المحطة رقم 10 الفرزة الثالثة عشرة

124

المحطة رقم 10 الفرزة الثالثة عشرة

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

كان قراري بعد أن تسلمتُ جوازي من دائرة الشرطة أن اعود الى براغ لإجراء عملية الى أنفي الذي كسره ماجد صبري في دراجته الهوائية وأنا في عمر ثلاث سنوات وقد
أعطتني الشرطة الالمانية شهرًا فرصةً للعمل والرجوع الى العراق وكانت الفيزة الجيكية دبل عندما أخذتها من العراق وهذه من احتياطاتي في الأمور التي لا أعرف نتائجها وقد أفادتني بالفعل.
أنهيتُ عملي وصاحبي العراقي الذي تعرّفتُ عليه عند مكتب أطلس اسمه شلال وهو من بغداد وكان في إيطاليا للدراسة ولأسباب ماليه اضطر للقدوم الى برلين للعمل.
خروجنا من باب العمارة فوجدنا المسؤول الذي كلمني فوقفنا وكان معه عاملان آخران وبعد أن أنهى كلامه معهما التفت الينا وكلّم صاحبي شلال ثم التفتَ اليَّ ليعتذر فقلتُ له إنّي مغادر الى براغ فأظهر أسفه متصورًا أنّي زعلان من كلامه السابق وقد أراد أن يُطيب خاطري بقوله: فذكر لنا أنّه مهندس عَمِلَ في الجسر المعلق ببغداد وعنده تصور جميل عنها فقلتُ له لا لستُ منزعجًا ولكني ذاهب الى أخي في براغ ثم أعود.
ذهبتُ وشلال الى مكتب العمل أطلس فتبين لي أنه يعود لنفس صاحبي المسؤول فهم عائلة يهودية تُديرُ أعمالها بنفسها ويفضلون عمل الأجانب الداخلين لبرلين بصورة غير قانونية الذين هم أمثالنا وذلك لأجورنا المنخفضة حيث يحسبون لي 26 ماركًا من أصل 60 ماركًا إذا كان عملي حسب القانون.
قبضتُ وشلال الأجر الأسبوعي وأرادت صاحبة المكتب تجديد عملي وشلال فقلتُ لها اني مسافر الى براغ وأمّا شلال فتسلم عمله وافترقنا من ذلك اليوم.
ومن الطريف أني عملتُ اسبوعًا في عملٍ كان المشرف علينا فيه ايطاليًا فأدخل معنا زوجته كواحدة من العمال وكان عملها أن تتجول بيننا وبيدها قنينة البيرة وتتجول وبعد نهاية الأسبوع حضرنا ومعها زوجها الإيطالي الى المكتب لتسلم الماهية او الأسبوعية فرفضت مسؤولة المكتب أن تعطيها الأسبوعية فحاول زوجها اقناع مسؤولة المكتب فلم يفلح فخرج وزوجتُهُ وهي يبكي فضحكتُ وقلتُ في نفسي هذا هو الاستحقاق الصحيح.
وعند تسلمي جوازي من الشرطة عرضتُهُ على الشيخ صبيح فطرح عليّ رأيًا بتبديل الورقة المضروبة والمختومة بطردي وخروجي بعد شهر بورقة جواز من عنده سليمة وكانت الورقة المختومة في جوازي تحمل رقم 17 فوافقتُ على رأيه وأعطيتُهُ الجواز
وقد كانت مجازفةً وعند تسلمي الجواز ظهر لي أن الشيخ صبيح محترفًا في العمل. وفي ليلةٍ عند عطلة الأسبوع اقترح الشيخ صبيح ان نذهب الى أحد البارات عسى ان يحالف أحدنا الحظ بمصاحبة ابنة حلال تكون له سندًا في زواجه منها والشيخ صبيحهو صاحب الفكرة والاعرف مني ومن حامد بها وحين دخلنا أحد البارات وهو تحت
 حدى العمارات وكان مزدحمًا جلسنا متفرقين وكان حظي كما يقول مثلنا الشعبي/ جت الحزينة تفرح/فكان فرحي بنهوض أحد الجالسين للذهاب الى المرافق الصحية وعند وصوله قربي أخذ بالتقيؤ ويا لها من مصيبة فقد كنتُ لابسًا بدلتي الجديدة فنالني من قيئه شيءٌ على سترتي وبقيتُ حائرًا لا أدري ما اعمل فذهبتُ للشيخ صبيح وأخبرتُهُ فرأى بقايا القيء ثم لملمنا حالنا وخرجنا وفي اليوم التالي ذهبتُ ببدلتي للمكوى لغسلها وكيّها فكلفني ذلك 5 ماركات وبقي أثر القيء عليها فندمتُ ولات حين ندم.
وخلال هذه الفترة انتابتني حالةٌ من الفراغ الروحي رغم كوني لم اكن ملتزمًا بالجانب الديني فكنتُ أقصد بقايا برجٍ لكنيسةٍ متهدمة في الحرب الكونية الثانية فأقف بداخله كي
أملأ ذلك الفراغ الروحي وكنتُ أكرر زيارة البرج عند شعوري بذلك الفراغ.
كما حصل عندي عطشٌ الى لعبتي التي لا أرى لعبةً أميز منها والى الآن ولو كنتُ ذا قدرة على إدخالها الى المدارس لأدخلتُها وجعلتها درسًا من الدروس المدرسية ألا وهي لعبة الشطرنج فاندفعتُ سائلًا الشيخ صبيح عن مكانٍ لهذه اللعبة لكي ألعب فيه فأخذني في اليوم التالي عصرًا الى باب بناية وحدد لي الطابق الثاني ففيه ما أرغب فطلبتُ منه الصعود معي فاعتذر وذهب.
صعدتُ الى الطابق الثاني ودخلتُ مقهى الشطرنج وبعد جلوسي الى جانب بعض اللاعبين طلبتُ اللعب مع أحدهم فوافق ولما ذهبتُ لأخذ الشطرنج طلب مني مسؤول المقهى أن أدفع 5 ماركات مقابل اللعب به فأعطيتُهُ ولما نصبتُ الرقعة والاحجار أمام رسيلي شارطني أن يكون اللعب بالنقود فقبلتُ وكان الافتتاح لأول لعبة بـ 5 ماركات رحّبتُ باللعب على ذلك الشرط وخرجتُ بمتعتين اللعب والمكسب المادي.
أصبح ذلك المكان ملاذي كلما وجدتُ فراغًا عندي لقضاء الوقت والحصول على بعض الماركات حتى أنهم كانوا يقولون عند دخولي المقهى/ حضر الأستاذ/ فأتذكر جماعتي الشطرنجيين في نقابة المعلمين بمدينتي الكوت حيث كانوا يلقبونني بالأسطورة. وفي احدى المَرّات حضر اثنان رجل خمسيني ومعه شاب فسلّم بالعربية وقال لي هذا يُريد اللعب معك فوافقتُ على اللعب وبدأ اللعب على 5 ماركات لكل دست فلعبتُ معه
8 دسوت خسرتها وأفلستُ فقال لي: أنت عربي جبان/ فالمني قوله فطلبتُ منه انتظاري لحين آتي بالنقود من البيت وماهي الا شربة سيجارة كما يقولون حتى وجدني أمامه جاهزًا فلعبنا وأخذت الخسارة تلاحقه وكانت 7 دسوت متتالية ثم نهض ليغادر فقلتُ للشاب الذي كان معه قل له/أنّه ألماني جبان/ فقال له الشاب قولي فبلع الإهانة وخرج.
بقيتُ اتحدث مع الشاب فتبين انه يهودي من فلسطين واستفسر عن وضعي فشرحتُ له موضوعي وأسباب قدومي الى برلين هنا ابدى الشاب استعداده لمساعدتي بالحصول
على مقعد دراسي في جامعات إسرائيل مع بطاقة سفر مجانًا.
الحقيقة العرض مُغري ولكني اجبتُهُ على الفور اذا كان بإمكانك مساعدتي ساعدني في برلين وكان رفضي بطريقة دبلوماسية فأجابني بالرفض أيضًا وحقيقة رفضي هو أنّ لكل شيء ثمن فمقابل هذا في حالة قبولي له أكون أداةً مسخرةً بيدهم وموجهةً ضد أبناء جلدتي وإلّا ما معنى هذا الكرم اليهودي؟؟!! وبعد تلقي رفضي غادر المكان. أتيتُ بعد هذا اللقاء الى المقهى مرتان وكان لعبي هذه المرّة مع مسؤول المقهى بطلبٍ منه وإنّ وتقديري لعمره فوق الثلاثين فلعبنا ثلاثة أشواط خسرتُ الشوط الأول والثاني وكسبتُ الثالث وفي لقائي الثاني معه كسبتُ الدسوت الثلاثة وكلما كنتُ أعرض عليه اللعب بالنقود يرفض طلبي فأسكتْ وفي آخر شوط من اليوم الثاني عند خسارته قام ثم أخذ يتكلم مع شخص آخر قريبًا من الباب فلعب الفار في عِبّي كما يقولون فبقائي سوف يعرضني الى أمور لا تُحمدُ عُقباها هذا ما خرجتُ به في تحليلي بعد أن تبين لي أن هذه المقهى لليهود فغادرتُ المكان ولم أعد له وعذرتُ الشيخ صبيح من عدم صعوده معي.
قد يدور في ذهن القارئ سؤالٌ وهو لماذا اخسر في جولاتي الأولى في اللعب؟؟ أقولُ مُجيبًا أنّ كل الذين ألعب معهم هم ممن يقرأون ويدرسون الخطط الى لاعبين من أبطال الشطرنج فهم كمَنْ يحفظ درسًا من الدروس فيُطبق الخطة دون امكانيته على التحليل والتكتيك لنقلات رسيله وعند لعبي معهم أخسر الدست، ولكني أستوعب الخطة فأضع لها خططًا من عندي تكون خسارتهم فيها وهذا ما حصل مع مَنْ لعبتُ معهم.
وقبل عودتي الى براغ بقيتُ أراجع نفسي بموضوع ايصال رسالة المهندس الجيكي بافل التي كتبها الى صديقته بريجيت باثك وما قاله اصحابي عنها بعدما سمعوا حكاية زوجها المغربي وبعد أن قلّبتُ الرأي وجدتُ ان الأنسب إيصال الرسالة ولا ابني على تصورات اصحابي فقمتُ بزيارتها الى شقتها الواقعة في منطقة قيصردم عصرًا. قرعتُ جرس باب العمارة الرئيسي المتصل بشقتها ففتحت الحاكية وابلغتُها بأن لها رسالةً من المهندس بافل ففتحت الباب الرئيسي وصعدتُ لشقتها وكانت في الدور الرابع قرعتُ جرس باب الشقة فخرجت لي شابة في الثلاثيين او أقل فسلمتها الرسالة وسمحت بدخولي وبعد قراءتها أخبرتها بأني راجع الى براغ فطلبت مني ان ترسل الى المهندس بافل هديةً فوافقتُ على طلبها واتفقتُ معها على أن اعود لها لأخذها قبل سفري.
عُـدتُ لها قبل سفري بيوم وتسلمتُ هديتها للمهندس بافل.
وظهر الموقف ليس كما توقعه جماعتي، بل بالعكس تمامًا وهذا ان دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على ظلم الاخرين بتصور باطل فيكون الحُكمُ مُسبقًا قبل التعرف عليهم والاحتكاك بهم وهذه الحالة هي من أسوء الحالات المُتأصلة في مجتمعنا.
*******************
الدنمارك / كوبنهاجن الخميس في 23 / آذار / 2023

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع