الشاعرة السورية هبة شريقي لـ”فكر”:لأنني حالمة بالفطرة أجد المتعة في مواجهة العقبات والتغلب عليها

خاص- فكر

483
الشاعرة السورية هبة شريقي لـ”فكر”: لأنني حالمة بالفطرة أجد المتعة في مواجهة العقبات والتغلب عليها
خاص- فكر

ضمن برنامج “أمير الشعراء” الذي تبثه قناتا “بينونة” و”الإمارات” شهدت النسخة الأخيرة تألق الشاعرة السورية الشابة “هبة شريقي”؛ وعن مسيرتها الأدبية وتجربتها في المسابقة، كان لصحيفة “فكر” الحوار الآتي معها:

• الشاعرة السورية “هبة شريقي” نرحب بك. دائما؛ هناك محطة أولى تسمى البداية تكون بمثابة منارة لطريقنا نحو المستقبل وتحدد مصيرنا اليوم؛ حبذا لو تحدثيننا عن المحطة التي انطلقت منها هبة نحو عالم الشعر؟

في المرتبة الأولى؛ الإبداع في حياتي وليد حزن إنساني بشكل عام. أذكر في عام 2004 عندما كنت أعود من مدرستي إلى المنزل قبل وصول والديَّ من عمليهما، أجلس أمام التلفاز وأرى مشاهد مروِّعة من حرب العراق، يقشعر لها بدني وروحي، فأتخيل نفسي وأهلي في مشاهد شبيهة، وأرسم سيناريوهات مخيفة في خيالي وأتفاعل معها حقيقة بطريقة غريبة، حتى إنني كنت أخاف من نفسي أحيانا وأشعر بأن بي شيئا غير طبيعي.
وكنتُ متميزة في اللغة العربية، أحفظ أناشيد المنهاج المدرسي كلها بعد استلام الكتب بأيام قليلة، إلى أن وقع بين يدي ديوان “أشعار مجنونة” للشاعر الكبير “نزار قباني” فوجدتني منجذبة إلى الشعر، وأدركت أنني أستطيع التعبير عما في داخلي من مشاعر متناقضة عن طريق الكلمات، فكنت أكتب ما أكتب وأخبئه خجلا وخوفا من أن يراه أحد، ففيه “أنا” الهشة التي كنت أحاول دائما أن أُظهرها بمظهر القوية.
ذلك في حين كان الأطفال من عمري يلعبون في الشارع وكنت أشعر بأنني أكبر منهم سنا، إذ لم يكن يستهويني ما يستهويهم، فاهتماماتي بعيدة عن اهتماماتهم.
بعد ذلك، أمام التلفاز أيضا، كنت أتسمر لمتابعة برنامج “أمير الشعراء” لم أكن أفهم تماما ما كان يقوله الشعراء حينها، إلا أن أسلوب إلقائهم كان يحث شيئا ما في داخلي على قول شيء ما، فبدأت أحلم بأن أجلس جلستهم في قادم الأيام، وهذا ما حصل.

• بالنسبة لك؛ هل تجدين المتعة في الرحلة أم الوصول؟ وما هي الصعوبات أو العقبات التي واجهتك في تجربتك الأدبية وكيف تغلبت عليها؟

لا يرقى كل ما يقدم على طبق من ذهب إلى أن يسمى “حلما” لذا فإنني أجد المتعة في الرحلة، لأنني حالمة بالفطرة، أجدها في مواجهة العقبات والتغلب عليها.
في البداية لم أجد من يرشدني إلى الدرب التي علي أن أسلكها، وكنت أشعر بالحزن لذلك، دفعني إلى التفكير المكثف في طريقة لإيصال صوتي، وبالتالي كون شخصيتي الجريئة المقدمة على الحياة والشعر، تطرق أبواب قصره لتقول له: “أحبك”.

• يقول الشاعر المكسيكي الراحل أوكتافيو باث: “الحب موقف بطولي وأعظم ابتكار للحضارة الإنسانية”؛ الشاعرة هبة شريقي كيف تُنظِّم نعمة الحب لخدمة قصيدتها؟

في المرتبة الثانية فإن الإبداع في حياتي وليد وحدة أيضا وحب نما في داخلي مبكرا بشكل خاص. الحب في قلبي سعير، وسعال خانق وحاجة ملحة. أعرف أنني ملعونة لعنة أبدية، ووحيدة، لذا؛ فأنا مضطرة إلى أن لا أتوقف عن الحب. ربما هي لعنة الحب المرتبط ارتباطا وثيقا بالشعر، وأنعم بها!
وُهِبت القدرة على كتابة الشعر بشكليه؛ الفصيح والمحكي. دائما ما أشعر بأن القصائد المحكية فساتين صيفية واسعة بألوان مبهجة، والقصائد المكتوبة بالفصحى ثياب شتوية بألوان دافئة. ولسبب ما، لا أعرفه على وجه التحديد، ارتبط الصيف في مخيلتي بالفرح، والشتاء بالحزن. لذا، غالبا ما أجدني أكتب شعرا محكيا للتعبير عن حالات الحب والقرب من المحبوب والفرح لرؤيته والغوص في تفاصيله، وأكتب شعر الفصحى للتعبير عن عذاباته.

• كيف تستطيعين المواءمة بين الحياة الأكاديمية والحياة اليومية وعالمك الشعري؟

كل شيء جميل في وقته، إلا الشعر، فهو جميل في كل الأوقات. قد أهمل أي شيء حين تحين لحظة الكتابة، لكنني لا أهمل لحظة الكتابة لأجل أي شيء. في الوقت الحاضر. عالمي الشعري، أو بالأحرى عالم الكتابة مركز حياتي، لا أستطيع فعل شيء بعيد تماما عنه، فلا بد من وجود خيط يربط مجال عملي، أو حتى أسلوب حياتي اليومي بالكتابة.

• يقولون: من يريد أن يصبح كاتبا أو شاعرا يجب أن يملك رأسا أشبه بالمكتبة حتى يصقل موهبته ويثري قريحته اللغوية؛ حبذا لو تطلعين القارئ العربي عن قراءاتك وكيف صقلت موهبتك وطورت أدواتك لتتجنبي الوقوع في مطب التكرار والتقليد والرتابة؟

في البداية، كانت كتاباتي أكثر من قراءاتي، أما الآن فقراءاتي أكثر بكثير من كتاباتي. وذلك لا يعني بالضرورة أنني مع من يقول إن على الكاتب أن يقرأ أي كتاب متاح أمامه. وعن نفسي، فلا أقرأ إلا ما يروقني، وأحب من الأدب عموما والشعر خصوصا ما يثير في الرغبة في الكتابة، لكنني -لتجنب التقليد- أحاول أن لا أكتب في الفترات التي أقرأ فيها، ولتجنب الوقوع في التكرار أحاول أن أكتب في فترات متباعدة، فلا أصطاد الوحي كلما مر أمامي مرور فراشة أحبت أن تلقي التحية على بالي وتذهب كما أتت، أحب أن أسمح للأفكار في رأسي بأن تنضج نضوجا حرا فلا أقطفها قبل أوانها.

• كما نعلم، النجاح ليس حظا أو محض صدفة، بل هو حصيلة طموح وإرادة وإصرار فضلا عن صقل الموهبة؛ ماذا تعني لك المشاركة في أمير الشعراء؟ وما مدى شعورك بالمسؤولية كونك الممثلة الوحيدة لبلدك سوريا؟

مشاركتي في برنامج “أمير الشعراء” حلم يتحقق وكنت قد ربيته كطفل مدلل في كنف الاجتهاد، وبوابة لتحقيق أحلام أخرى تصب في مصب الإبداع الكتابي بجميع أشكاله. أن أكون الممثلة الوحيدة لبلدي سوريا في موسمه التاسع يعني أنني في ورطة، إذ سيكون الحمل ثقيلا على شعري، لكن الورطة جميلة بالطبع، والحمل محبب أيضا. أتمنى أن أكون كما يليق بسوريا أن تكون.

• في عصر المعلومات وتقنية المعلومات والاستغناء التدريجي عن الورق؛ إلى أي مدى تظنين أن مواقع التواصل الاجتماعي لها دور في نجاح وانتشار القصيدة؟

ليس في عصر تقنية المعلومات فحسب، بل في عصر الجائحة التي أقحمت أنفها في جميع مجالات الحياة، فكان لا بد من إيجاد حل بديل لنشر الأدب، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي حلا جيدا، وإن كان أقل توهجا، إضافة إلى أن تلك الوسائل أتاحت للكتاب الذين لم ينشروا بعد أيا من أعمالهم فرصة التعريف بأنفسهم أمام الناس قبل أن يخطوا الخطوة الأهم “الطباعة الورقية” التي لا أتوقع أن يستطيع القارئ الشغوف الاستغناء عنها.

• يقولون: إن الصعوبة لا تكمن بالنجاح بحد ذاته، بل بالمحافظة على استمراريته؛ هل يشعرك هذا الكلام بالتحفيز لمواصلة الصعود إلى هرم الأحلام، أم يبث داخلك القلق والتفكير بمرحلة ما بعد النجاح الحالي؟

أظن أن لا حد لإبداع المبدع الحقيقي، فبعد كل نجاح أو بعد كل فترة من فترات وحيه الذهبية هناك فترة سكون لا بد منها، ولكي يخرج نفسه منها، أظنه يشعر خلالها بأن عليه أن يقدم ما هو أفضل. النجاح الحقيقي من وجهة نظري ليس باستمراره وحسب، بل بتفوقه على نفسه، تدفعني هذه القناعة -تلقائيا- إلى مواصلة الدرب بثبات وإيمان بأن القادم أكثر خصوبة.

• ختاما؛ الشاعرة السورية هبة شريقي؛ نشكرك على هذا الحوار اللطيف، وحبذا لو نختم بأكثر قصيدة لها مكانة عزيزة في قلبك.

القصيدة التي أعدها نقلة نوعية في مسيرتي الشعرية، وكنت قد كتبتها لأبي عام 2018 وشاركت فيها في أولى مراحل برنامج أمير الشعراء في موسمه الحالي (التاسع):

أبي..
حين صلت غيوم السماء خشوعا وغصت به، ذرفته..

أبي كان يمشي وحيدا بكل دروب الحياة
وكل دروب الحياة تؤلف شعرا وما وصفته..
أسائل قلبي:
أبي كان ياما يصلي لأنهار فرحي…
لماذا إذن حين فاضت به جرفته؟!
ويحمل في قلبه الحب ذكرى..
وذاكرة الحب ما أنصفته..
أبي طفل أمي، وطفلي، وطفل الموسيقى، وما عزفته..
جميل أبي مثل فجر الخريف
هدوء به مثل ليل مخيف
وقلب أبي زعتر في الرغيف..
لماذا -برغم جميع الفوارق- ضجت قبالة عينيه كل المرايا وما عرفته؟!
أبي كان يومئ للصبر يأتي..
ويغرف آهي إذا غرفته..
جراحي -برغم المسافة بيني وبين أبي- نزفته..
وعيني تكابر، تأبى الدموع، وتبكي كثيرا إذا صادفته..
وما أتلف البدلة العسكرية
بل أتلفته.

** أجرى الحوار لصالح “فكر” الكاتب والصحافي السوري مهند الحميدي

مهند الحميدي.. كاتب وناقد وصحافي وفنان تشكيلي من سوريا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع