العنونة والدلالات الحسّية في ديوان(سهامٌ في قلبِ الشمس)للشاعرة الليبيّة سهام الدغاري

26

العنونة والدلالات الحسّية في ديوان ( سهامٌ في قلبِ الشمس ) للشاعرة الليبيّة : سهام الدغاري

بقلم : كريم عبدالله .. بغداد – العراق 3/10/2019 .

أنّ العمل الشعري الرصين يحتاج دائماً الىدلالات ورموز ونقاط دلالة وعلامات / عناوين فرعية / من خلالها نتمكن من الوصول الىقيمته الأبداعية وجماليته وتجتمع كلّ هذه الدلالات والرموز / الفرعية / تحت دلالةبارزة تهيمن عليها جميعا وتكون منطوية تحت لوائها / العنوان الرئيسي / , أي أن هذاالعنوان الريئسي سيجمع أو يكون معبّراً عمّا تحتويه هذه العناوين الفرعية / شاملاً/ ومن خلاله سوف نتمكن من الوصول الى ثيمة العمل الشعري وقراءته ومن ثمّ الحكمعليه . لذا فأنّ العمل الشعري المتماسك لابدّ أن يكون متسلسلاً عبر عناوينه كسلسلةواحدة تربتط بالأخرى ويهيمن على جميعها جوّا / نفسياً – لغوياً / واحداً , لهاإمتدادت وإشعاعات تأخذ مديات بعيدة تجعله وحدة لا تتجزأ يشدّ بعضها الآخر . لذاصار من المهم جداً البحث عن هذه العناوين بعناية فائقة وأشتراكها مع بعض في نفسالثيمة ومن ثمّ أشتراك الجميع مع العنوان الرئيسي , فعلى الشاعر أن يكون حاذقاًوواعياً لكل عنوان يختاره في عمله الشعري ويدرسه بتأنّ ووعي , لأنّ هذا العنوانسيختزل كلّ ما جاء بالعمل الشعري ويكون معبّراً عنه أصدق تعبير . اذاً العنوان يجبأن يكون قطعة متوهّجة لأنه يلعب دوراً محوريّاً في حركية القصيدة ويختزل لناالكثير من الدلالات ويفتح لنا الأبواب مشرعة في عملية القراءة وأن يكون تلخيصاًتوصيلياً إيحائياً لمضامين النصّ وإبرازاً لتجربة الشاعر . انّ العنوان الرئيسيللعمل الشعري هو البوابة الأولى و الواسعة التي من خلالها ندخل الى حرم وقدسيّةهذا العمل , ومن خلاله سنتعرّف على ما يردي الشاعر قوله وتوصيله الينا , اي أنّالعنوان الرئيسي هو النواة الأولى التي ستنشطر فيما بعد الى وحدات أصغر وهذه بدروها ستكشف لنا عن مقدرة هذاالشاعر الأبداعية أو فشله في هذا العمل , ومن خلال ذلك سنتعرف ايضاً على شخصيةالشاعر وقيمة النصّ والأجواء النفسيّة التي كُتبتْ هذه النصوص تحت تأثيرها والبيئةالتي إنبثقتْ هذه النصوص منها وإهتمامات الشاعر وثقافته وجمالية العمل ورساليته ,اذا العنونة هي من الأسباب التي تجعل هذا العمل يمتلك خصوصية هذا الشاعر أو ذاكلأنها من مبتكراته وخلقه فلا يمكن التجاوز عليها وسرقتها لأنّها من صناعة الشاعر /س / كتبها في لحظة معينة ومكان معين وظرف معين وحالة خاصة به معينة أيضاً .

بالعودة الى ديوان الشاعرة : سهام الدغاري وعنوانهالرئيسي المثير ( سهامٌ في قلبِ الشمس ) , حاولت من خلاله إثارتالقلق والريبة وإبراز وخلق عالم زاخر بالشعور النفسيّ والأنكسار والهزيمة من جانبوعالم من الأفراح والسكينة من جانب آخر , وحاولت إثارت المتلقي بأكثر من سؤال , مَنْهي هذه السهام , وأيّة سهام هذه , وما هو المعزى من استخدام مفردة / سهام / هنا ,وماذا تعني هذه السهام , هل هي الشاعرة / سهام الدغاري / نفسها أم هي السهام التيتُرمى من القوس .. ؟؟ !! . والشمس ماذا تعني هنا , هل هي الشمس التي ترمز الىالحريّة أم الشمس التي تعني الحياة والضياء والنهار , ام هي / سهام الدغاري / ..؟؟؟ !!! . ثمّ ماذا تعني هذه الحركية في العنوان من الصعود من الأسفل الى الأعلي ,من الأرض الى السماء .. ؟؟!! . ومن ذا الذي رمى الشمس بهذه السهام , ومن ذا الذيجعل هذه السهام في قلب الشمس , وما المغزى من استخدام مفردتي / السهام – وما تعنيهمن الآلآم والمواجع والتمزّق – والشمس – صاحبة العلو الشاهق والضياء والدفءوالنماء والحياة .. ؟؟!! . هذه مجموعة من التساؤلات لابدّ للمتلقي المبدعوالمنتج والمتفاعل مع العمل الشعري أن يطرحها على نفسه ويحاول إيجاد الحلول التيتشبع ذائقته وتفتح له مغاليق هذا العمل الشعري .

والآن ناتي على العناوين الفرعية في هذاالديوان , وهي أيضا تحمل من الدلالات الشيء الكثير التي تكشف لنا عن شخصية الشاعرةوحالتها النفسيّة أثناء الكتابة , أنا وحسبما وجدت من خلال قراءتي للديوان وهذاالعناوين الفرعية بأنّ الشاعرة كتبت هذا العمل خلال ستة مراحل يمكن أن نسمّيها /نفسيّة – عمريّة – فكرية / , وأن لكلّ مجموعة من هذه العناوين مرحلة معينةربما عن قصد أو لا شعورياً كتبتها الشاعرة , وأنّ لكل مجموعة من هذه العناوين يمكنأن نجعل عنواناً رئيسيّا لها يدلّ دلالة واضحة على هذه المرحلة / نفسيّة – عمريّة –فكرية / .

فمثلاً تبدأ العناوين هكذا وحسب هذا التسلسل:

1- يبدأ الديوان في مرحلة الأحساس بالأنكساروالهزيمة وهي أشبه ما تكون بمرحلة الخريف , بعد أن تتمرّد الذات الشاعرة وتنفجرعلى واقعها المأزوم في محاولة للبحث عن الخلاص وطلب الحرية . تبدأ هذه المرحلةبالعناوين التالية / ليست كلّ الأنفجارات مؤذية – هذه العنوان أعتقد هوشامل لبقيّة العناوين التالية / ذات خريف / تبّاً لهذا النصّ / إبتسامة سوداء /فوضويّة الحياة / قد يتفسخ الحرف .

2- المرحلة الثانية هي مرحلة تأمّلية ( طويلةنوعا ما ) والشعور بالخيبة والأحساس بضياع العمر بعد أن تكتشف الذات الشاعرة تسارعالأيام وتصرّمها وبداية عهد جديد بعد أن نضبت ملامح الشباب وتسارعت وتيرة الحياة .تبدأ هذه المرحلة بالعناوين التالية / حين تتقمّصني جدّتي – وهذا سيكونالعنوان الأشمل لبقيّة هذه العناوين / أقاصي المستحيل / لمْ يبقَ الكثير / طفلةٌحمقاء / أجبّتني فخذلتها / حماقات / هذه الملامح ليست لي .

3- المرحلة الثالثة هي مرحلة البحث عن السلاموالطمانينة والسكينة والراحة والهدوء . تبدأ هذه المرحلة بالعناوين التالية /كي تحظى بالسلام – وهذا سيكون العنوان الريئسي الذي سيختزل ما في العناوينالتالية / رحيل / مفارقة / هل تدرك / لعلّه خيراً / ذات جنون .

4- المرحلة الرابعة هي مرحلة الأحساس بالهزيمةوالأنكسار . تبدأ هذه المرحلة بالعناوين التالية / الرجل الذي إستباح قلبي – وهذا سيكونالعنوان الرئيسي لبقيّة العناوين التالية / لا تراودني عن صبري / اللحظاتالمارقة / لون الغياب .

5- المرحلة الرابعة وهي مرحلة جلد الذاتوالأحساس بالخطأ وما مرّ في الحياة . وتبدأ هذا المرحلة بالعناوين التالية /مذنبةٌ أنا – وهذا سيكون العنوان الرئيسي الذي يختزل العناوين التالية /رسالة لرجل / زفرات أنثى / قصيدة خطّاءة / محض عابرة .

6- المرحلة السادسة وهي مرحلة ترميم الخراب ومحاولة الأنبعاث من جديد وتناسيما مرّ من الضيم والقهر وآلآلآم والأنتصار على الواقع البائس . وتبدأ هذه المرحلةبالعناوين التالية / نسيتُ الحكاية – والذي سيكون هو العنوان الرئيسي لهذهالعناوين / ياء النداء عصيّة / مرآيا الغياب / إليكَ عنّي .

ولم يبق لدينا إلاّ ثلاثة عناوين أعتبرهامهمة جداً ومن خلالها سنجد الملامح المهمة التي أشتمل عليها هذا العمل الشعري ,ألا وهي / أنثى مكتملة / عاشقٌ أسطوريّ / شفاهُ الياسمين لا تبتسم .

الآن لو وضعنا تخطيطاً وهميّا نقترحه يتكونمن دائرة مركزيّة تعني / الشمس – الشاعرة / نضع خلالها العناوين / أنثىمكتملة / عاشقٌ أسطوريّ / , أنّ هذه الدائرة واحتوائها على / المرأة والرجل / إنّما توحي لنا بوجود / الأنسان – الذي يشتمل على / المرأة – الرجل /وهنا ينفتح أمامنا باباً آخر للتأويل , وهو أنّ الشاعرة أرادت أنّ تقول بأنّ أنسانهذا العصر المضطرب قد يتعرّض الى / سهام / كثيرة تحاول تمزيق قلبه الذي يوحي لنابالمشاعر الصادقة والحبّ النقيّ ويمتلك الوفاء والصدق والسلام , ودائرة أخرى كبيرةمقسّمة الى ستة مجالات غير متساوية تمثّل لنا مراحل الحياة وتطورها , يمثل المجالالأول المرحلة الأولى والتي تحتوي على ستة عناوين والتي سنفترض انّها عبارة عنسهام موّجّهة نحو الشمس – الشاعرة , بينما المجال الثاني يمثل المرحلةالثانية والتي تحتوي على سبعة عناوين والتي تمثّل لنا عبارة عن سهام أيضاً تتجهنحو الشمس – الشاعرة , ومجال ثالث يمثّل المرحلة الثالثة والتي تحتوي على ستةعناوين والتي تمثّل لنا عن سهام أخرى تتجه نحو الشمس – الشاعرة , بينما المجالالرابع سيمثّل لنا المرحلة الرابعة والذي سيحتوي على خمسة عناوين تمثّل لنا خمسةسهام تتجه نحو الشمس – الشاعرة , ثم يأتي المجال الخامس متمثّلاً بالمرحلة الخامسةوبخمسة عناوين عبارة عن سهام تتجه نحو الشمس – الشاعرة , وأخيراً المجال السادسوهو يمثل لنا المرحلة السادسة وبخمسة سهام تتجه نحو الشمس – الشاعرة .

هنا سنتوصل الى رسالة حاولت الذات الشاعرة انتبعثها إلينا من خلال هذه السهام – المحن والهموم والمشاكل والقهر والضيم والخيبات- الكثيرة التي تحاول الأنطلاق وبقوّة نحو قلبها وتمّزيقه والنيل منها , علماًبأنّها مازالت تحلم بـ / عاشق أسطوريّ / يحاول إنتشالها من هذا الواقعوتخليصها من آثار وآلآم هذه السهام الطائشة , لكن يبدو لنا بأنّ هذه السهام قدنفذت الى قلب الذات الشاعرة قبل أن يتمكن هذا / العاشق ألسطوريّ / مننجدتها وصدّ كل هذه الخيبات وتخليصها مما لحق بها , فكانت مثل الياسمين لكنهالياسمين الذي سيبقى حزيناً وشفاهه لن تعرف الأبتسام / شفاهُ الياسمين لا تبتسم/ .

في هذا الديوان سنجد صوت / ألأنثى – الأنسان/ المغلوبة والمنكسرة والمنهزمة أمام طغيان الواقع وقسوته ودكتاتوريته الفظيعة ,الأنثى – الأنسان التي تحاول التمرّد على واقع قبيح حاول ويحاول تشويه ما تحويه منجمال روحيّ وقلبيّ , عالم مظلم بشع ما فتىء يرميها بكلّ هذا الخيبات وتجرح قلبهاسهامه المتواصلة , لكنّها ستبقى / أنثى مكتملة – ناضجة ترفل بالحياة والحبوالأمال والأحلام العريضة رغم كلّ شيء . وليس من السهولة ان نستشعر ذلك إلاّ عنطريق متلقي منتج أو سامع منتج مجتهد صابر معاند يتفاعل بإيجابية مع النصوص ومنخلال الوقوف أمام هذه العناوين ويزاول التحليل والتأويل بحياديّة وموضوعية بعيداًعن شخصية الشاعرة حتى يستطيع التلذّذ بكل هذه ألأحاسيس الأنثوية المرهفة والدخولالى عالم الشاعرة والأستمتاع بما جادت به قريحتها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع