المؤرخ والمناضل أحـمـد تـوفـيـق الـمـدني

أضواء على سيرته وجهوده

59
المؤرخ والمناضل أحـمـد تـوفـيـق الـمـدني
أضواء على سيرته وجهوده
الدكتور محمد سيف الإسلام بــــوفــــلاقــة
كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

 

هو المناضل الكبير الأستاذ(أحمد توفيق بن محمد المدني)، ولد في(تونس العاصمة)، يوم: (24جمادى الثانية1317هـ)؛ المُوافق لـ(01نوفمبر1898م)، والده جزائري، هو السيد(محمد المدني)، ووالدته جزائرية هي السيدة(عائشة بويزار)، وقد هاجرت أسرته الجزائرية إلى البلاد التونسية(المغرب الأدنى)في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، بعد ثورة المقراني والحداد عام: (1871م)؛ زاول دراسته الأولية عندما بلغ الخامسة من عُمره، ثم التحق بالمدرسة القرآنية الأهلية التي كانت يومئذ تحت إدارة(محمد صفر)في سن العاشرة، وقد درس العلوم الدينية والنحو والصرف والبلاغة، كما درس تفسير القرآن الكريم، وبعض مبادئ اللغة الفرنسية، وفي عام: (1331هـ)،الموافق لسنة: (1913م) التحق بجامعة الزيتونة،والمدرسة الخلدونية، ويذكر نجله(محمد إسلام توفيق المدني)أنه «وهو صغير في المراحل الأولى لدراسته في الكتاب بدأ يظهر اهتمامه المبكر بالكفاح المناهض للاستعمار،بدأ ذلك من خلال مساهمته مع أترابه في إنشاء جماعات تنادي بالثورة ضد فرنسا التي احتلت أرضهم».
في عام: (1333هـ)،الموافق لسنة: (1915م) بدأ نشاطاً مُكثفاً في لجنة صغار الثوار التونسيين ؛ التي كانت تؤكد على أن حمل السلاح، ومحاربة الاستعمار، والكفاح المُسلح هو السبيل الوحيد لتحقيق استقلال(تونس)، ثم بقية بلدان المغرب العربي، ثم العالم الإسلامي،وفي السنة نفسها(1915م)أُلقي عليه القبض،وزج به في غياهب السجون،بعد اتهامه بالمساس بالسيادة الوطنية،وفي عام: (1336هـ)المُوافق لـ(1918م) أُطلق سراحه،وخلال فترة مكوثه بالسجن تعلم اللغة الفرنسية من خلال المطالعة،وحفظ الكتب، و المجلات، والأعمال الأدبية التي كان يحصل عليها في سجنه،وفي سنة: (1338هـ)المُوافق لـ(1920م) قام الأستاذ(أحمد توفيق المدني)بإنشاء حزب الدستور مع مجموعة من الأعضاء،وكان من أبرز أعضائه المؤسسين،كما كان عضواً في لجنته التنفيذية، وقد كان الغرض من تأسيس هذا الحزب هو الحصول على دستور وطني تونسي، وهدفه الرئيس نيل استقلال تونس من الحماية الفرنسية،ويتحدث ابنه الأستاذ(محمد إسلام) عن هذه الفترة المهمة من حياته،فيقول: «هذه الحقبة التاريخية عرفت نشاطاً سياسياً وصحفياً مكثفاً من خلال كم عظيم من المقالات والدراسات والمنشورات والاجتماعات في جميع أنحاء الوطن،وكان الهدف هو إثارة الضمائر الوطنية وتهيئتها لرفض النظام الاستعماري المرائي،ولقد كان للأستاذ أحمد توفيق المدني مساهماته المؤكدة بكتاباته في هذه الفترة».
ويرى العديد من الباحثين الذين تتبعوا سيرة المجاهد والمؤرخ الأستاذ(أحمد توفيق المدني)أن سنة: (1343هـ)المُوافق لـ(1925م) هي سنة فاصلة في حياته،ومساره النضالي،فقد أبعدته السلطات الفرنسية من تونس إلى الجزائر،وفي الجزائر ازداد نشاطه المكثف أكثر؛إذ لم يتوقف عن النضال والكفاح الثقافي والسياسي، وكتب عدة مقالات ضد التجنيس،وظل يدعو إلى الاتحاد بين الهيئات والأحزاب،وكان ضمن أعضاء اللجنة التحضيرية لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،وبعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة: (1350هـ)المُوافق لـ(1931م)عمل بمجلة«الشهاب»وكان المحرر السياسي فيها،وفيما بعد وتحت إشراف العلاّمة(محمد البشير الإبراهيمي) أصبح أميناً عاماً للجمعية،وشغل منصب رئيس تحرير جريدة«البصائر»،وعندما اندلعت ثورة التحرير الجزائرية عام: (1373هـ)المُوافق لـ(1954م) شارك فيها بالنضال الثقافي بقلمه،ثم حُول لتمثيل جبهة التحرير الوطني بمصر، ففي عام: (1375هـ)المُوافق لـ(1956م)التحق بالقاهرة،وظل بها إلى غاية عام: (1377هـ)المُوافق لـ(1958م)،وكان مسؤولاً عن المكتب الخاص المُكلف بالعلاقات العربية في مصر،ومع تشكيل أول حكومة مؤقتة،والتي كان على رأسها(فرحات عباس) عُيِّن وزيراً للشؤون الثقافية مُكلفاً بالعلاقات مع الدول العربية،وبالتكفل مادياً بالطلبة الجزائريين المُقيمين في الجمهورية العربية المتحدة(مصر العربية)،بعد استقلال الجزائر عمل وزيراً للشؤون الدينية، وبعدها تم تعيينه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة،وفي عام:(1385هـ)المُوافق لـ(1965م) عُيّن سفيراً فوق العادة،ومفوضاً في ثلاث عواصم،هي:بغداد، وطهران، وأنقرة،وفي عام: (1390هـ)المُوافق لـ(1970م)عُيّن سفيراً في(باكستان)،وفي عام: (1392هـ)المُوافق لـ(1972م)التحق بالمركز الوطني للدراسات التاريخية،وقد توفي يوم الثلاثاء(12محرم1404هـ)،المُوافق لـ(18أكتوبر1983م).
من أبرز شيوخه:العلاّمة والمؤرخ الكبير(حسن حُسني عبد الوهاب)،الذي درّسه في المدرسة الخلدونية بتونس.
من أهم مؤلفات الأستاذ(أحمد توفيق المدني):«قرطاجنة في أربعة عصور من عصر الحجارة إلى الفتح الإسلامي»،وقد صدر عن منشورات المؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر،عام: (1986م)،وقد أشار في مستهله إلى المآثر التاريخية والحضارية لبلاد المغرب العربي،حيث يقول: «إن لبلادك هذه لتاريخاً زاهراً،يخترق العصور إلى ماوراء الثلاثين قرناً،ويجمع بين صحفه المسطورة جم الحوادث الهائلة،والأعمال الجسيمة…فتاريخ الشمال الإفريقي يشمل برمته عصرين عظيمين:العصر الأول هو العصر البربري البحت،ويبتدئ منذ عرف التاريخ إلى أن قدم العرب، والعصر الثاني يبتدئ منذ تصافح أبناء يعرب وأبناء مازيغ،وأصبح المغرب بلاداً إسلامية يقطنها عنصر مزيج من البربر والعرب،فأما هذا العصر الثاني،فقد اعتنى به المؤرخون عناية تشكر،وأفردوا له كتباً قيمة وأسفاراً جليلة،وأما العصر الأول،فذلك هو الذي رأيت مؤرخي العرب قد تهاونوا به وتركوه،فعزمت على سد هذه الثلمة،وصممت على تسطير هذا التاريخ الذي بين يديك».
كما أشار الأستاذ(أحمد توفيق المدني)في مستهل هذا البحث إلى منهجه،فيقول: «ولقد استخرجته من كتب المؤرخين الغربيين،وهم الذين أفردوا هذا العصر ببحث كبير،وبذلوا في سبيله مجهوداً جسيماً،فأعادوا الحياة لذلك العصر الميت،واستحقوا من الأمة المغربية،ومن التاريخ العام كل شكر وثناء،ثم إنك سترى أني في أثناء هذا البحث لم أقتصر على ذكر الوقائع وتاريخ حدوثها،لأن هذا في نظري ليس هو التاريخ،إنما التاريخ الحقيقي هو تجسيم العصر الماضي حتى يصبح كأنه الحاضر المشاهد…».
كما كرس الأستاذ(أحمد توفيق المدني) أحد مؤلفاته النفيسة للحديث عن:«حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر و إسبانيا1492-1792م»، فنُلفيه يقول في مُستهل تقديمه لهذا السفر النفيس: «أقدم اليوم بين أيدي الباحثين والقراء،دراسة تشمل في آن واحد عصراً معيناً،هو عصر الدولة الجزائرية العثمانية،وحادثاً مُعيناً،هو الغزو الصليبي الاستعماري الاسباني لبلادنا،وما كان لذلك الغزو من أسباب ومن نتائج،وما اقترن به طيلة ثلاثة قرون(1492-1792م)من مُلابسات ومن تطورات، ثم أصف الوقائع، حربية كانت أو سياسية، وصفاً مُسهباً، ترى به الصورة الحقيقية، واضحة التقسيم،ناصعة الألوان، لا دخل فيها للزيف أو للخيال.فحوادث هذه الملحمة الهائلة قد بقيت مجهولة لدينا في تفاصيلها، رغم أننا كنا أبطالها، وكنا ضحاياها، بينما اعتكف الغربيون من مختلف الآفاق على دراستها والتعمق فيها، فنشروا كل ما عثروا عليه من وثائقها، وألفوا فيها عشرات الكتب، ونشروا عنها مئات البحوث، كان أقلها السليم الذي لا يتحرى إلا الحق، وكان أكثرها السقيم الذي يسير مع الهوى… ».
وعن أسباب اختيار هذا الموضوع،يقول الأستاذ(أحمد توفيق المدني) : « لقد اخترت هذا الموضوع بالذات؛لأنه يتعلق أولاً بميلاد الدولة الجزائرية الحقيقية،لأول مرة في تاريخنا،دولة ذات معالم معينة،وحدود مرسومة،فوق تراب تشكلت منه أرض الوطن وتكونت فوقه وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية،بعد الوحدة الدينية التي كانت القاسم المشترك الأعظم،وقامت على رأسه دولة لا تنتسب لعائلة،ولا لقبيلة،إنما تنتسب لوطن مُعين…فهذه الدولة التي أقامها الشعب بإعانة الأتراك العثمانيين قد وُلدت بين فرث الحوادث،ودم المعارك العالية،خلال عصر تغير فيه وجه الدنيا باكتشاف العالم الجديد…
ثم اخترته،ثانياً،لأن هذه الدولة الجزائرية الأولى،قد برزت إلى الوجود،وشبت وشابت،نتيجة لحملة صليبية استعمارية هوجاء،كأشد ما تكون الحملات الصليبية الاستعمارية عنفاً وقسوة وحمية جاهلية،فكانت أرض الجزائر،بعد أرض الأندلس،هدف هذه الحملة وميدان عملياتها الدامية…» .
ومن بين أعماله العلمية النفيسة نذكر: «كتاب الجزائر»،و«مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر،تحقيق»،و«مُحاضرات في اللغة والفكر والتاريخ»،و«أبطال ورجال» ،و«المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا»،و«هذه هي الجزائر»،و«تقويم المنصور».

المصادر و المراجع المُعتمدة :
1-آثار الأستاذ أحمد توفيق المدني(الأعمال الكاملة)، صدرت في تسعة مجلدات في طبعة خاصة عن وزارة المجاهدين، الجزائر، 2010م.
2-مسعود كواتي: شخصيات جزائرية مواقف وآثار ونصوص، منشورات دار طليطلة،الجزائر، 1432هـ/2011م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع