اللغة التجريدية:طبشرة كبرياء مجروح/بقلم سلوى علي

38

جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة 

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – 4/22/ 2019

اللغة التجريدية :

طبشرة كبرياء مجروح .. بقلم: سلوى علي …السليمانية /العراق..

يقول ( هيجل ) : الشعر هو الفن المطلق للعقل, الذي أصبح حرّاً في طبيعته , والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادةالحسيّة الخارجية , ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطنيللافكار والمشاعر .

مما لاشكّ فيه انّ الموهبة قد تموت وتنتهيبالتدريج اذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاععلى تجارب الاخرين والاستفادة منها والاتكاء على المخزون المعرفي لديه ,  وتسخير الخيال الخصب في انتاج وكتابة كتاباتمتميّزة ومتفرّدة تحمل بصمته الخاصة التي عن طريقها يُعرف ويُستدلّ بها على إبداعه, وقد تموت ايضا اذا لم تجد التربة الصالحة والمناخ الملائم لأنضاجها , وقد تنتهيحينما لمْ تجد مَنْ يحنو على بذورها التي تبذرها ويعتني بها ويُسقيها من الينابيعالصافية والنقيّة , فلابدّ من التواصل والتلاقح مع تجارب الاخرين الناجحة والعملعلى صقل هذه الموهبة وتطويرها والاهتمام بها وتشجيعها والوقوف الى جانبها قبل أنتُجهض . نحن سعداء جدا في مؤسسة تجديد الادبية ان نستنشق الان ملامح إبداع جميلوحضور مشرق من خلال دعمنا المستمر للمواهب الصادقة والناجحة في هذا الموقع , فلقداصبح لدينا الان مجموعة رائعة جدا من الشعراء والشواعر الذين يجيدون كاتبة القصيدةالسرديّة التعبيريّة , ونحن لم ندّخر اي جهد في مساعدة الجميع عن طريق الدراساتالنقديّة والنشر والتوثيق المستمر في المواقع الالكترونية الرصينة وفي بعض الصحفالورقيّة , وابداء الملاحظات من أجل تطوير وإنضاج هذه الاقلام الواعدة , نحن علىثقّة سيأتي اليوم الذي يشار الى كتابات هؤلاء والاشادة بها والى القيمة الفنيةفيها ومستوى الابداع والتميّز وما تحمله من رساليّة فنيّة وجماهيريّة .

فلم تعد قوالب الشعر الجاهزة ترضي غرور شعراءالسرد التعبيري لذا حاولوا ونجحوا في الانفلات من هذه القوالب ومن هيمنتها ولوبشكل محدود ( في الوقت الحاضر ) , وتجلّ هذا من خلال طرق كتابة النصّ والموضوعاتالتي يتطرق اليها , وترسخت فكرة التجديد لديهم وخطّوا لهم طريقا مغايرا فيكتاباتهم , وصاروا يواصلون الكتابة وياخذون منحا اخر لهم بعيدا عما هو سائد الانفي كتابة قصيدة النثر , صارت القصيدة أكثر حرّية وانفتاحا على التجارب العالمية,  لقد منحت السرديّة التعبيريّة لكتّابهاالحرية والواسعة والفضاء النقيّ الشاسع والأنطلاق نحو المستقبل خاصة حينما يكونالتعبير أكثر شبابا وصدقا عن المشاعر الحقيقية المنبعثة من القلب الصافي كالينبوعالعذب , فلقد أحسّ الشاعر بمهمتة الصعبة في الكتابة بهذا الشكل الجديد والمختلفوالذي نؤمن به وبقوّة , فنحن نؤمن وعلى يقين بانّ القصيدة السردية التعبيريّة هيقصيدة المستقبل لقدرتها على  الصمودوالتطوّر المستمر نتيجة التجربة الطويلة والتراكم الابداعي , بروعة ما تقدّمهوتطرحه على الساحة الشعرية , نعم أحسّ الشاعر بالانتماء والاخلاص لهذا اللونالادبي الجديد والذي نطمح في قادم الايام ان يكون جنسا أدبيا متميّزا , لهذااستطاع الشاعر ان يطوّع المفردة رغم قسوتها وعنادها وإعادة تشكيلها وتفجير كلطاقاتها المخبوءة , وأن يفجّر من صلابتها الينابيع والانهار وإستنطاقها نتيجة ما يمتلكهمن خيال جامح ابداعي وعاطفة صادقة جيّاشة وإلهام نقيّ وقاموس مفرداتي يعجّ باللغةالجديدة .

سنتحدث اليوم عن صوت المرأة الشاعرة فيالسرديّة التعبيرية ونختار بعض القصائد كي نشير الى مستوى الابداع وكميّة الشعريةفيها , ونستنشق عبير هذه القصائد النموذجية .

انّ حضور الصوت النسائي في السرديّةالتعبيرية له تاريخه المشرق وحضوره البهيّ , فمنذ تاسيس موقع ( السرد التعبيريّ )كان حضور المرأة الشاعرة متميّزا ينثر عطر الجمال ويضيف ألقاً وعذوبة في هذاالموقع الفريد والمتميّز, وقدّمت قصائد رائعة جدا تناولها الدكتور انور غنيالموسوي بالقراءات الكثيرة والاشادة بها دائما , وتوالت فيما بعد الاضاءاتوالقراءة النقدية لهذه التجارب المتميّزة من قبل بعض النقاد ومن بعض شعراءها .فاصبحت هذه القصائد نوعية مليئة بالابداع الحقيقي وبروعة ما تطرحه من أفكار ورؤىومفعمة بالحياة وروح السرديّة التعبيريّة وخطّتْ لها طريقاً تهتدي به الاخريات ممنعشقن السرد التعبيري وحافظن على هيبته وشكله وروحه والدفاع عنه . لقد أضافتالشاعرة الى جمالية السرديّة التعبيريّة جمالا آخر وزخما حضورياً وبعثت روحالتنافس وحرّكت عجلة الابداع فكانت بحق آيقونة رائعة . القصائد التي كتبتها المرأةفي السرد التعبيري كانت معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمانوالسعادة , بثّت فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها , ولقد أزاحت عن كاهلها ثقلالهموم وسطوة اللوعة , ولقد جسّدت في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق, منحت المتلقي دهشة عظيمة وروّت ذائقته وحرّكت الاحساس لديه . كانت وستظلّ زاخرةبالمشاعر والاحاسيس العذبة ومتوهّجة بفيض من الحنان , نتيجة الى طبيعتهاالفسيولوجية والسايكولوجية كونها شديدة التأثر وتمتاز برقّة روحها فانعكس هذا علىمفرداتها وعلى الجو العام لقصائدها , فصارت المفردة تمتلك شخصية ورقّة وعذوبةوممتلئة بالخيال وبجرسها الهامس وتأثيرها في نفس المتلقي , فكانت هذه القصائدتمتاز بالصفاء والعمق والرمزية المحببة والخيال الخصب والمجازات ومبتعدة جدا عنالمباشرة والسطحية , كانت عبارة عن تشظّي وتفجير واستنهاض ما في اللغة من سطوة ,كل هذا استخدمته بطريقة تدعو للوقوف عندها والتأمل واعادة قراءتها لأكثر من مرّةلتعبر عن واقعها المأزوم وعن همومها وهموم النساء في كل مكان . فرغم مشاغلهاالحياتية والتزاماتها الكثيرة استطاعت الشاعرة ان تخطّ لها طريقا واضحا وتتحدّى كلالصعاب وترسم لها هويّة واضحة الملامح , فلقد بذرت بذورها في ارض السرد التعبيريونضجت هذه البذور حتى اصبحت شجرة مثمرة . لقد وجدنا في النصوص المنتخبة طغيانالنَفَس الانثوي واحتلاله مساحة واسعة فيها معطّرة برائحتها العبقة واللمساتالحانية والصدق والنشوة , فكانت ممتعة جدا وجعلت من المتلقي يقف عندها طويلامنتشيا , وحققت المصالحة ما بين الشاعرة والمتلقي وهذا ما تهدف اليه الكتابةالابداعية .

اللغة التجريدية :

هي إستعمال اللغة في نقل الأحاسيس والمشاعروليس الحكاية , فتتخلّى الألفاظ عن وظيفة نقل المعنى الى نقل الأحساس المصاحب لهكمركز للتعبير , فيرى القارىء الأحاسيس والمشاعر المنقولة أكثر مما يرى المعنى .

يبقى الشعر من يمتلك مساحة حرّة وشاسعةومقدرة على التمويه في الخطاب , والأبتعاد عن المباشرة والسطحية في اللغة بسببلجوءه الى المجاز والخيال والاستعارات والتكثيف والايجاز والايحاء , بحيث يفتحالابواب مشرعة على التأويل وتعدد القراءات , مما ينشيء علاقة ايجابية ما بينالشاعر والمتلقي , والتعامل الايجابي مع النصّ . لذا فان الغاية الرئيسية منالكتابة الشعرية هي خلق علاقة تواصلية ايجابية ما بين الشاعر والمتلقي لغرض ايصالفكرة ما يحاول الشاعر عن طريق لغته ايصالها اليه واحداث سطوة تتملك هذا المتلقيوبعث روح التفاعل والنشوة وفتح ابواب التأويل امامه اضافة الى ما ينتجه النصّ منشعرية وجمالية ورسالية وغيرها , لكن الامر يختلف كثيرا في الكتابة التجريدية ,فالنصّ الشعري التجريدي يكون عبارة عن كتلة شعورية , فالمفردالت غايتها نقل الشعوروالمشاعر وليس نقل فكرة معينة , فالمتلقي هنا يرى ويتلمّس كتل شعورية زاخرةبالجمال والمشاعر والاحاسيس المرهفة الملوّنة .

انّ نصّ الشاعرة : سلوى علي .. / طبشرة كبرياء مجروح .. / .. نلاحظ في هذا العنوان المثير للحيرة والغرابة والدهشة , فهو لايحكي عن معنى معين او فكرة شيئية محددة فقط نشعر بحالة شعورية عنيفة تنتابنا ونحننقرأه . ولنحاول قراءة النصّ ونتلمس ملامح جمالية اللغة التجريدية في صوت الشاعرة.. / صرخات مفجوعة تصهر الروح ، يبعثرها رجع الذكريات بجذورها المتصلبةباللعنات فوق صمت أعشاشها التي شوهتها هتافات القحط بين حصون عصية . تمزق شرنقات حقولها قبل الأكتمالبملحمة حضارة مجهولة ،تزينها الحرائق المرتعشة بالجنون المتكاثر على سفوح تأوهتبدهشاتها الضامئة المغضب بالشوق ../ .. هنا نجد لغةمتماسكة تنبض بالجمال والسحر والانفعال الشديد , حاولت الشاعرة ان تتأمل في داخلهاالنفسي فانتجت هذه اللغة العميقة , هنا لا نرى او نقرأ فكرة ما انما نحسّ بلغةتنبعث من اعماق الذات الشاعرة محمّلة بصور شعورية تهزّ المتلقي وتجعله يقف امامهامندهشا . ولنقرأ مقطع آخر من هذا النصّ ../ تتناسل في مباهجها المزخرفة الليلالملطخ بالأشتهاء وأميال الرمال الظامئة المشبعة بالأنين، تتكاثر زلال أنفاسهاتأوهات متسربلة بكركرة طواحينها المتثاقلة بقرنفل الحنين تسيرها سواقي من محيطات ضحلة.تتساقط قناديل سواترها المبعثر بتويجاتالضحكات، تهمهم للشيب بأبجديات اللغة ،كلما توهج الحرمان خلف حدائقها الضريرةالمشذبة باللامبالاة .. / .. في اللغة الشعرية التعبيرية نجد الافكار والاشياء وندركها ونتلمسرذاذها عن طريق ادراك المعنى والبعد الدلالي , حيث هناك فكرة يرتكز عليها النصّويحاول الشاعر التحدث والاشارة اليها , لكن في اللغة التجريدية لا ندرك كل هذا فقطما ندركه هو النظام الشعوري الذي يدغدغ نفوسنا ونتفاعل معه , حيث يطغى النظامالشعوري في اللغة الجريدية على حساب النظام المعرفي اللفظي في اللغة الشعريةالتعبيرية .. ونعود للنصّ مرة اخرى نتلمس ما فيه ../ .. تنتزع الصولات المتكررة المشحونةبأبتهالات ممنوعة سنابل حنطة مزارعها على سريرها الموحش ، كلما أستنشقت خيبةبراعمها ، تطبشر كبريائها المجروح بين انامل على صدر الحزن، مستسلمة للهذيان ../ .. هنانجد ثقل شعوري يتفجر داخل النسيج الشعري عند الشاعرة فلا نرى المعاني ها هنا انمانجد البعد العاطفي والمشاعر طاغية , فلانجد هنا حدث واضح الملامح ولا شيئية مركزيةولا فاعل فقط نجد كيانات شعورية متأججة وكم هائل من المشاعر العذبة التي نتفاعلمعها وكأننا نراها حاضرة امامنا . لقد استطاعت الشعرة : سلوى علي نتيجة ممارستهاالكتابة بالسردية التعبيرية وبنظام الكتلة الواحدة ان تخترق حُجب اللغة وان تجيداللعبة بحرفية عالية , وها هي الان تكتب بلغة تجريدية عالية المستوى , فقد حاولتونحجت في تحويل النظام اللغوي في هذا النصّ من نظام معرفي دلالي الى نظام شعورييتكون من وحدات شعورية زاخرة بالجمال والاحاسيس العميقة المؤثّرة في النفس . فنحنهنا لا نحتاج الى معاني لمعرفة ما تريده الشاعرة , بل ندرك قيمة النصّ وجماليةاللغة فيه من خلال استقلال الاحاسيس بذاتها أي اننا ندرك هذا الجمال دون ان نلتفت اليهرغم وجوده من خلال الالفاظ ودلالاتها , فنحن اذا امام لغة لا تعتني بالزمانوالمكان انما تعتني بمشاهد شعورية تجلب الانتباه اليها .

النصّ :

طبشرة كبرياء مجروح .. بقلم: سلوى علي …السليمانية /العراق..

صرخات مفجوعة تصهر الروح ، يبعثرها رجع الذكريات بجذورها المتصلبةباللعنات فوق صمت أعشاشها التي شوهتها هتافات القحط بين حصون عصية.تمزق شرنقات حقولها قبل الأكتمال بملحمة حضارة مجهولة ،تزينهاالحرائق المرتعشة بالجنون المتكاثر على سفوح تأوهت بدهشاتها الضامئة المغضب بالشوق.تتناسل في مباهجها المزخرفة الليل الملطخ بالأشتهاء وأميال الرمالالظامئة المشبعة بالأنين، تتكاثر زلال أنفاسها تأوهات متسربلة بكركرة طواحينهاالمتثاقلة بقرنفل الحنين تسيرها سواقي من محيطات ضحلة.تتساقط قناديل سواترها المبعثر بتويجات الضحكات، تهمهم للشيببأبجديات اللغة ،كلما توهج الحرمان خلف حدائقها الضريرة المشذبة باللامبالاة.تنتزع الصولات المتكررة المشحونة بأبتهالات ممنوعة سنابل حنطةمزارعها على سريرها الموحش ، كلما أستنشقت خيبة براعمها ، تطبشر كبريائها المجروحبين انامل على صدر الحزن، مستسلمة للهذيان….

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع