الرعب(قصة قصيرة)

199

“ياربي ، لماذا سلطان النوم لا يُطاوعني وفكري لا يستقرُّ ولا يهدأُ من التفكير والقلق ، ليش اشعر بهذا الأحساس الغريب ؟ صرت اخاف من اي شيء ، عبالك انتظر حدوث مكروه ما وكل ماحولي هادئ

وطبيعي ! “…

كانت تتقلب في فراشها منذ اكثر من ساعتين ، وتسائلُ نفسَها أيجوزُ لأنها بدّلت مكان نومِها حيث صعدت الى الطابق الثاني لكي تنام هناك منذ ان جاء شقيقُها وابنه لزيارتها من اوروبا وقد خصصت لهم غرفة النوم في الطابق الارضي وصعدت هي الى غرفتها الخاصة ؟ تمددت على سريرها محاولة الاسترخاء بشكل يساعدها على الاستسلام للنوم … ظلت تشغل فكرها مرة بالتخيل بانها متمددة على الساحل الرملي الناصع البياض للبحر الابيض المتوسط في جزيرة مايوركا الاسبانية تستمع بصوت الامواج الهادئة – دون اي جدوى – ثم، تسعى لتخيل ممرات في جبال خضراء رائعة وهادئة وتحسب عدد الدورات التي تدورها لكي تصل الى قمة احد تلك الجبال – ولا يفيد ذلك أيضاً- أو تحسب عدد لا يحصى من أغنام قطيع كبير كبير من هذه الحيوانات الأهلية الجميلة – ولم ينفعها ذلك أيضاً- أخيراً، قالت لنفسها افضل شيء هو التسبيح واصبحت تسبح في ذهنها … وفيما هي مشغولة بذكر الله وحمده سمعت اصوات من الشارع ، في بادئ الامر كانت خافتة ثم تصاعد رتمُها ، أصوات اناس ينادون على بعضهم الآخر، شعرت بالفضول ، قامت من فراشها واقتربت من النافذة ،دفعت ستارة النافذة المطلة على الشارع ، لاحظت ان الجيران نساء ورجال يتجولون في الشارع المظلم ويتحدثون فيما بينهم، نزلت بسرعة الى الطابق الارضي وفتحت باب المطبخ واجتازت الباب الخارجي للدار لتصل الى الشارع …

تعجبت كثيراً لأن كل من كان في الشارع مسلح ، قسم منهم يحمل رشاشات وقسم بنادق ومسدسات ، سألت بقلق ماموستا كاوة جارها الذي يسكن مقابل بيتها بالضبط : “خير ماموستا ، صاير شي ؟ ”

أجابها بوجوم : “يقولون ان قوات داعش وصلت الى بوابة مدينتنا ولازم نتصدى الهم .. رجاءاً ادخلي الى بيتك افضل لك ولنا “…

اقشعر بدنُها وسَرَتْ فيه رعشة من الخوف والهلع وفيما هي  تتكلم مع ماموستا كاوة كانت تنظر بين الفينة والاخرى الى مدخل شارعهم …

فجأة، لمحت سياراتهم وعلمهم الاسود المخيف ! ركضت مرعوبة الى داخل الدار بعد ان اغلقت بسرعة البوابة الرئيسية متجهة نحو باب المطبخ ، سعت بيد مرتجفة ان تدير المفتاح في فتحة قفل الباب لكن يدها المرتعدة أبت أن تساعدها ،  وبعد عدة محاولات تمكنت بالنهاية من قفله .توجهت بعدها الى غرفة الضيوف لترى ان كان بابها الذي يفتح على الفناء الخارجي للدار مغلقٌ هو الآخر أم لا ، حمدت الله لانه كان مقفلاً ، صعدت بسرعة بعد ذلك الى الطابق الثاني لكي تتاكد من باب السطح وانه لا توجد نوافذ مفتوحة، كانت تركض بين الغرف بسرعة غير طبيعية وكأن هناك من يلاحقها… نزلت مرة اخرى الى الطابق الارضي بسرعة ، محركة رأسها يسرة ويمنة لتتيقن من ان كل شيء مغلق ، تذكرت باب المنور رأته مظلماً ، تحركت نحو مفتاح الضوء ، انارت المنور وتوجهت دون ان تنظر حولها نحو بابه … هناك جمدت في مكانها دون حراك وكأنها تمثال لا روح فيه … ارتعدت اوصالها وجف فمها وبدت وكأنها فقدت شعورها تماماً بما حولها ، لا تسمع الا صوت دقات قلبها …دم ..دم .. دم … في حين عيناها مركزتان على الكائن البشري المرعب ذو الشعرالأشعث واللحية الطويلة والملابس الغريبة القذرة خلف زجاج بوابة المنور، وهو يسعى لكسر الزجاج لان الباب كان مقفلاً …. لم تستطع حتى ان تصرخ وتوقظ اخيها من النوم ، لمحها تحدق به ، صاح بها من خلف الزجاج سنأتي لكي نقتلك عاجلا ام آجلا ً ولا يفيدك قفل الابواب والشبابيك …. استدارت نحوالطابق الثاني عائدة مسرعة الى غرفتها مرعوبة لا تشعر بشيء سوى ببدنها المقشعر من الخوف وصوت اصطكاك اسنانها المختلط بصوت دقات قلبها المضطرب ، كانت تتحرك وكأنها لعبة يحركها آخر بجهاز التحكم من بعيد ..

جلست في فراشها واجمة وكل جسمها يهتز من هول ما رأت ، لكنها تمالكت نفسها عندما تذكرت اخيها وأبنه النائمين في الطابق الارضي لعلهم قتلوهم الآن ياويلي …

نزلت مرة اخرى بسرعة من السلالم بملابس النوم وهي تصيح وتبكي في الظلام ابو علي ابو علي وينكم ؟ الدواعش وصولوا وهم يحتلون الدار وواحد منهم وره باب المنور …

خرج اخوها من غرفة نوم الضيوف متعجباً ومتسائلاً : اشبيج ، صاير شي .. ليش مرعوبة ! اهدئي اختي. ”

نظر الى المنور المظلم المجاور لغرفة نومه ، مد يده واشعل المصابيح ، عم الضياء في كل ارجاء المكان، لم يكن هناك اي احد ..

نظر اليها بهدوء وصعد الى مكانها على السلم ماسكاً بيدها لكي ينزلها قائلاً : “انزلي عزيزتي ، ماكو في المنور اي شخص .”

اجلسها في المطبخ واتى لها بقدح ماء بارد ناولها القدح وهو يمازحها ضاحكاً : “يمعوده المنور داير مدايره حيطان بيتج وبيوت الجيران اي مدگوليلي هذا الداعشي اشلون يوصل للمنور ؟ قابل هو سوبرمان لو وطواط ؟ “.

لم يكن هناك داع ان يكمل ، لأنها أدركت منذ ان خرج من غرفته سالماً ان ما رأته كان كابوس لا غير…

بقلم : نظيرة اسماعيل كريم

السليمانية

19/ 7/ 2019

ملاحظات :

ليش = لماذا

صرت= اصبحت

عبال= كأنه

صاير شي= حدث شيء ما

لازم = يجب

الهم = لهم

وينكم = أين انتم

وره= وراء

اشبيج= ماذا بك

ليش = لماذا ؟

يمعوده = مصطلح عراقي يعني يافلانة للتعجب من قيام الشخص بعمل غير مألوف والله اعلم

المنور داير مدايره حيطان بيتج وبيوت الجيران = المنور محاط من كل جوانبه بجدران بيتك وبيوت الجيران

مدگوليلي= الا تقولين لي

اشلون يوصل = كيف يصل

قابل هو = هل هو ؟

تعليق 1
  1. avatar
    فرهاد زنگنه يقول

    فعلا تركوا في كل بیت بل في كل شخص كابوسا قبیحا مزعجا .. احسنتي استاذة نظیرة رائعة اخری تتحفینا بها .. سرد جميل ورائع یشد القارئ لیكمل القرائة احسنتي استاذتنا الرائعة ..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع