الشّائعة .. وباء يفتك بالعقول والمجتمعات!

56

تعود كلمة الشّائعة “Rumeur” في أصلها اللاتيني ” Rumor” إلى معنى القول أو الخبر المتّسع والمنتشر عند عامّة النّاس أو هي تلك الأحاديث المتناقلة بينهم بسرعة دون إثبات ولا تثبّت! وتُعَدُّ الشّائعة أقدم وسيلة إعلاميّة في العالم فهي لازمت جميع المجتمعات البشريّة القديمة وحتى الحديثة الّتي تتميّز بسيادة العقل والمنطق في نمط تفكيرها، ولعلّها اليوم تتمتّع بحضور متميّز داخل مجالات وسائل الاعلام المتنوّعة وتنتعش كثيرا من قنوات التّواصل الاجتماعي وغيرها من مواقع الانترنت. فنحن إذن أمام ظاهرة نفسيّة اجتماعيّة لها من الخطورة ما يجعلنا نوليها اهتماما عميقا في مستوى المفهوم وآليات الانتشار وحدّة المخاطر وكيفيّة التّطويق؟

زئبقيّة دلالة الشّائعة:

صحيح أنّ الشّائعة في تحديدها اللّغوي مصدر من فعل شاع يشيع شيوعا الخبر أي انتشر وراج انتشارا ورواجا واسعين، فهي إذن مبدئيّا مرتبطة بمعلومة أو خبر أو نبأ ينتقل من الفم إلى الأذن  de bouche à oreille يتعلّق بحادثة ما، وعادة ما يكون مصدر الخبر مجهولا، وما يَهُمُّنا من هذا التّعريف ليس محتوى الخبر الذي في أغلب الأحيان يكون مُصْطَنَعًا بل إنّ أهميّة الشّائعة تكمن  في سُرعة انتشارها بحيث ينتصب هذا الانتشار كمقياس لمصداقيّتها، فحين نسأل شخصا ما عن دليل مصداقيّة الخبر المُعْلَن يجيبُنا دون تردّد “إنه متواتر عند كل النّاس”! أو ” إن الجميع لا يتحدّث إلا عنه!” وهنا تختلط الشّائعة بالحقيقة أو تَلْبس ثوب الحقيقة بحيث لم نعد نعرف متى تظهر المعلومة “الصّحيحة” ومتى يتبخّر زيف الشّائعة إلى حدّ يصعب معه في كثير من الحالات والأحيان مسك الشّائعة وفضحها والتّنديد بها وإن هذه الصُّعوبة لا تعترض عامّة النّاس بل صفوتهم أيضا من مفكّرين وإعلاميين وغيرهم وذلك لما في صياغة الشّائعة من قدرة على اختيار الظّرف الملائم اجتماعيّا كان أو سياسيّا أو اقتصاديّا وأيضا اغتنام المناخ النّفسي والفكريّ للجماعة حتى يسهل عليها النّفاذ بسرعة وبدون تمحيص قناعات النّاس، ولا نَنْسى ما للشّائعة من حضور قويّ في حياتنا الاجتماعيّة فهي تُحيط بنا وتتواجد بيننا وتؤثّث لقاءاتنا وتُثري أحاديثنا كما لا ينحصر تداولها وتناقلها لدى فئة معيّنة من النّاس أي عامّتهم من السُّذّج بل تتخلّل أحاديث كلّ الفئات وتفرض نفسها على عقولهم وتتّخذ موقع المعلومة المُثْبَتَة وإن كانت مصادرها مجهولة أو هشّة. نُظيف إلى كلّ ذلك مدى توغّل الشّائعة عبر تاريخ البشريّة وقدم ملازمتها للإنسان فحيثما يكون هناك كلام بين النّاس وتخاطب، نَجِدُ الشّائعات التي تظهر أوّل ما تظهر في عبارات مثل ” قيل…” “أو يقال أنّ…” أو «سمعت خبرا مفاده…!” ولنا عادة مأثورة في البلاد التّونسيّة حين نريد التّشكيك في خبر ما وبيان زيفه، نَنْسبه إلى “جريدة قالوا!” على اعتبار أن هذه الأقوال وإن بدت في ظاهرها “معلومات صحيحة” فإنّها تُخفي في باطنها دلائل زيفها ولا يخفى أن الاهتمام بالشّائعة كظاهرة اجتماعيّة قد تَطَوّر كثيرا خاصّة مع تطوّر وسائل الاعلام المتعدّدة والمتنوّعة من جرائد وصُحُف وأجهزة راديو وتلفاز ثمّ حقّقت قفزة نوعيّة حين تصدّرت صفحات الانترنت والمواقع الاجتماعيّة بحيث أصبح من الضّروري اعتبارها ظاهرة علميّة تستحقّ المعالجة والدّراسة وإن أوّل من أدخل الشّائعة كمصطلح علميّ في بداية القرن العشرين وبالتّحديد سنة  1902 هو عالم النّفس “وليام سترن  William Stern” في كتابه “علم  نفس الشّهادة “Psychologie du témoignage. الذي يهتمّ بالقضايا الحقوقيّة، (من مجلّة العلوم الإنسانيّة: أكتوبر 2005 Science Humaines). فأين تكمن مخاطر الشّائعة؟

2-مخاطر الشّائعة على العقل والمجتمع:

نحن نعيش في مجتمع يزْخر بالأحداث والأفعال والأوضاع المتحرّكة والدّيناميكيّة على الدّوام بحيث يُخْطئ كل من يعتقد في ثبات المجتمعات واستقرارها الدّائم فطالما أن هناك حياة إنسانيّة هناك حراك وتفاعل وتغيّر وتطوّر في جميع مجالات المجتمع وشرائحه. وبطبيعة الحال يُلَازم حراك المجتمع وكثافة أحداثه زُخمٌ من المعارف والأحكام والأقوال والحكايات والأخبار فيها الغثّ والسّمين، فيها الخبر “الصّحيح” والخبر “الكاذب” وفيها أيضا أخبار ليست صحيحة ولا خاطئة، وواضح أنّ هذه الأخيرة نُصَنّف بالأخبار الشّائعة وتخرج عن مقياس الصّدق والكذب أو الصّحيح والخطأ، فالخبر الصّحيح أو الخاطئ واضح في الحالتين ويَحْوِي على ضرب من اليقين فنحن نتيقّن من صحّة خبر ما أو كذبه بمقاييس الواقع التّجريبي أو بوسائل المنطق العقلاني. أما الشّائعة فهي خبر غير يقينيّ بمعنى يخرج عن مقياس الصّدق والكذب، وإن كانت الشائعة تستعير من الواقع ومن المنطق معطيات ومقاسات تُغلّف بها المعلومة بغلاف يسمح لها بالتّأثير المباشر على متلقّي الخبر وتصديقه دون تردّد وهنا تكمن خطورتها، فهي تستعير بعض وسائل المنطق لتُزيح في نفس الوقت ما لدى السّامع أو المتلقّي من حِصْن منطقيّ عقلانيّ الذي عادة ما يمكّننا من التثبّت من الخبر وحين تُزيحه تفتح المجال واسعا أمام انفعالات قبول الأخبار الرّائجة بآليات عاطفيّة تجعل المتلقّي لا فقط يقبل الخبر كما هو بل يسعى أيضا إلى ترويجه وتناقله بسرعة، ثمّ إن صانعيّ الشّائعات يغتنمون من راهنيّة الواقع هشاشة بعض ظروفه سواء كانت اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة، خاصّة في أوقات الأزمات والأحداث الصّادمة ويَحِيكون من تلك الظّروف الحسّاسة جدّا خبرا أو معلومة شديدة التّأثير على اهتمامات المتلقّين ويسرّبونها مستغلّين جميع وسائل الإعلام السّمعيّة البصريّة وغيرها من المواقع الاجتماعيّة وصفحات الواب التي أصبحت اليوم المغذّي الأول للشّائعات والمجال الواسع لترويجها بسرعة البرق.

لقد أصبحت الشّائعة مع هذا التّطوّر في وسائل الإعلام الرّقميّة رسالة تتمتّع بقواعدها الخاصّة وبآليّات راسخة جدّا حسب عالم الاجتماع الفرنسي Michel-Louis Rouquette الذي اهتمّ بكيفيّة تكوّن الشّائعة في الأوساط الرّقميّة والمواقع الاجتماعيّة فرأى أنّها تتكون بتفاعل ثلاثة شروط:

الوضعيّة la situation- وعمليّة النّقلle processus de transmission ثمّ المحتوى le contenu. ويبدو من هذه الثّلاثة شروط التي سنعرّج عليها لاحقا أنّ الشّائعة اليوم ذات أهميّة قصوى، تدعونا إلى أخذها مأخذ الجدّ على اعتبار أنّها ظاهرة علميّة نفسيّة اجتماعيّة يهتمّ صانعوها بتكوينها وتشكيلها وصياغتها وكذلك اختيار الوقت والظّرف المناسبين لترويجها لذلك تشترط وضعيّة ما أو سياق معيّن لكي تتشكّل وتتكوّن وإن صانعيها يتصيّدون غالبا مناخات الأزمات السّياسيّة أو الاقتصاديّة التي تعصف ببلد ما أو مجتمع ما يعاني من نقص في المعلومات أو ارتباك في قنوات وسائل الاعلام الرسميّة وغيرها فتحتلّ الشائعة محلّ المعلومة وتأخذ مكانها في وسائل الاعلام المختلفة فتروج بين النّاس. ويعمّق الشّرط الثّاني اتساع مساحة نشرها بعمليات النّقل وآلياته التي تتشكّل أوّلا وبالذّات بين الأفراد عن طريق وسيلة “القيل والقال” بحيث يُحسّ الفرد وهو ينقل ما شاع من “معلومات” حول مثلا “تحوير حكومي قريب” أو” ارتفاع الأسعار” أو “الرّفع من الضّرائب” أو “وفاة شخصيّة سياسيّة أو فنّيّة معروفة”… أنه يقدّم للسّامع خدمة معلوماتيّة إخباريّة، وقد تتفاقم خطورة الشّائعة حين تنتقل من مصدر الأفراد إلى مصادر وسائل الإعلام وتتبنّاها على اعتبارها خبرا مُثْبتا.

وكثيرا ما يكون محتوى الشّائعة، سلبيّا جدّا ومخيفا وحارقا لأنّه يرمي أوّلا إلى تشويه المعلومة بما أنّه يركب على الحدث أو الخبر ويصوغ محتواه من تقارير سابقة من المعلومات فتتفاقم أزمة الثّقة وتفقد صحّة الخبر أدنى أُسُسها. لذلك تشتغل الشّائعة بشكل جيّد كلّما كانت الأحداث غير مُثْبَتَة. وتبقى ناتجة عن نوايا خبيثة ذات خلفيّات سياسيّة أو أخلاقيّة أو اجتماعيّة تخدم مصالح بعض الأفراد أو الفئات، غايتها تظليل عقول النّاس وإحداث الفوضى في المعلومات وإرباك الحياة الاجتماعيّة وزعزعة كل استقرار. ولا يفوتنا في هذا المجال أن نذكر أنّ ما زاد في حدّة خطورة الشّائعة وتفشّي وباءها ليس ما يتعلّق بمضمونها بل ما تُحقّقه من تجاوز في هذا العصر لحدودها الجغرافيّة الضيّقة وانتشارها على نحو صادم وبسرعة تتعدّى ميكانيكيّة الزّمن حين تُمرَّر وتُسْتَقْبَل آنيّا بين مُستخدميّ الانترنت والمتلقّين فتُغطّي جميع أنحاء العالم عبر صفحات الواب والمواقع الاجتماعيّة وبطبيعة الحال تَنْفلت من كلّ مراقبة مباشرة أو غير مباشرة وهو ما يجعلها تحتلّ الصّدارة بين وسائل الإعلام وتُغلّف بغلاف “الحقيقة” أو “المعلومة المُثبتة” وتَنْطَلِي على عقول العامّة والخاصّة. ولعلّ ما يحدث في هذا العصر وما نعيشه في هذه السّنوات الأخيرة من تحوّلات وصراعات وأزمات شملت المجتمعات والدّول إثر الحركات الأخيرة لبعض الشّعوب والحروب التي شملت كثيرا من بلدان العالم وما نلمسه من عدم استقرار اجتماعي وسياسي دولي وعالمي غذّى بعمق هذه الظّاهرة فتمركزت الشّائعة كمصدر جوهري لكلّ معلومة عبر ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة والمتنوعة دانيها وقاصيها، بل يمكن الإعلان والتّنبيه أيضا عمّا تحتلّه اليوم الشّائعة من مراكز عناية واهتمام وإدارة مُؤسَّساتيّة تعتني بصناعة الأخبار الزّائفة واستعمال أنجع الطّرق لترويجها والبحث عن آليّات  تغلغلها في أنفس المتلقّين وعقولهم لتحقّق أكبر نسبة لبلوغ أهدافها وتحقيق مآربها.

ولا يمكن حسب رأينا تذليل مخاطر الشّائعة وكشف ما تُضْمِرُه للأفراد والمجتمعات من سلبيّات وبائيّة سريعة العدوى بين البشر وبرقيّة الانتشار، إلاّ إذا تمكنّا بجهود متظافرة ومسؤولة، تقوم بها جميع مكوّنات المجتمع نخصّ بالذّكر منها المنظومة الأسريّة والإعلاميّة والتّعليميّة وبقيّة المنضّمات المدنيّة والاجتماعيّة، فتسعى لتشخيص هذه الظّاهرة أوّلا وكشف خفاياها وذلك بترسيخ المعلومة في وسائل الإعلام وتكثيف مصادرها الموثوق بها، فليس هناك سلاح نافذ يفْتِكُ بالشّائعة كسلاح مصداقيّة المعلومة وإثبات صحّتها والعمل على نشرها داخل مناخ متناغم بين وسائل الإعلام الرسميّة وشتّى وسائل الإعلام الأخرى ثمّ ثانيا لا بدّ من تغذية العقل الإنساني بآليات التريّث والحذر والتسلّح بالشّك كمحكّ أساسيّ في التّعامل مع الأخبار مجهولة المصدر مع عدم الوثوق التّلقائيّ والعفوي بتوارد الأخبار الشّائعة ضمن المواقع الاجتماعيّة المتنوّعة ثمّ خاصّة التعوّد على ممارسة العقل النّقديّ المتفحّص والمُدقّق فيما يرد من أخبار مهما كان مصدرها قبل تأكيدها أو نفيها.

 

فتحي جوعو 22جانفي 2018

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع