العرفان الصوفي و حـــــب الذات الالهيـــة

234

الأستاذ المساعد :  ليلى مناتي محمود كلية اللغات / جامعة بغداد

العرفان الصوفي مجاهدة وذوق لايشترك فيه كافة الناس؛ لأن العشق الالهي لاينبغي أن يلهمه خوف من عذاب جهنم ولا رجاء لنعم الجنة، بل يلهمه ذكر كمال الله تعالى، بـ”أن تموت الروح موتاً عذباً محترقة بالشوق الحار الى الاتحاد به” .

فيحدث للصوفي وجد عنيف ، لايستطيع معه كتمان الاسرار التي يطلع عليها ، فينطق لسانه بعبارات مستغربة تتجاوز حدود العقل والمنطق ، ، لذلك يلجأ في نظمه الى الرمز وترك التأويل للعارفين ، وإن ” الميدان الذي يجول فيه شعراء الحب الالهي دائماً في رموزهم هو ميدان “الغزل الانساني” ،و”الخمريات”، لانه اقرب الميادين صلة بموضوعهم ، وأخلقها بإن يمدّهم بالمادة التي بها يعبرون ، ولم يفت الشاعر الصوفي ان يوظف الطبيعة  كأداة طيعة يسقط عليها  عرفانياته .

         لدى رصدنا للتجربة الصوفية ، وجدنا أن الشعر الصوفي في بعض الاحيان  يتسامى عن المادية البشرية، مع إنه أنتج الكثير من الالماحات غير المألوفة في العقلية العربية، الإ أنه لم يستطع في بعض نتاجه ، أن يرتقي الى مصاف التجريد المقبول فنياً ،: 

له المثل الاعلى  فلا ند مشبه                       ولا مثلٌ في فضلٍ تسامى عن الحصر

قريب مجيب ظاهر وهو باطن                       وجل جلالا عن حجاب وعن ستر

وصول به نلت الوصول الى المعنى               وفي وصله صرحت للغير بالهجر

إن ابن جنان في صدوره عن مرتبة المعقولات يحاول أن ينّزه الله عن أي ملمح حسّي . أنه ينقل بدقة موضوعية ماهية الموصوف وتأثيره عليه، لكن التجريد حين يأتي من كون الموصوف هو معنوي بذاته وليس نتاجاً لصياغة فنية ، فهي في معظمها محاكات وشروحات لما هي عليه هذه المرتبة بما يفقدها الكثير من المقومات الشعرية ، وليس الشطح الصوفي ولا سيما المنظوم منه، بعيد عن ذلك ، إذ إن الشاعر حين وصوله الى مرتبة الاتحاد لايفعل أكثر من الاحتفاء بذاته وغنائها :

فهمت بمحبوب فهمت كماله                        فلم يلتفت الإ لحضرته سِّري

حبيب تعالى أن يحيط بوصفه                       مقالي ، وأن يُحصى محامد شكري

فهذاالغناء لطبيعته الحلولية ، يحيل الى الشاعر ذاته، فتبقى بذلك لحظة الكشف غائبة ، بل من المستحيل معاينتها ما دام ما يراد كشفه هو معنوي ومجرد في ذاته أيضاً .

وقد يكون النص متكاملاً كبنية شكلية ، وهو بوصفه فعل ودلالة يمثل انقطاعاً عن المعقول في الذهنية العربية. غير انه لا يستطيع مع ذلك ان يبدع فسحة شعرية الا من خلال مستوى الصدق والكذب الذي تحققه التراكيب المحدثة، وهذا المستوى ضيق جداً بحيث لا يعتد به في شعرية القول وفنيته، ما دام لايخرج عن كونه تقريراً أخبارياً يشرح ابن زمرك من خلاله لقاء الله تعالى، وهو شرح محدد في دلته، وحياديّ في بيانه ، بلا مشاعر،  وبلا الماح .انه يبين كيف يكون الانقياد لله، ولكنه لايصل الى مرتبة الشطح حيث القول الصادر عن وجد ومعاناة يمكنانه من ان يكون شعرياً. لكن حتى في مثل هذا البناء الاخباري يمكن ان يحضر الشعر .ولا سيما اذا ما توفرت له المقومات التي تحرره من حدوده واخباريته ، كما هي الحال في أبياته التي يقول فيها  :

عُذراً إليك فمّا الالفاظُ تُسعدُني                      ولا العبارةُ في التحقيق تُقنِعُني

كفـى بِكُــرهي إننّـي رَجُــلٌ                          لولا مُخَاطبتـي إيّاك لـم تَرّنـي

فليس ينفك عن أين وهل ومتى                     وكم وكيف وبعد القبلِ في الزّمنِ

اذا كُنت ُ في وحدةِ الاطلاق أجمعها                عينُ الوجودِ واخباري يشخصني

تلك المقولاتُ أعراضُ الجُسوم فإن                 طلبتها فوق طور الحِسَّ لم يكنِ

والغيبُ معنى وراء العقلِ مظهرُهُ                            فلم يكن بشعار الحِسّ ممتهنِ

ولما كانت النفس هي معراج الانسان لمعرفة الرب، فقد تجاوز ابو العباس المرسي مرحلة العشق البشري، ليعلوفوق فيزيائية الصورة، ليدخل في ميتافيزيقية مجردة، وهي المقابلة بين النفس والروح الالهية، وهكذا يستطيع ان يخترق حجب الحقيقة الى الفردوس البعيد، لتكون أداة أدراكه الروح في حركية بين الارض والسماء حيث تسمو الروح في خلاص من قيود الواقع وقيمه، ولا يبقى في نهاية المطاف سوى حالة النقاء الذي يُشرب في القلوب حبّ الله والنشوة الروحية ، ليقول:

والنفسُ بين نزولٍ في عوالمها                     كآدم وله حـواء فـي قـرن

والروح بين ترقِّ في معارجها                      وهي الموافق للتعريف والمننِ

على الرغم من التقاء تجربة ابن الجياب في الحب مع غيره من شعراء الحب الا انه لاينبغي أخذ التجربة بمفهومها السطحي ، وتغدو المعاناة بذلك طابعاً يسمو بالتجربة الصوفية الى الشفافية الروحية التي يفرزعنها عبق الحب الالهي خاصة وان “المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات المذكورة والذروة العليا من الدرجات “، فيقول:

محبته شرط القبول ، فمن خلتْ                    صحيفته منها ، فقد زاغ واشتطا

به الحقَّ وضّاحٌ ، به الإفك زاهقٌ                            به الفوزُ مرجوّ ، به الذنبُ قد حُطِّا

وتطغى المسحة الفلسفية في اشعار ابن سبعين لتترجم  وحدة الوجود ،وان الله يحوي في ذاته كل المخلوقات، ليدخل في ميتافيزيقية مجردة، يحكمها بناء عرفاني يستمد كيانه من ذاته ، ليقول  :

يا خالق الاشياء في نفسه                           انـت لمـا تخلـق جامـع

تخلق ما لا ينتهي كونه                              فيك فأنت الضيق الواسع

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع