اللغة الجميلة.. حطام الضوء/ للشاعر:عدنان الريكاني

19

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّةالتعبيريّة

اللغة الجميلة …

بقلم : كريم عبدالله – العراق 24/6/2020

حطام الضوء – للشاعر : عدنان الريكاني /العراق.

 

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثرفهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة النثر في الشعر الأوربي هي شيء آخر , وفي الشعرالعربي عندما نقول نتحدث عن قصيدة مقطّعة وهي مجرّد تسمية خاطئة , وأنا أسمّي هذاالشعر الذي أكتبه بالشعر الحرّ , كما كان يكتبه إليوت و أودن وكما كان يكتبه شعراءكثيرون في العالم . واذا كانت تسميتها قصيدة النثر , فأنت تبدي جهلك , لأنّ قصيدةالنثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه , أي قصيدة غير مقطّعة . من هنابدأنا نحن وأستلهمنا فكرة القصيدة / السرديّة التعبيريّة / بالأتكاء على مفهومهندسة قصيدة النثر ومن ثمّ التمرّد والشروع في كتابة قصيدة مغايرة لما يُكتب منضجيج كثير بدعوى قصيدة نثر وهي بريئة كل البراءة من هذا الاّ القليل ممن أوفى لهاحسبما يعتقد / وهي غير قصيدة نثر / وأبدع فيها ايما ابداع وتميّز , ونقصد انّ مايُكتب اليوم انما هو نصّ حرّ بعيد كل البُعد عن قصيدة النثر . انّ القصيدة السرديّةالتعبيريّة تتكون من مفردتي / السرد – التعبير / ويخطيء كثيرا مَن يتصور أنّ السردالذي نقصده هو السرد الحكائي – القصصي , وأنّ التعبير نقصد به الأنشاء والتعبير عنالأشياء . انّ السرد الذي نقصده انما هو السرد الممانع للسرد أي انّه السرد بقصدالأيحاء والرمز والخيال الطاغي واللغة العذبة والأنزياحات اللغويّة العظيمة وتعمّدالأبهار ولا نقصد منها الحكاية أو الوصف, أما مفهوم التعبيريّة فأنّه مأخوذ منالمدرسة التعبيريّة والتي تتحدث عن العواطف والمشاعر المتأججة والأحاسيس المرهفة ,اي التي تتحدث عن الآلآم العظيمة والمشاعر العميقة وما تثيره الأحداث والأشياء فيالذات الأنسانيّة . انّ ما تشترك به القصيدة السرديّة التعبيريّة وقصيدة النثر هوجعلهما النثر الغاية والوسيلة للوصول الى شعرية عالية وجديدة . انّ القصيدةالسرديّة التعبيريّة هي قصيدة لا تعتمد على العروض والأوزان والقافية الموحّدة ولاالتشطير ووضع الفواصل والنقاط الكثيرة او وضع الفراغات بين الفقرات النصيّة وانّماتسترسل في فقراتها النصيّة المتلاحقة والمتراصة مع بعضها وكأنّها قطعة نثريّة .أنّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي غيمة حبلى مثقلة بالمشاعر المتأججة والأحاسيسالمرهفة ترمي حملها على الأرض الجرّداء فتخضّر الروح دون عناء أو مشقّة .

وسعياً منّا الى ترسيخ مفهوم القصيدةالسرديّة التعبيريّة قمنا بأنشاء موقع الكترونيّ على ( الفيس بوك ) العام 2015,اعلنا فيه عن ولادة هذه القصيدة والتي سرعان ما أنتشرت على مساحة واسعة من أرضناالعربية ثم ما لبثت أنّ انشرت عالمياً في القارات الأخرى وأنبرى لها كتّاب كانواأوفياء لها وأثبتوا جدارتهم في كتابة هذه القصيدة وأكّدوا على أحقيتها في الأنتشاروأنطلاقها الى آفاق بعيدة وعالية . فصدرت مجاميع شعرية تحمل سمات هذه القصيدةالجديدة في أكثر من بلد عربي وكذلك مجاميع شعرية في أميركا والهند وافريقياواميركا اللاتينية وأوربا وصار لها روّاد وعشّاق يدافعون عنها ويتمسّكون بجماليتهاويحافظون على تطويرها .

سنتحدث تباعاً عن تجلّيات هذه اللغة حسبما يُنشر في مجموعة السرد التعبيري –مؤسسة تجديد الأدبيّة – الفرع العربي , ولتكن هذه المقالات ضياء يهتدي به كل مَنْيريد التحليق بعيدا في سماوات السردية التعبيرية .

اللغة الجميلة :

أنّ ما نتعرّض له يوميّا من زخم هائل منالمعلومات من خلال هذا الهوس العظيم من النشر العشوائي والمتسارع من على شبكاتالتواصل الاجتماعي المختلفة , بالتدريج جعلت منّا نعيش في دوامة أجبرتنا على أننقنع بالسهل البسيط والغثّ حتى نتمكن من متابعة كلّ ما يُنشر على صفحاتنا في هذاالفضاء الآزرق , وهذا ما جعل الشاعر أيضاً ينصاع وراء رغبة المتلقي الذي صار يطالببالكتابة العادية والبسيطة بحجة أنّها تكون في متناول جميع طبقات الشعب , وأن لاوقت لقراءة الكتابات ذات القيمة الابداعية العظيمة التي تحتاج الى قراءة أبداعيةوالوقوف عندها وفكّ شيفراتها والبحث وراء التأويل والاستمتاع بها , لقد أصبحالكثير يكتب على حساب الابداع والجمال وفق مايريد القارىء , فأصبحنا نقرأ يوميّاًالكثير من الهذاءات والطلاسم والنصوص الفارغة والسطحيّة فكريّاً وجماليّاً ,ونفوّت على أنفسنا المتعة الحقيقية في قراءة نصوص تبعث فينا بريق الجمال والابداعوالاستمتاع , تلك النصوص التي تستفزّنا وتثير قلقنا وتجعلنا نعيش معها وفيها لفترةطويلة , فكم من النصوص العظيمة لم نلتفت إليها ولم تجد حقّها من المتابعة والقراءةالتي تليق بها , ولم نلتفت الى قابلية الشاعر وهو يرسم بلغته ملامح الابداعالحقيقي .

لهذا فنحن في مجموعة السرديّة التعبيريّةلهذا جعلنا النشر فيها مقيّداً وحسب الضوابط الأبداعيّة والجمالية , كي نتمكن منقراءة ما يكتبه كتّاب هذه المجوعة , ونحاول قراءتها قراءة تستحقها ونشير الى مواطنالجمال والابداع فيها ومتابعتها بأستمرار, في هذه المجوعة نحن نحاول صناعة الجمالوالشعر والابداع , هذه مهمتنا وسنستمر فيها ولن نتراجع .

اليوم سوف تناول قصيدة لشاعر يجيد الشعروصناعة القصيدة بحرفية عالية , الا وهو الشاعر : عدنان الريكاني في قصيدته( حطام الضوء ) وهي من القصائد التي تنتمي لغتها الى اللغة الجميلة . منخلال قراءة عنوان القصيدة نتلمس حجم الابداع والحرفية العالية في الكتابة الشعريةلدى الشاعر / حطام الضوء / حيث الأنزياح اللغوي العظيم والمدهش , من خلالهذا العنوان سندخل الى عالم الشاعر الجميل والزاخر , حيث اللغة المبهرة والمتجلّيةمن خلال السرد التعبيري . نجد هنا بأنّ كل مقطع نصّي ثم كتابته بطريقة أبداعيةرائعة , كلّ مقطع نصّي جاء مرتبطاً بما قبله وما وراءه من مقاطع نصّية , كل مقطعيعضّد ويتآصر مع المقطع الآخر , كل مقطع يكمل ما قبله وينير ما بعده ويجعل النسيجالشعري متوهّجاً , فمثلاً نقرأ / تحطم الضوء بعدما تنفست الأحلام بزقاقِ حيِّنا / هنا نجد اللغة الجميلة بأنزياحاتها وغرابتها وخيالها , حيث أمتزجالخيال الخصب مع الواقع فكانت النتيجة هذا الجمال , ثم نقرأ / وتنافرت أقطاب خيال النوم داخل كوخه الصَدِء / اللغة الجميلةوالمبهرة فعلا تتجلّى بأوضح صورة حيث الترابط المتماسك ما بين هذا المقطع النصّيوالذي يليه , وكأنّ النصذ عبارة عن سلسلة مترابطة ترابطاً جمالياً وبنائياً , ثمنقرأ هذا المقطع / أنزلقت قبلات المرايا تحت شلال النهر الأزرق / الذي يجعل المتلقييقف عنده طويلاً مستمتعاً بجمال اللغة وعذوبتها , ثم يأتي مقطع نصّي بنثروشعريةمدهشة جداً كما في / ولا معنى للطيران فوق غابات عينيها العسلية / حيث الجمال الكثيرالذي يرفرف عالياً , ثم يأتي مقطع آخر / أنها مُصِرَّة لتحصيني بمعوذات العشب الرماديوالنفخ في قَرّنِ الرِّياح / , أننا أمام هذا الزخم الجمال لا نستطيع أن نقولا شيئاً سوى ( الله ..ماهذا الجمال ..!!! ) , ويتكاثر الجمال اللغوي ويتدفق عذباً يهفهف منعشاً كما في /وفق تقويمالجمرة الداكنة، الأيام مبلولة لا تلتمس فصول الأحْتِلام، وأصابعها الزجاجية غيرقادرة على العزف بالكيتار / , نلاحظ في هذا النصذ التسلسل الجمال والترابط الكلامي وتوهّج الفكرة, فكلما نتقدم في قراءة النصّ يداهمنا جمال كثير ينبعث من لغة الشاعر , وكأنّيبالشاعر يختار مقاطعه النصّية بدراية وتأنّي ويحاول أن يرسم من خلالها الجمال كمافي / لأقدارمقلوبة تلونت بلون فراشة عانسة، تزهدت من قوتِ ابتسامات الفجور، وذاكرة جرحهامصلوبة فوق ترياق الخشاش، فتناوب صهيل الهجر / , نجد هذا الجمالاللغوي من خلال هذه المقاطع النصّية الأفقية دون تشطير أو توقف كما في / أغتصاب سرير فارغ بعد الرحيل، لعل الشواطئتُقْمِرُ بنزهة تحطم الصمت، فيسترخي حبال خطوط كفي، ويقرأ ماوراء جفن الشفقالصائم، وفي دهاليز قشرة الحزن يخرج أناتي / , جمل نصّية متواصلةلا نجد فيها ايّ ترهّل أو زيادة أو نقصان , جميل تتدفق دون توقف وينبعث من خلالهاالجمال الكثير , ويختتم الشاعر نصّ هذا بـ / ليخلد بعدها الى نوم مائي، في رحلة تسعة مئة عامسَنة ضوئية من لمعة شفاه بتولة / ليكون مسك الختاموالجمال والابداع .

أنّ القارىء المبدع والمنتج حينما يقرأ هكذا قصيدة سوف ينبهر كثيراًبهذا الكم الهائل والمتواصل والفذّ من جمال تبعثه هذه اللغة الطريّة , هذه اللغةالتي تمسك بتلابيب المتلقي ولا تجعله يغادرها إلاّ بعد ان تنثر رذاذ جمالها فيروحه وتبعث فيه نشوة لا تفارقه بسهولة . أنّ في كل مقطع نجد جمالاً وسحراً , كلّهذا أنبعث من خلال السردية التعبيرية التي منح الشاعر هذه المساحة الشاسعة منالحرية , وجعلته يستثمر خياله الخصب في رسم كلّ هذا الجمال , السرديّة التعبيريةالتي لا تعرف حدود الابداع والجمال , فحينما يخلص لها شاعرها سيكون محلّقاً عالياًفي سماواتها البعيدة , أنّ هذا النصّ يعتبر كنزاً أضافياً لكنوز السردية التعبيريةالتي أجاد وأبدع فيها كتابها أيما أجادة .

النصّ :

حطام الضوء …

عدنان الريكاني / 2020-05-27

تحطم الضوء بعدما تنفست الأحلام بزقاقِ حيِّنا،وتنافرت أقطاب خيال النوم داخل كوخه الصَدِء، أنزلقت قبلات المرايا تحت شلال النهرالأزرق، ولا معنى للطيران فوق غابات عينيها العسلية، أنها مُصِرَّة لتحصينيبمعوذات العشب الرمادي والنفخ في قَرّنِ الرِّياح، وفق تقويم الجمرة الداكنة،الأيام مبلولة لا تلتمس فصول الأحْتِلام، وأصابعها الزجاجية غير قادرة على العزفبالكيتار، لأقدار مقلوبة تلونت بلون فراشة عانسة، تزهدت من قوتِ ابتسامات الفجور،وذاكرة جرحها مصلوبة فوق ترياق الخشاش، فتناوب صهيل الهجر، أغتصاب سرير فارغ بعدالرحيل، لعل الشواطئ تُقْمِرُ بنزهة تحطم الصمت، فيسترخي حبال خطوط كفي، ويقرأماوراء جفن الشفق الصائم، وفي دهاليز قشرة الحزن يخرج أناتي، ليخلد بعدها الى نوممائي، في رحلة تسعة مئة عام سَنة ضوئية من لمعة شفاه بتولة ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع