الكاتب والمثقف الجزائري جان موهوب عمروش ذاك المغيب عمداً و كراهية

165
الكاتب و المثقف الجزائري جان موهوب عمروش ذاك المغيب عمدا و كراهية
بوخلاط نادية

يعتبر الشاعر الجزائري جان الموهوب عمروش احد ابرز المثقفين الذين كتبوا باللغة الفرنسية و ساهم بكتاباته في التعريف بالثقافة الجزائرية و الإرث الامازيغي أيضا ، فكان ترجمان و لسان حال منطقته و وطنه زمن الاحتلال الفرنسي و استطاع ان يصنع لنفسه حضورا بارزا في الثقافة من خلال احتكاكه بقامات من المفكرين الفرنسيين ، و بدا جليا تشبته بأصوله الجزائرية و الامازيغية و بأرض اجداده كما تجلى الشعور بالغربة حينما اكره على الهجرة نحو فرنسا و هو الذي ذاق الغربة أيام الاحتلال الفرنسي و بعد الاستقلال.
لقد غيب أدب جان الموهوب عمروش كما غيبت كتابات والدته مارغريت فاطمة آيت منصور عمروش و شقيقته المغنية و الكاتبة ماري لويز الطاوس عمروش من المقررات التعليمية الرسمية الجزائرية و وصفت عائلة عمروش ب”عقدة” النظام الجزائري منذ الاستقلال الى يومنا هذا بسبب اعتناقهم للمسيحية و أصولهم الأمازيغية و كلا العاملين كانا سببا في تغييبهم الكلي و عدم الاعتراف بهم كمساهمين في إثراء الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية.
ولد الشاعر والروائي جان الموهوب عمروش وأبصر نور الحياة سنة 1906 بين أحضان جبال الصومام بمدينة بجاية شرق الجزائر العاصمة و تحديدا في قرية “إِيغِيل علِي”، و هو سليل عائلة أمازيغيّة نزحت نحو تونس.
.جان الموهوب عمروش و ارث الأم
جان الموهوب عمروش هو نجل الشاعرة مارغريت فاطمة آيت منصورعمروش التي غادرت قريتها “تِيزِي هيبل” و هي في ريعان الشباب هرباً من سوء المعاملة التي تعرضت لها من أهل قريتها لكونها نتاج علاقة غيرشرعية و مجهولة الأب ، التحقت فاطمة بمدرسة فرنسية للدراسة ثم عملت كممرضة بمستشفى “آيت منقلات ” ، و هناك اعتنقت الديانة المسيحية و اقترنت بعدها بفترة من أنطوان بلقاسم وأنجبت منه تسعة أبناء من بينهم جان الموهوب.
و حسب ما جاء في كتابها ” قصة حياتي” الذي يعتبر أول تجربة أدبية اوتوبيوغرافية نسوية تكتبها جزائرية بأنها فجعت في سبعة منهم توفوا تباعا بسبب المرضً و هو السبب الذي من اجله وسمت كل أشعارها و أغانيها بحزن و شجن كبير و تطبعها الحسرة من أعماق بكاءاتها الصامتة ، و قد ورث عنها ابنها جان الموهوب وشقيقته ماري لويز الطاوس عمروش تلك الأشعار و شغف الكتابة والغناء والاعتزاز و الفخر بالثقافة الأمازيغية وارث الأجداد المعروف عنهم الشجاعة و الأنفة .

.الهجرة إلى تونس و حلم التدريس

بعد الهجرة إلى تونس رفقة أسرته تلقّى جان عمروش تعليمه الثانوي في “كلية علوي” و أكمل مشواره الدراسي بمدرسة “سان كلو” العليا للأساتذة، حيث كان يحلم دوماً بأن يصبح مدرسا و نجح في تحقيق ذلك الحلم بفضل مساعدة صديقه الكاتب الفرنسي “أرماند غيبير” الذي تمكن بفضله أيضا من نشر مجموعتَيه الشعريّتين “رماد” سنة 1934 و”نَجمة سرية” في 1937 و هو ما مكنه بأن يصبح اسما معروفاً في الأوساط الثقافية التونسية ، في تلك الفترة ايضا كتب عديد القصائد والمقالات النقدية التي نشرها في المجلات التونسية، كما استضافته “دار إِيسور” لإلقاء سلسلة من المحاضرات.
تواصل الزخم الإبداعي لجان الموهوب عمروش حيث صدر له ديوان “أغاني بربرية من بلاد القبائل” بتونس العاصمة سنة 1939، و الذي كان عبارة عن قصائد أمازيغية تعلّمها الموهوب من والدته مارغريت فاطمة آيت منصور، وقام شخصيا بترجمتها من اللغة الامازيغية إلى الفرنسية.

.جان الموهوب عمروش و دور الوساطة بين الحكومة المؤقتة الجزائرية و الجنرال ديغول

التحق جان الموهوب عمروش بوزارة الإعلام في الجزائر العاصمة 1934، ثم انضم إلى الإذاعة الناطقة باللغة الفرنسية، بعدها بسنة صدرت مجلة “لَارْشْ” في الجزائر العاصمة تحت رعاية الكاتب الفرنسي أندريه جيد وإشراف الموهوب عمروش وجاك لاسانيي.
وفي سنة 1958، أصبح جان عمروش رئيس تحرير إذاعة R.T.F وكانت حواراته التي استضاف فيها ابرز المفكرين و الكتاب المرموقين مع بول كلوديل، فرنسوا مورياك، رولان بارت، غاستون باشلار وأندريه جيد ، إضافة إلى ألبير كامو الذي قيل بأنه كان أحد تلاميذه عندما كان مدرّساً.
في عام 1959 قدّم الموهوب عمروش برنامجاً أسبوعياً بعنوان “أفكار ورجال”، لكنه ج جرد من منصبه و برنامجه في الإذاعة في ذات السنة بسبب آرائه و مواقفه السياسية.
مما لم يتطرق له أيضا هو أنّ جان الموهوب كان أيضاً وسيطاً بين الجنرال “شارل ديغول” و رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة “فرحات عباس”، استطاع جون عمروش إقناع ديغول في الدخول في المفاوضة مع جبهة التحرير الوطني في ما عرف ب اتفاقية “إيفيان” التي نتج عنها استقلال الجزائر في الخامس جويلية 1962 ، لكن أحداً من الطرفين لم يذكر هذا الدور علناً.
علم جان عمروش قبل وفاته بوقت قصير بإعادته إلى منصبه في R.T.F، التي عمل بها ليتوفى في 16 أبريل سنة 1962 بمنزله الباريسي جراء معاناته مع سرطان الدم.
.جان الموهوب عمروش و فواجع الغربة و الإقصاء

بقي جان الموهوب عمروش حياً بشعره وكتاباته وبمواقفه السياسية التي عرفت النور بعد تجاذبات كبيرة عقب وساطته بين ديغول وفرحات عباس، إذ أعلن وقتها مناهضته للاستعمار الفرنسي وتنصّله من الممارسات الاستعمارية التي كان قبل ذلك في حيرة من اتخاذ موقف محدد حيالها.
للعلم فاءن جان عمروش اختار صف المثقّفين الجزائريين الذين آثروا الدفاع عن حرية الشعب وحقّه في تقرير مصيره، لكن هذا الموقف لم يشفع له ليكون له و لمسيرته الأدبية ذكر و حضور من طرف الجهات الرسمية الجزائرية التي تنكّرت كلياً لوجوده ولذكراه في تاريخ الأدب الجزائري المكتوب ولدوره الكبير في إثراء الأدب الجزائري الناطق باللغة الفرنسية،فيما كرمه الرئيس السنغالي الشاعر ليوبولد سنغور بالعاصمة داكار في 21 مارس 1977 حيث صرح في خطاب ألقاه أمام جمع من المثقفين بأن كفاح أسرة عمروش فخر للقارة الافريقية برمتها .

.جان الموهوب عمروش عقدة النظام الجزائري و ذاك المغيب عمدا في المقررات الدراسية الجزائرية

من الغرابة بمكان أن أدب ومؤلفات جان الموهوب عمروش و المتمثلة في ديوان “الرماد” و”أغاني بربرية من بلاد القبائل” و “نجمة سرية ” لم تدرس يوما في المقررات الرسمية الجزائرية بعد الاستقلال و بقي مجهولا لدى فئة واسعة من المثقفين ، و قد عوقب بسبب مواقفه و آراءه السياسية و معتقده لكونه مسيحيا و يذهب البعض إلى القول أن الإقصاء كان بسبب أصوله الأمازيغية و التي في وقت من الأوقات عقدة النظام الجزائري بعد الاستقلال و تعاظمت في زمن الرئيس الراحل هواري بومدين آنذاك مارس سياسة القمع و التضييق على الثقافة الامازيغية و محاولة طمس هوية تاريخية متجدرة في الجزائر في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي و ذلك بسبب ميوله و انحيازه إلى التيار البعثي و المد العربي في اوج انتشاره في عديد من الاقطار في تلك الفترة ، و قد تعاقبت أجيال لم تعرف هذا الأديب ، المفكر ، المثقف و الكاتب الكبير الغزير الإنتاج و الذي ساهم بشكل كبير في اثراء الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية ، ذلك الإقصاء الممنهج ظل ممارسا إلى يومنا هذا اللهم الا بعض المقالات التي كانت تصدر هنا و هناك للتعريف بمسية جان الموهوب عمروش ، و لاقت شقيقته ماري لويز الطاوس عمروش ذات المصير و كان طريق الغربة و الاجتثات من الارض و الوطن هو ما لاقوه و ظل جليا في كل كتاباتهم ، أشعارهم و أغانيهم بسبب الأفكار المتحيزة و العنصرية التي كانت و لا تزال سائدة الى يومنا هذا و محاولات “تجريدهم” من جزائريتهم برغم كل ما قدموه للوطن ، و لم تكن هناك أية إرادة للتعريف ليس بجان الموهوب عمروش فقط بل بكاتب ياسين ، المطرب سليمان عازم و أسماء أخرى أسقطت عمدا و ابخس حقها في أن تكون جزائرية رغم كونها هي الأصل في هذا الوطن و هم الفروع ، فقد ظل الراحل جان الموهوب عمروش متشبثا بوطنه و بتراب قريته التي ولد بها و امازيغيته، و قد عبر عن ذلك الارتباط بالأصول في لقاءاته مع الصحافة و صرح قائلا “أنا أكتب بالفرنسية وأبكي بالأمازيغية”
.بعض من أشعار جان الموهوب عمروش

قف أمامي

قِف أمامِي يا بُنيَّ
حتَّى أحفظَ قامَتَكَ في الذَّاكِرَة.
أَوَدُّ الذّهاب لمُلاقاةِ عائلتي:
جمعٌ من الأيادي الحانيةِ
حيثُ سيَّجَنَا النِّسيانُ.
أريدُ المُضِيَّ..
لأجد عائلتي البَشريّة الحقيقية.
تحت الفروع البارزة
لشجرة الزيتون المُسمَرَّةِ
في المنحدرات العارية
لتلك التِّلال الزرقاء
غفا اليأس.
والسَّمَاءُ الصَّارِمَةُ
فوق هذي الجموع الضائعة أبداً
حيث الموت غيرُ المُدْرَكِ البديعِ
تَدْفَقُ نداوتهَا الزرقاء.
لقدِ انسلّتِ الحياةُ الهَشَّةُ
من أزهارِ شجر الخوخِ البنفسجية
وفي قعر الأخوارِ الزرقاء
غنّى ماء الرَّحمة.
أودُّ الذّهاب لألقَى الملائكة، إخواني
حيثُ البلد الأخرسِ الَّذي يَسجنُه قلبي
أرواحٌ..
يا أرواحَ الموتى
تحت الصّخر المخطّط
إنّ الزيتون يَنوحُ فوق رفاتك المنسيّة
لكنّ الزيتَ المُضيءَ لا يمكنه أبداً
أن يمنح الحياة لأعضائك الجافة.
هل تَنسَكِبينَ في السّماء
عندَ السّاعةِ التي يحلّق فيها “البُرْني”
حولَ المَهاوِي الزرقاءِ؟
يا مسافري القلق الأبدي
هل أنتم من يعبرُ حشود النجوم
التي لا تُحصى في السّماء السّوداءِ
حيثُ سَيُومِئُ لي نجمي ذات يوم؟
أين مكانُه
مكانُ طفلكم المَحتُومِ
طفلكم المسجونِ
في عظامه الآيلة إلى الصخر الأجدبِ؟
أين مكاني
مكانُ ابنكم المُكَبَّلِ؟
أريدُ أن أرتاحَ في كنفِ عائلتي الآدمية
تلكَ التي سُلِّمت إلى كراهيةٍ مُعتمة
آمِلاً أن يحرّرها إلهٌ
على جبلِ زيتونٍ
شبيهٍ بآخرَ ذي جذوع ملتوية في وطني.
أتخلى اليومَ عن هذا المكان
حيث ظننتُ أن قدميَّ ستقفان أبداً.
هذي القبور المُهداةُ لشمسٍ شرِهة
هذي النسوة ذوات الوجوهِ المُخَدَّدةِ،
بأيديهنّ الممدودة…
لا نحوَ هذه السّماء الصافية
بَلِ نحوَ الأيادي المغلقة
لأبناءٍ راحلين عنهنَّ
نحو بلاد الذهب والعمل اليسير.
انِّي أُبحِرُ اليومَ نحوَ تَلٍّ آخرَ
حيثُ بلدٍ لم يُرَ بعدُ بنظراتٍ بشريّةٍ
تحت شجرةٍ ذات أذرعٍ طويلة…
كنظرةِ أمٍّ
وداعاً يا موطن مولدي
إنّ كلماتي تطفو في داخلي
كالفقاعاتِ القُزحية التي ستخبو
فوقَ الميَاهِ الحزينةِ..
لم أبُح بشيءٍ كانَ لي
لم أُسِرَّ بشيءٍ كانَ منّي
آهٍ، أخبِروني بأصلِ الكلماتِ
التي تُغني في جوفي.
لم أقوَ على ابتداعِ صورٍ
لم أجمعْ كلماتٍ من السّحر
أيُّ يدٍ كانت توحِّدُ الأشياءَ
في فَنَاءِ ذاكرتي
لتُفجِّرَها بغتةً
في فاكهةِ حبٍّ غريبٍ.
تُراها كانت يدَ ملاكٍ في داخلي
حاضرةً وغائبة؟
هل كانت يدَ اللهِ الذِي يَرْعَى مُنتهاي؟
من سيخبرني عن قَدَرِ كلماتِ هذا المجهولِ؟
أي رسالةٍ كانت تحملُ؟
تُراني كنتُ الرّسول؟
اِندَكّي أيّتُها الجبالُ
التِي فَرّقَتني عن ذَوِيَّ
دَعِي الطّريقَ مُسَرّحاً أمام ناظِرَيّ
نحو بلد والدي الحبيبِ.
إني أَجْهَدُ بلا جدوى لِأُتِم الكتابَ
وقلبي سجينٌ هناكَ
فسلاماً وتحيةً يا وطني.

بوخلاط نادية/ الجزائر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع