى فئتين فئة يقودها عزيز الحاج وهو كردي فيلي رايتها الكفاح المسلح وفئة أخرى يقودها عزيز محمد وهو من اكراد الشمال ورايتها الأنصار.
فأمّا عزيز الحاج فقد تم القبض عليه عام 1969 وسلّم ما عنده من اعترافات الى البعثيين مبررًا موقفه بأنه كان يخشى اتهامه بالعمالة الى جهة اجنبية وأنّه بعمله هذا قام بإنقاذ مجموعته وقد انتهى امره بتعينه سفيرًا في منظمة اليونسكو ومات في فرنسا في 21 كانون ثاني 2020.
أمّا عزيز محمد الكردي القادم من قرية تابعة الى أربيل الذي تولى قيادة فئة الأنصار وكان هو الاقدم حزبيًّا في قيادة الشيوعيين وعلى هذا تم اختياره سكرتيرًا أولًا للحزب عام 1964.
وفي اختياره قولان فالقول الأول يقول عنه بأنّه أُنْتُخبَ لفترة اجتماع الكونفرنس العام للحزب والقول الاخر يقول بأن انتخابه كان دائمًا / واني أرجح القول الأول لأن الحزب الشيوعي بعد سلام عادل لم تكن له زعامة ثابتة وتشظيه الى جماعات مختفية وهاربة في شمال العراق.
وهناك الكثير من المؤشرات السلبية على عمله منها تكريد الحزب واجتماعه بصدام حسين قبل موعد انعقاد المؤتمر في شمال العراق بأيام/ في أيلول 1970/ وكان طلب صدام الإسراع في قيام الجبهة وكان جواب عزيز محمد هو اعطاءه مهلة لحين إقناع المعارضين للجبهة ومن هنا قام صدام بتصفية المعارضين للجبهة بعد تسريب الأسماء اليه من قِبَل عزيز محمد ويُذكرُ عنه أنه في كل أزمةٍ يمر بها الحزب الشيوعي يكون هو في خارج العراق مما دفع ببعضهم من أن يضع علامة استفهام حول الموضوع حيث كانوا يغمزونه بقولهم/ أنّه يملك الحاسة السادسة/ وآخرون يقولون إن له عصفورةً تُخبرهُ بقرب حلول ازمة داخل الحزب أو حصول حَدَثٍ حيث يقوم بترتيب أموره لمغادرة العراق قبل حصول الواقعة فيتخلص منها وهذا ما تبين لي من خلال قراءتي لِما بين السطور وما أفرزتهُ الاحداث عنه ومنها قراره بإلغاء تنظيم الخط العسكري بشكل فردي.
وكذلك مدارتُهُ وسكوتُهُ على أبشع مجزرة حصلت لأسرى شيوعيين/ رجال ونساء/ يقدر عددهم بين 70 الى100 ومن بينهم كانت ابنة سلام عادل وكانت المجزرة على يد الحليف لهم مجموعة مام جلال الطالباني وكان جميع الاسرى من ابناء الوسط والجنوب وتُسمّى بمجزرة بشتاشان.
وقد برر عزيز محمد موقفه بأنّه كان في حينها خارج العراق في سوريا وله قضايا أخرى هو مسؤولها المباشر وهي تعذيب الشيوعيين المخالفين لرأيه حيث تطرق الشيوعي محمد السعدي الى ذكرها في مذكراته وكان من المشاركين في التعذيب وهو النادم اليوم على فعله.
وفي 16 تموز 1973 تم قيام الجبهة الوطنية التي يُسميها بعض الشيوعيين بالجبحة الوطنية وهناك اقوال بأنّ الجبهة تمت بإيعاز من الاتحاد السوفيتي لانتهاج البعثيين النهج الاشتراكي الماركسي واخرون يقولون ان الأوضاع التي كان عليها الحزب تطلّبت قيام الجبهة لتخفيف الضغوطات البعثية عليه ومن هذه المتناقضات والاقاويل تمت ولادتها القيصرية وتشكل هيكلها التنظيمي من 13 عضوًا وهم كالاتي:
أولًا رئيس اللجنة العليا وهو رئيس الجمهورية أو نائبه ثانيًا أعضاء اللجنة وهم 5 من البعثيين و3 من الشيوعيين و3 من الحزب الديمقراطي الكردستاني ثالثًا عضو واحد من المستقلين.
ومن هذه التشكيلة يتبين ان سيد الموقف هم البعثيون واما الباقون فهم ليسوا أكثر من أتباع.
وكان الشيوعيون في تلك الفترة يتألفون كما اسلفتُ من/ شيوعيون مخبرون وشيوعيون كانوا هاربين / وشيوعيون متخاذلون وهم الذين اعترفوا عام 1963/ وبينهم شيوعيون ممن دخل الى التنظيم بدافع وطني لميوله الماركسية أستطيع تسميتهم بالمنزلقين او المخدوعين.
ومن هذه التشكيلة دخل الشيوعيون مع البعثيين/الجبهة أو الجبحه/ والمضحك أن مقرّ الحزب يقع في ظهر مديرية الامن العامة واني لا أستبعد أن يكون البيت المستأجر مقرًا للشيوعين يعود في ملكيته الى مديرية الامن العامة مع الدور المحيطة بها كإجراء احترازي أمني.
بقي الشيوعيون في الجبهة كخيال الماتة وما كسبوا منها غير وزارتين بائستين الى أن وصل لرئاسة الدولة صدام حسين في تموز عام 1979 حيث انتهى عرس المغفلين بهروب القيادة الى الدول الاشتراكية وأولهم كان السكرتير الأول للحزب عزيز محمد حيث هرب الى جيكوسلفاكيا.
أمّا البعثيون فقد استوفوا حقهم من الشيوعيين وحققوا ما أرادوا بكشفهم ما خفي عليهم بعد عام 1963 وهذا ما كانوا اليه يهدفون.
***********
الدنمارك / كوبنهاجن الأربعاء في 28 كانون ثاني 2022

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع