الكتل التعبيريّة في نصّ(أنصت لصمتك لتكتمل الشجرة بداخلي)للشاعرة نعيمة عبدالحميد

41

جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة 

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – 2/7/ 2019 .

الكتل التعبيريّة في نصّ ( أنصت لصمتك لتكتمل الشجرة بداخلي ) 

للشاعرة : نعيمة عبدالحميد – ليبيا

يقول ( هيجل ) : الشعر هو الفن المطلق للعقل, الذي أصبح حرّاً في طبيعته , والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادةالحسيّة الخارجية , ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطنيللافكار والمشاعر .

مما لاشكّ فيه انّ الموهبة قد تموت وتنتهيبالتدريج اذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاععلى تجارب الاخرين والاستفادة منها والاتكاء على المخزون المعرفي لديه ,  وتسخير الخيال الخصب في انتاج وكتابة كتاباتمتميّزة ومتفرّدة تحمل بصمته الخاصة التي عن طريقها يُعرف ويُستدلّ بها على إبداعه, وقد تموت ايضا اذا لم تجد التربة الصالحة والمناخ الملائم لأنضاجها , وقد تنتهيحينما لمْ تجد مَنْ يحنو على بذورها التي تبذرها ويعتني بها ويُسقيها من الينابيعالصافية والنقيّة , فلابدّ من التواصل والتلاقح مع تجارب الاخرين الناجحة والعملعلى صقل هذه الموهبة وتطويرها والاهتمام بها وتشجيعها والوقوف الى جانبها قبل أنتُجهض . نحن سعداء جدا في مؤسسة تجديد الادبية ان نستنشق الان ملامح إبداع جميلوحضور مشرق من خلال دعمنا المستمر للمواهب الصادقة والناجحة في هذا الموقع , فلقداصبح لدينا الان مجموعة رائعة جدا من الشعراء والشواعر الذين يجيدون كاتبة القصيدةالسرديّة التعبيريّة , ونحن لم ندّخر اي جهد في مساعدة الجميع عن طريق الدراساتالنقديّة والنشر والتوثيق المستمر في المواقع الالكترونية الرصينة وفي بعض الصحفالورقيّة , وابداء الملاحظات من أجل تطوير وإنضاج هذه الاقلام الواعدة , نحن علىثقّة سيأتي اليوم الذي يشار الى كتابات هؤلاء والاشادة بها والى القيمة الفنيةفيها ومستوى الابداع والتميّز وما تحمله من رساليّة فنيّة وجماهيريّة .

فلم تعد قوالب الشعر الجاهزة ترضي غرور شعراءالسرد التعبيري لذا حاولوا ونجحوا في الانفلات من هذه القوالب ومن هيمنتها ولوبشكل محدود ( في الوقت الحاضر ) , وتجلّ هذا من خلال طرق كتابة النصّ والموضوعاتالتي يتطرق اليها , وترسخت فكرة التجديد لديهم وخطّوا لهم طريقا مغايرا فيكتاباتهم , وصاروا يواصلون الكتابة وياخذون منحا اخر لهم بعيدا عما هو سائد الانفي كتابة قصيدة النثر , صارت القصيدة أكثر حرّية وانفتاحا على التجارب العالمية,  لقد منحت السرديّة التعبيريّة لكتّابهاالحرية والواسعة والفضاء النقيّ الشاسع والأنطلاق نحو المستقبل خاصة حينما يكونالتعبير أكثر شبابا وصدقا عن المشاعر الحقيقية المنبعثة من القلب الصافي كالينبوعالعذب , فلقد أحسّ الشاعر بمهمتة الصعبة في الكتابة بهذا الشكل الجديد والمختلفوالذي نؤمن به وبقوّة , فنحن نؤمن وعلى يقين بانّ القصيدة السردية التعبيريّة هيقصيدة المستقبل لقدرتها على  الصمودوالتطوّر المستمر نتيجة التجربة الطويلة والتراكم الابداعي , بروعة ما تقدّمهوتطرحه على الساحة الشعرية , نعم أحسّ الشاعر بالانتماء والاخلاص لهذا اللونالادبي الجديد والذي نطمح في قادم الايام ان يكون جنسا أدبيا متميّزا , لهذااستطاع الشاعر ان يطوّع المفردة رغم قسوتها وعنادها وإعادة تشكيلها وتفجير كلطاقاتها المخبوءة , وأن يفجّر من صلابتها الينابيع والانهار وإستنطاقها نتيجة مايمتلكه من خيال جامح ابداعي وعاطفة صادقة جيّاشة وإلهام نقيّ وقاموس مفرداتي يعجّباللغة الجديدة .

سنتحدث اليوم عن صوت المرأة الشاعرة فيالسرديّة التعبيرية ونختار بعض القصائد كي نشير الى مستوى الابداع وكميّة الشعريةفيها , ونستنشق عبير هذه القصائد النموذجية .

انّ حضور الصوت النسائي في السرديّةالتعبيرية له تاريخه المشرق وحضوره البهيّ , فمنذ تاسيس موقع ( السرد التعبيريّ )كان حضور المرأة الشاعرة متميّزا ينثر عطر الجمال ويضيف ألقاً وعذوبة في هذاالموقع الفريد والمتميّز, وقدّمت قصائد رائعة جدا تناولها الدكتور انور غنيالموسوي بالقراءات الكثيرة والاشادة بها دائما , وتوالت فيما بعد الاضاءاتوالقراءة النقدية لهذه التجارب المتميّزة من قبل بعض النقاد ومن بعض شعراءها .فاصبحت هذه القصائد نوعية مليئة بالابداع الحقيقي وبروعة ما تطرحه من أفكار ورؤىومفعمة بالحياة وروح السرديّة التعبيريّة وخطّتْ لها طريقاً تهتدي به الاخريات ممنعشقن السرد التعبيري وحافظن على هيبته وشكله وروحه والدفاع عنه . لقد أضافتالشاعرة الى جمالية السرديّة التعبيريّة جمالا آخر وزخما حضورياً وبعثت روحالتنافس وحرّكت عجلة الابداع فكانت بحق آيقونة رائعة . القصائد التي كتبتها المرأةفي السرد التعبيري كانت معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمانوالسعادة , بثّت فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها , ولقد أزاحت عن كاهلها ثقلالهموم وسطوة اللوعة , ولقد جسّدت في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق, منحت المتلقي دهشة عظيمة وروّت ذائقته وحرّكت الاحساس لديه . كانت وستظلّ زاخرةبالمشاعر والاحاسيس العذبة ومتوهّجة بفيض من الحنان , نتيجة الى طبيعتهاالفسيولوجية والسايكولوجية كونها شديدة التأثر وتمتاز برقّة روحها فانعكس هذا علىمفرداتها وعلى الجو العام لقصائدها , فصارت المفردة تمتلك شخصية ورقّة وعذوبةوممتلئة بالخيال وبجرسها الهامس وتأثيرها في نفس المتلقي , فكانت هذه القصائدتمتاز بالصفاء والعمق والرمزية المحببة والخيال الخصب والمجازات ومبتعدة جدا عنالمباشرة والسطحية , كانت عبارة عن تشظّي وتفجير واستنهاض ما في اللغة من سطوة ,كل هذا استخدمته بطريقة تدعو للوقوف عندها والتأمل واعادة قراءتها لأكثر من مرّةلتعبر عن واقعها المأزوم وعن همومها وهموم النساء في كل مكان . فرغم مشاغلهاالحياتية والتزاماتها الكثيرة استطاعت الشاعرة ان تخطّ لها طريقا واضحا وتتحدّى كلالصعاب وترسم لها هويّة واضحة الملامح , فلقد بذرت بذورها في ارض السرد التعبيريونضجت هذه البذور حتى اصبحت شجرة مثمرة . لقد وجدنا في النصوص المنتخبة طغيانالنَفَس الانثوي واحتلاله مساحة واسعة فيها معطّرة برائحتها العبقة واللمساتالحانية والصدق والنشوة , فكانت ممتعة جدا وجعلت من المتلقي يقف عندها طويلامنتشيا , وحققت المصالحة ما بين الشاعرة والمتلقي وهذا ما تهدف اليه الكتابةالابداعية .

انّ قيمة المفردة في النصّ الشعري تكمن في نغمتها وصوتها وايحاءاتهاواشعاعاتها الموسيقية وكذلك المعنوية التي تنبعث من جرسها , ان للمفردة طاقاتيستطيع الشاعر استخدامها كأقصى ما يمكن من أجل شحن النصّ الشعري بطاقات وأنغامتضفي السحر والدهشة . ففي القصيدة السردية التعبيرية يكون معنى السرد ليس السردالقصصي او الحكائي , انما يعني تعظيم طاقات اللغة ونقل المشاعر العميقة والايحاءوالتحدث بعمق عن المشاعر الانسانية , فنحن حينما نقرأ نصّا سرديا تعبيريا نجداللغة تريد السرد الحكائي وسرد حادثة معينة , وتبرز لنا شخصيات ونستشعر بوجود حدثنصّي , لكن في النهاية نرى بان اللغة تتجه وبقوّة نحو بوح شعري ليس المقصود منهالحكاية وانما التعبير وبعمق وشاعرية , فنجد في النصّ كمية هائلة من الشاعرية . انالكتابة بالطريقة الافقية ( الكتلة الواحدة ) وهذا ما ندعو اليه دائما ونحاولترسيخ فكرة الكتابة عن طريق تعبيرات كتابية متواصلة وبدون فراغات او سكتات او نقاطبين هذه الفقرات , هذه الطريقة منحت الساعر السردي فسحة وفضاء كبيرين من أجلالتحدث بعمق , اصبحت لغته لغة ساحرة تحطم هذا الواقع الى شذرات ومن ثمّ يعيد تشكلهعن طريق الخيال الخلاّق والخصب ويحوّل الاشياء الى كمّ هائل من المشاعر والاحاسيسويجعلنا نتحسس ونستنشق هذه الاحاسيس والمشاعر العذبة وكأنها ينبوع يتفجر من بينالصخور . اذا نحن سنكون أمام نصوص تتوهّج بالدهشة والتكثيف والايجاز وضغط اللغةوتفجير طاقات المفردة ووضعها في مكانها المناسب , وهذا ما وجدناه في هذه السرديةالتعبيرية للشاعرة نعيمة عبدالحميد / أنصت لصمتك لتكتمل الشجرة بداخلي /. فمن خلال العنوان نستشعر باللغة الصادمة وغرابتها وغوايتها في نفس الوقت ,العنوان كان عبارة عن نصّ مدهش ثريّ وهذا ما ندعو اليه دائما , لان العنوان هوالعتبة الاولى لدخول عالم الشاعر والسياحة فيه . ان الكتلة التعبيرية هي الوحدةالمادية التي يشتغل عليها الشاعر في كتابته للشعر , وانها تمتلك بُعدا جماليامؤثرا لما تحويه من انزياحات لغوية ورمزية تحيل النصّ الى مقطوعة يتفاعل معهاالمتلقي ويحاول تفكيكها وهي تنساب الى أعماق النفس , هذا الكتل التعبيرية تحمل زخماشعوريا عنيفا وعمقا تعبيريا حقيقيا .. / وأنا أحرق أبجدية الحروف بلهب الحنينأنصت لأ ناتها و اكتب لك اشراقة تضيئ حميمية تحيلنا الى دخان يسري فوق وسوسة العرفيطهرنا ظل الحب الذي يدخلنا أزقة القصيدة الضيقة كغبار من ذهب / نلاحظ هناكمية الحنين والاشتياق واللهفة والحميمية في هذا الكتلة التعبيرية المشحونة بكلهذه الهواجس , تصوير مبهر فعلا للمشاعر الانسانية الصادقة نتيجة ما ساورها من قلقواضطراب ووساوس جعلت الشاعرة ترسمها لنا بطريقة تدعو للتأمل والوقوف عندها طويلا .وفي مقطع آخر من المقطوعة نختار / وأنت تهطل فوق اهدابي المحتفية بصمتك فيهاتيك الأروقة نهتك صيرورة المادة و ادلق عطري في غرف الكلمات الممتلئة بحشرجةثملة تتماهى على بتلات الزهور حينها ألقي عليك أسراري الباذخة وينسف هدير شغفيهدنة فتورك لتكمل بداخلي شجرة آثرت البعد و لا أستطيع التنعم بظلها ../ هنانجد بناء جملي متواصل رائع وكتلة تعبيرية كبيرة زاخرة بالانزياحات العذبة والمفردةالمتوهّجة وخيال جامح , لقد أمسكت الشاعرة باللحظة الشعرية ولم تفلت من يدها فكانتان صورت لنا عوالم شعورية ما كنا سنجدها لو الكتابة بهذه الطريقة الافقية وبروحالسردية التعبيرية , لقد استطاعت تجريد الاشياء من خصائصها وحوّلتها الى كياناتتبوح بكل شيء , لقد لامست مفردات الشاعرة الوجدان النقيّ لانها حتما انبعثت منمشاعر نقيّة , فتحقق كل هذا الجمال والتميّز .

النصّ :

أنصت لصمتك لتكتمل الشجرة بداخلي .. بقلم : نعيمة عبدالحميد /ليبيا

وأنا أحرق أبجدية الحروف بلهب الحنين أنصت لأ ناتها و اكتب لك اشراقةتضيئ حميمية تحيلنا الى دخان يسري فوق وسوسة العرف يطهرنا ظل الحب الذي يدخلناأزقة القصيدة الضيقة كغبار من ذهب،نتوارى في عزلتها المضاءة ككوكب دري لا ينام،هيمرفأ نبضات مجنحة يدور حولها محيط معتم لذلك أدعوك للقفز خلف أسوار القصيدة حيثنورها الخافت و نضوج عنب دواليها في حضورك المشتعل لنرى كيف تكون الحروف الميتةعناقا محرما نحلق عبره و لا نخشى هزات اللغة لأنها ارتباكات زهرة اورقت من رحم حجراغريقي يضوع أريجها الجالس على حافة الليل بمجون حس هاجر من غور القلب، وأنت تهطلفوق اهدابي المحتفية بصمتك في هاتيك الأروقة نهتك صيرورة المادة و ادلق عطري فيغرف الكلمات الممتلئة بحشرجة ثملة تتماهى على بتلات الزهور حينها ألقي عليك أسراريالباذخة وينسف هدير شغفي هدنة فتورك لتكمل بداخلي شجرة آثرت البعد و لا أستطيع التنعمبظلها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع