المثقف بين التحدي والإستجابة

50

شدري معمر علي/
توطئة : ” المثقف من يحمل الحقيقة في وجه القوة” تشوموسكي .
لتوينبي تفسير خاص في نشوء الحضارات الأولى، أو كما يسمِّيها “الحضارات
المنقطعة” من خلال نظريّته الشهيرة الخاصة بـ “التحدي والاستجابة”، والتي
استلهمَها من عِلم النفس السلوكي، وعلى وجه الخصوص من “ كارل يونغ (1875– 1961
م)” الذي يقول أنَّ الفرد الذي يتعرض لصدمة قد يفقد توازنه لفترةٍ ما، ثم قد
يستجيب لها بنوعين من الاستجابة:
استجابة سلبية: النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسك به تعويضاً عن واقعه
المُرّ، فيصبح انطوائيًّا. استجابة إيجابية: تَقَبُّل الصدمة والاعتراف بها،
ثم مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًّا.
نستطيع أن نسقط هذه النظرية الحضارية على المثقف الذي يواجه تحديات كبرى في
واقعه المعاصر ، كالبحث عن التميز و محاولة إيجاد مكان له في هذا العالم
للتأثير فيه فسعادة المثقف هو أن يرى من يحتضن أفكاره ويحولها إلى واقع ملموس
فإذا كانت استجابة المثقف لهذه التحديات الصعبة استجابة إيجابية فهو يتقبل هذا
الواقع و يترك برجه العاجي وينزل إلى الجماهير ليخاطبها ويعيش معها همومها و
انكساراتها فيعتبر نفسه جزءا منها وواحدا من هذا المجموع فلا يشعر بإحباط ولا
يأس من عملية التغيير البطيئة .
أما إذا كانت استجابته سلبية فهنا ينزوي على نفسه و يلجأ إلى الهروب إلى
الماضي وقد يكون ماضيه الخاص الذي يجد فيه بعض العزاء و أكبر هروب و أخطره هو
أن ييأس من عملية التغيير فيصاب بالخيبة والاكتئاب وقد تكون النهاية الانتحار
احتجاجا على البيئة التي لم تقدر أفكاره ولم تفتح له الأبواب ليلج إلى عالمها
..
فعلى المثقف الحقيقي وليس المتعلم أن يكون مرنا حتى يستطيع مواجهة الصدمات
والتحديات
يقول المؤرخ العراقي علي الوردي (في خوارق الشعور):
“.. المتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه
منذ صغره.. فهو لم يزدد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضيّق نظره.. رجل آمن
برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيد رأيه
الموروث وتحرّضه على الكفاح في سبيله.. أما المثقف فيمتاز بمرونة رأيه
وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة يتأمل فيها ويتبنى وجه الصواب منها..” .

الكاتب والباحث في التنمية البشرية شدري معمر علي
alichedri@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع