الفصل الثالث (المسلخ العمومي)

33

الفصل الثالث
(المسلخ العمومي)

لطفي شفيق سعيد


أرتشف غركان ما تبقى في القدح من ماء وأخذ نفسا عميقا لكي يسر د على جبر ما حصل له وللآخرين في المسلخ العمومي قائلا:(بعد أن تم سلخ جلود جميع من دخل القبو انطلق الصوت الأجش يصدرا أمرا جديدا مفاده:(التوجه إلى أحواض تطهير الذنوب)!
اقتيد كل واحد منا من قبل قوة الصوت الأجش المدججين بالسلاح إلى أمكنة تلك الأحواض وما أن وصلنا إلى هناك حتى شاهدنا رقعة كتب عليها عبارة (أدخلوها بسلام آمنين)!
لقد كانت تنبعث من تلك الأحواض رائحة نفاذة تزكم الأنوف وتبعث على الغثيان مما جعلت كل فرد منا لا يشعر بما يدور حوله وكل ما كنا نشعر فيه في تلك اللحظة هو ملامسة الماء النفاذ وهو يلامس لحوم أجسادنا التي سلخت عنها الجلود!
تصور يا أخي جبر حالتنا تلك عندما أخرجنا من تلك الأحواض, لم نكن حينها من معرفة أحدنا للآخر فقد كانت وجوهنا مسلوخة وخالية من كل أثر للقسمات وعندها ضاع علينا الإحساس بالعالم والوجود وسيطرت علينا حالة من النسيان ,النسيان الذي جعلنا نفكر من نحن ومن نكون؟
أصابت جبر حالة من الذهول والخوف وكعادته تماسك وطلب من غركان أن يستمر.
أستمر غركان بسرد وقائع ذلك الحدث الرهيب قائلا:
لقد تم نقل جلودنا التي سبق أن علقت على الحائط بخطافات حديدية إلى مكان أطلق عليه تسمية (المدبغة) تدار من قبل مجموعة مختصة بشأن الدباغة وبمواد خاصة تجعل تلك الجلود تتحمل الصدمات والتغيرات المناخية كالعواصف الترابية وارتفاع درجات حرارة الجو حتى لو وصلت إلى أكثر من ستين درجة فهرنهايت.
لقد جرى توزيع الجلود علينا ولكن الغريب في الأمر أن توزيعها قد جرى عشوائيا ودون تمييز بين جلد طويل وآخر قصير أوبين أسمر وأبيض!
إنني سأسرد لك خبرا يتناقله الناس بينهم وهو: أن المجموعة المشرفة على المسلخ العمومي قد أقامت لها فروعا منعددة في كل أنحاء البلاد وحسب مناطقها يشرف على كل فرع منها شخص مسؤول يحمل عنوان (مسلخ فرع).
تم نصب ماكنة السلخ في كل فرع من تلك الفروع الغرض منها شمول أكبر عدد من الناس بسلخ جلودهم.
لقد تسنى لجماعة الصوت الأجش وأعضاء الفروع انجاز مهمتهم حسب التعليمات الصادرة اليهم من جهات الدنيا الأربعة وإن مهمتهم تلك تنفذ لقاء ما يحصلوا عليه من عيش رغيد ومرفه في قصور مشيدة محاطة بأسوار عالية وبحراسات مشددة لا يمكن اختراقها من أحد خاصة ممن سلخت جلودهم!!
لقد خطر ببال جبر سؤال سرعان ما طرحه على جليسه غركان مفاده:
كيف استمرت حياتكم بعد هذا التغيير الذي جرى على كيانكم ومعالم وجوههم التي أصحبت متشابهة ولا يمكن التمييز بين الواحد والآخر وأصعب ما فيها هي الأسماء لآن تلك الحالة تلغي الأسماء أيضا فكيف يستدل على من هو أحمد أو علي أوعثمان أو محيبس أو آزاد؟.
نعم يا أخي جبر إن هذا التغيير قد عقد حياتنا وخلق لنا مشاكل عديدة لا يمكن حلها بسهولة وكما قيل في الأمثال (وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟)
أضاف غركان: وهو يطلق حسرة مصحوبة بألم:
إن أخطر ما انتجه هذا التغيير هو انشار حالات القتل والخطف والسرقة وانتحال الشخصيات وارتفاع معدلات الخلافات الزوجية بسبب عدم معرفة الزوجة لزوجها أو الأبناء لآبيهم حتى الممتلكات والعقارات فقد تم الاستيلاء عليها من غير أصحابها وعند المطالبة فيها من شخص سلخ جلده لا يمكنه من تقديم أي أثبات لآن هويته الشخصية التي يمتلكها وصورته المثبتة فيها لا تنطبق وحالته تلك .
أضاف غركان قائلا: عليك أن تكتشف يا صديقي أمورا أخرى خلقتها حالة التغيير المريب لآن كل الحالات والحوادث التي وقعت تم تسجيلها ضد مجهول أو على طرف ثالث خفي!!
ترك جبر العايش العنان لمخيلته أن تسرح وعاد بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه المسلخ العمومي مخدوعا مثل الآخرين وتمكنه من أن ينفذ بجلده لكنه أضاف:
ما الفائدة من خلاصي وخلاص الآخرين ممن لم تصيبهم تلك المصيبة بعد أن تحول البلد إلى مسرح للفوضى وعدم الاستقرار حتى أخذ كل فرد فيه يأكل لحم وعظم وجلد أخيه دون حسيب أو رقيب!!

لطفي شفيق سعيد
مدينة رالي التاسع من آذار 2024
كتابة ما بعد التسعين

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع