الفَزّاعة

15

كانت السقطة قوية ومؤذية وحين لملمت المرأة نفسها وقفت لتجسّ وتنظر الى بعض أجزاء بدنها وتتحسس مواطن الألم اكتشفت من خلال الدم النازف من فمها إن قاطعتيها الأماميتين قد سقطتا . نظرت الى الأرض بعينيها الكابيتين بحثا عنهما فلم تر شيئا , حدثت نفسها برمة : على كل حال ماذا سأفعل بهما ؟!. عندما اطمأنت أن لا شيء حدث لجسدها المتهاوي أرادت أن تعود الى بيتها … رفعت قدمها لتسير فوجدت انها تسير القهقرى , أعادت الحركة فتكرر الأمر كرة اخرى فنظرت الى قدميها الى أصابعهما … فجعت بأنهما ليستا في موضعهما المعهود بل حلَّ الكعبان بدلهما وفي خضم فزعها رأت إن أطرافها العلوية والسفلية كلها تتجه الى الوراء في حين إن الوجه والرقبة والبدن يتجهون الى الأمام … كانت تريد الوصول الى بيتها القريب فورا فقد ضجرت من السقطة وشعرت بالضعف وانحسار الهمة ولم تخضع القدمان الا لأمر الوجه الذي اتجه رغما عنها الى الناحية المغايرة قاطعا الشارع الرئيس الذي خلا لحسن الحظ من السابلة . وبعد مسيرة مهتزة قصيرة وصل الجسد الى منتصف الحديقة العامة فاتكأ على سارية خشبية هناك , أحسَّ الجسد براحة تامة وكأن هذا هو مكانه الصحيح . غير إن الوجه لا يزال على حالته مناقضا في اتجاهه للأطراف . لاحظت العينان إن الحديقة التي تزدحم وتحفل بأنواع شتى من الورود والرياحين والأزهار والشجيرات الصغيرة والكبيرة قد تُركت فيها مساحة دائرية أمام عينيها تماما فيها نباتات حديثة جدا في حاجة الى عناية بالغة . وفجأة أدركت أهميتها ومكانتها وإنها تحوّلت الى فزّاعة . لم تر في ذلك أيّما غرابة ولا غضاضة كأنما الأمر في سياقه الصحيح , لم تبتئس أبدا بل ظنت إنها ستتمتع برؤية الطيور وهي تسبح في فضاء الله بأجنحتها المبسوطة على مداها . ورأت إن أسراب الطيور سترسم لوحات في غاية الجمال والإتقان على خلفية زرقاء باهتة موشحة بغيوم بيضاء بلون الثلج … كل مساء وصباح . كما افترضت إن مجموعات الأطفال الذين يشبهون الفراشات الملونة سيستعرضون ألعابهم ودُماهم أمام عينيها يوميا مما يثلج صدرها .
في صباح اليوم التالي , وبعد أن حلَّ الضحى اقتربت منها بنتان جميلتان بجديلتين متقنتين ضبط طرفاهما بورود من نفس لون ثوبيهما علت وجهها ابتسامة واسعة , لكن البنتين لمّا نظرتا اليها هربتا من أمامها سريعا الى جانب بعيد وهما تقولان بصوت عال فيه من الخوف الكثير غير إن الإشمئزاز فيه أكثر قالتا : ما أبشع هذه الفزاعة لكأنها ساحرة شريرة ؟ ! . وعندما اقتربت الطيور من الشتلات الغضة ولاحظن الفزاعة الجديدة , جفلت الطيور منها جميعا وفرت – وكان لأجنحتهن صوت جميل لكنه دون الرفيف الذي تهواه ويطربها – هربن الى شجرة وارفة ظليلة في الطرف الآخر من الحديقة فلم يعد بأمكان الفزاعة المصلوبة أن ترى منهن شيئا .
كان فمها المجّعد الذابل في بداية النهار يرسم ابتسامة واسعة ومريحة لها في الأقل , غير إن الهروب الجماعي جعل الابتسامة تتقلص وتذوي رويدا رويدا حتى أصبح فمها ثقبا أسود قابلا لمبيت الحشرات الضارة .
*****
سمية العبيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع