الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرةالتونسيّة:هندة السميراني(نّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات)

17

كريم عبدالله/
الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرةالتونسيّة : هندة السميراني

(( أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات ))

بقلم : كريم عبدالله – 23/11/2020 – العراق .

ما هي القصيدة السرديّة التعبيريّة , ماذانعني بالسرد , وماذا نعني بالتعبيريّة , ولماذا اعتمدنا على هندستها الأفقية ونكتبهاعلى شكل كتلة واحدة أفقيّة ..؟؟ .

نحن نؤمن بأنّ السرد التعبيري هو شعر ينبعثمن تحت شغاف القلب , ومن بين حنايا الروح , ومما وراء الحلم , فهو الشعر العظيمالذي يتجلّى بعظمته من خلال النثر العظيم . أنّ السرد الذي نقصده هو السرد الممانعللسرد القصصي والحكائي والغنائي , نحن نقصد بهذا السرد الأيحاء والرمز والخيالالطاغي واللغة العذبة والأنزياحات اللغوية العظيمة وتعمّد الأبهار ونقل الشعوروالمشاعر والعواطف والأحاسيس المرهفة , وتعظيم طاقات اللغة . أما التعبيرية فنحنلا نقصد بها التعبير والأنشاء والقصة , ولا حتى الكتابة السطحية . أنّما نقصدهبالتعبيريّة هي التعبير عن القيم المعنوية لدى الشاعر بدلا عن محاكاة الواقع ,أنّها التعبير عن مشاعر الذات الشاعرة , أنّها الذاتية الأبداعية التي تغور عميقاًفي العوالم الدفينة والغامضة لهذه الذات , أنّها التعبير عمّا يدور ويتجلّى فيداخل الأنسان , وأنّها الأشراقات عن الحالات الذهنية والنفسية دون اللجوء الىالخيال والرومانسية و وهي أنعكاس لما يحدث في هذا العالم من الخراب ومدى تأثيره فينفس الشاعر , أنّها الرؤية العميقة والـتأمّل في الذات . اما لماذا نحن نكتب هذهالقصيدة ( السرديّة التعبيريّة ) بهذا الشكل ..؟ . يقول الشاعر العراقي : سركونبولص ( ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة النثر في الشعرالأوربي هي شيء آخر , وفي الشعر العربي عندما نقول نتحدث عن قصيدة مقطّعة وهي مجرّدتسمية خاطئة , وانا اسمّي هذا الشعر الذي أكتبه بالشعر الحرّ , كما كان يكتبه (إليوت و أودن ) وكما كان يكتبه شعراء كثيرون في العالم , وإذا كانت تسميتها قصيدةالنثر فانت تبدي جهلك , لأنّ قصيدة النثر هي التي كان يكتبها ( بودلير و رامبو ومالارميه , اي قصيدة غير مقطّعة ) , واضافة أخرى فأنّ ملحمة كلكامش هي قصيدةالكتلة الواحدة الأفقية , وهي قصيدة سرديّة تعبيريّة خالصة بمعنى القصيدة السرديّةالتعبيريّة وكذلك فانّ شاعرة المعبد السومريّة ( أنخيدوانا ) التي تعتبر اقدمشاعرة في التاريخ كانت جميع قصائدها تُكتب بالطريقة الأفقية ( الكتلة الواحدة ) ,من هنا بدأنا وأستلهمنا فكرة القصيدة ( السرديّة التعبيريّة ) بالأتكاء على مفهومهندسة قصيدة النثر , ومن ثمّ الشروع والأستمرار في كتابة قصيدة مغايرة لما يُكتبمن ضجيج كثير بدعوى قصيدة نثر وانّما هو عبارة عن ( نصّ حرّ ) يعتمد الشطيروالفراغات وترك النقاط الكثيرة بين فقراتها , وهذا كلّه يجب أن لا يكون في قصيدةالنثر .

اليوم سنتحدث عن ديوان الشاعرة التونسيّة :هندة السميراني – والمعنون (( أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات )) , وسنتحدث عنملامح اللغة التجريديّة فيه , فماذا نقصد باللغة التجريديّة ..؟؟ .

اللغة التجريديّة :

نحن نستخدم اللغة من اجل إيصال معنى معينومفهوم الى المتلقي , فهي تعتبر ( الغة ) أداة توصيلية , ولكننا في القصيدةالتجريديّة نقوم بتجريدها من هذه الخاصية , لنقوم بشحنها بزخم شعوري عنيف وأحساسعميق وبطاقات تعبيريّة وعمق فكري والنفوذ في الوعي , ففيها لا نرى الشخوص والأشكال, فنحن لا نرى سوى المشاعر والأحاسيس المنقولة لنا عبر هذه اللغة , أنّها تبتعدكثيرا عن خاصيتها التوصيلية ومنطقيتها , أنّ اللغة هنا تكون أشبه ما يكون بالألوانالتي تزيّن وتلوّن اللوحة , المقاطع النصّية هنا عبارة عن كتل شعورية حسّية ,فكلما يزداد تجريد اللغة كلّما قلّت التوصيلية فيها , مما يؤدي الى حدوث التجريدالتامّ , فتكون المفردة عبارة عن وحدة جمالية شعوريّة حسّية تتخلّى عن خاصيةالتوصيل المعرفي . التجريديّة هي الشعور العميق والنفوذ الى جوهر الأشياء .

فمن خلال عنوان الديوان نتلمّس بوضوحهذه اللغة التجريديّة (( أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات )) , فنحن امام لغةتتميّز بعدم التوصيلية وبعدم منطقية الكلمات , أنّها تعتمد على ثُقل الكلماتالشعوري وزخمها الأحساسي وطاقتها التعبريّة , فنحن أمام صوت انسانيّ خااااافت صدرفي لحظة التوجّع والآلام , انّه الحزن المنبعث من أعماق الذات الشاعرة نتيجة الجرحالغائر فيها , هذا الصوت الحزين والمتألّم غائر في بحر من الأحزان لا قاع له وأنّه صوت الشتات والتشظّي والغربة والخسارات الكثيرة في زمن الفجيعة والخراب . علىمساحة كبيرة ومترمية في النسيج الشعري للذات الشاعرة سنجد بوضوح هذا الأنين ينموويكبر ويتشامخ , كلّ هذا في لغة تجريديّة عظيمة مدهشة , فاللغة التجريدية لغة صعبةتتطلب من الشاعر أن يكون رسّاماً يمتلك من الأحاسيس ارهفها وأدراك معرفي بأسرارها, تتطلب شاعر حقيقي يجيد تلّوين لغته بكمّ هائل من المشاعر والعواطف الرهيفة التيستتغلغل في نفس المتلقي , فيدرك المتلقي النظام الشعوري والأحاسيس قبل التوصيلة ,فتتجلّى هذه المشاعر والحاسيس والعواطف دون خاصيتها التوصيلية والمحاكاة والمعنى .ففي قصيدة / انتظار / نقرأ للشاعرة / وجاء من أقصى الغياب، صوت يسعى إليّ يبشّرني أنّ المسافات إليهقريبةأنّ سفن الحنين قد غادرت مرافئها، ترفع أشرعتها وتترك لرياح الشّوق تهبّ هبوبالعاصف فتتلاطم أمواج الوله وترتفع.. / , أنّ المفردات هنا لا تحكي عن معاني, وأنّما تحكي عن ثقل شعوري وعاطفي وأحساسي , وفي قصيدة / وكأنّ القلب..زجاج!! / نقرأ .. / أنّى لك أن تبصر ضوئي، وأنتالسّائر في عتمة الدّروب النّائية؟! تنتظر الظّلال تتفيّؤها دون التفات إليّ..!!وأنا الحريق، يلتهم بعضه بعضا فيتآكل بنيان عمر سافر إلى الحلم وعاديحمل خيبة..!! / , حتى العنوانمن خلاله استطاعت الشاعرة ان تقتنص اللحظة الشعورية العميقة والقويّة , لترسم لناهذه اللغة التجريديّة المدهشة , هنا وفي كلّ القصائد نجدّ المقدرة الفائقة لدىالشاعرة أن تجعل من المقطع النصّي عبارة عن كُتل متوهّجة بلغتها التجريدية , وبزخمهاالشعوري العنيف . وفي قصيدة / كليم الروح / حيث تتجلّى هذه اللغةالتجريديّة واضحة ../ إلى جبل حنوّيلهث خطوي، تشرب الأنفاس الهاربات قطرات حلم اللّقاء فلا يظمأ الحنينولا يوءد شوقمكين، يتسلّق الفؤاد نتوءات الفراغ ، تحاصره أشواك الغياب، يمضي بنبض دافقات منهسيول الأمل.. / , وفي قصيدة / اشواك الخيبة / نقرأ هذه اللغة التجريديّةالعظيمة ../ إلى جبل حنوّيلهث خطوي، تشرب الأنفاس الهاربات قطرات حلم اللّقاء فلا يظمأ الحنينولا يوءد شوقمكين، يتسلّق الفؤاد نتوءات الفراغ ، تحاصره أشواك الغياب، يمضي بنبض دافقات منهسيول الأمل.. / , اللغة هنا لا تتحدث عن معاني ولا توصيلية معينة , أنّما هي لغةمجرّدة من كل هذا , لغة تعتمد على ثُقلها الشعوري والعاطفي , ونقرأ في قصيدة../البوح الصامت / .. هذه اللغة وقد تلوّنت مفرداتها بالشعور وليس التوصيل / فيمدائن الصمت ، يسافر إليك حرفي الموؤودة أوجاعه، يخترق حجب البيان تواري سوأةعورات الكلم، تخلع عنها رداء الحياء و تشهر العصيان على خيبات الزّمان ، يجرّالكتمان أذيال خيبته و يقف على ناصية انتظار البوح غاض في أعماق الانكسار يلملمشظاياه / , لقد أستطاعت الشاعرة أن تدرك وبقوّةالبُعد الأحساسي والشعوري للكلمات والمعاني , فها هي تقول في قصيدة / في يمّ اشتياقي / .. / بين مسافات الذّهول والإبحار في لجّ عينيك،يسبح الشّوق ممتطيا أمواج الحنين، يجدّف بأشرعة وجد دفين نحو مرافئ السّكينة يشدّبنيانها نبض فؤاد بالعشق غير ضنين، يمخر عباب الصّمت ران على جسد وهن منه الحرفوالعزم منه لا يلين.. / , أنّ الشاعرةاستكاعت أن تقتنص اللحظة الشعورية العنيفة المتدفقة من أعماقها وبأدراك أحساسيكبير للمعاني وبتجلّي تلك اللحظة الشعورية وذلك الثقل الأحساسي , انّ قصائد الديوانلا تتجه بالساس نحو البناء المعرفي والمفاهيم , وأنّما يتجه نحو عالم المعنىوالشعور والأحساس وهذا ما نقرأه للشاعرة في قصيدة / دهشة البعث / ها هو الفجر يزيح غطاء الدّجى ، يتعرّى من لحافتسربلت به السّماء و يتنفّس خيوط النّور تتغلغل في صدر شكا منه الضّيق دهرا و منالسّكينة ما ارتوى ، تتزاحم غيمات الفرح توشك أن تدمع لتطهّر روحا ما زال عالقابها الجرح، من لهيب الضّيم اكتوى ./ . أنّ أغلب قصائد ديوان الشاعرة ما هي إلاّ عبارة عنكُتل تجريديّة شعوريّة حسّية ملوّنة بالتوهّج الذي يجمع ما بين الأبداع والأمتاعوالفنية والرسالية , نحن أمام كُتل جماالية حسّية , فكلّ كُتلة تتكون من المفردةثم الأسناد من بين المفردات ثمّ الجملة فالقصيدة , هذه الوحدات الكتابية كوّنت لناهذه الكُتل الشعورية الأدباعية في الديوان , كلّ النسيج الشعري في هذا الديوانزاخر بالأنزياحات اللغوية المثيرة للدهشة والـتأمّل وتفتح ابوابا شاسعة لتعددالقراءات والتأويلات , ونقرأ للشاعرة في قصيدة / على كتف الأوجاع.. تربّت يد التحدّي / على كتف الأوجاعتربّت يد التحدّي، يقف جسد الصّبر منتصب القامة يشرئبّمنه العزم إلى سماوات الرّجاء كانت تلتحف غيمات التّيه وتشرب من عين اللّيل الأسى،فيها النّجوم تبكي، سرق منها الضّياء وتتغشّى الفؤاد كآبة تزاحم سيل فرح يتهيّأ أنيفيض، كان غائرا في أرض المشاعر القصيّة تأوي إليه الانكسارات وتعتصم بحبل نجاتهأحلام موؤودة سألت ذات وجع عمّا اقترفته من الذّنوب حتّى توارى في رمس النّسيان..!!/ . أنّ الأنطلاق بالكتابة من عوالم النفس العميقةلا يحقق التجريد الكامل , فلابدّ من أن يظهر أثر في اللغة بل لابدّ من أن يكونهناك أشعاعاً وتوهّجاً بدل الحكاية , وهذا ما نتلمسه في هذه الكتلة الشعورية / ربيع..فيمهوى سحيق/ ذات استفاقة لأوجاع لا تنام، لعيون غشيتها سحابات الدّموع تبشّربسيل آلام جارف، رأيت ربيعا يهوي في سحيق العدم.. يقطف زهره، أصخت إلى صراخ الكونيدوّي به السّكون فزعا وفرقا، لمحت الحيرة تسبل جناحيها المحلّقين في سماء الأسئلةعلى عقول أبت أن تصدّق رؤية زحف الظّلام ينتشر دون أن تتزعزع عروش سلاطين الأنام . / .

لقدأستطاعت الشاعرة : هندة السميراني في ديوانها هذا أن تجرّد الأشياء من خصائصهاالمعروفة وتحويلها الى كيانات وكُتل شعوريّة حسّية متوهجة , مستعينة بخيالها الخصبوالمقدرة العالية على الأمساك بكلّ لحظة شعورية ولو كانت بسيطة وتحويلها الى كتلةضخمة تشعّ اشعاعات مشرقة والوصول الى لحظة الأبهار . لقد تجلّى كلّ هذا الثُقلالأحساسي للكلمات فكانت لغة تجريديّة عميقة وقوية .

لقدقمنا بقراءة تجلّيات اللغة التجريديّة والكتل الشعورية والحسيّة في هذا الديوانالمهم والأضافة الجديدة والمهمة أيضا في مسيرة القصيدة السدرية التعبيرية , ونتركللنقّاد قراءة الجوانب الأخرى في هذا الديوان , فهو تجربة جديرة بالأهتماموالقراءة , كونه ديوان ملغوم بالكثير من الأبداع ويستطيع القارىء المبدع والناقدالذكي ان يفكّ الكثير من شيفرات هذا الأبداع الحقيقي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع