الرساليّة الكونيّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة/في حضرة الذئاب:للشاعرة سميحة فايز أبو صالح

24

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّةالتعبيريّة

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – العراق – 15/7/2020.

الرساليّة الكونيّة في القصيدة السرديّة التعبيريّة

في حضرة الذئاب – للشاعرة : سميحة فايز أبة صالح – سوريا .

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثرفهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة النثر في الشعر الأوربي هي شيء آخر , وفي الشعرالعربي عندما نقول نتحدث عن قصيدة مقطّعة وهي مجرّد تسمية خاطئة , وأنا أسمّي هذاالشعر الذي أكتبه بالشعر الحرّ , كما كان يكتبه إليوت و أودن وكما كان يكتبه شعراءكثيرون في العالم . واذا كانت تسميتها قصيدة النثر , فأنت تبدي جهلك , لأنّ قصيدةالنثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه , أي قصيدة غير مقطّعة . من هنابدأنا نحن وأستلهمنا فكرة القصيدة / السرديّة التعبيريّة / بالأتكاء على مفهومهندسة قصيدة النثر ومن ثمّ التمرّد والشروع في كتابة قصيدة مغايرة لما يُكتب منضجيج كثير بدعوى قصيدة نثر وهي بريئة كل البراءة من هذا الاّ القليل ممن أوفى لهاحسبما يعتقد / وهي غير قصيدة نثر / وأبدع فيها ايما ابداع وتميّز , ونقصد انّ مايُكتب اليوم انما هو نصّ حرّ بعيد كل البُعد عن قصيدة النثر . انّ القصيدةالسرديّة التعبيريّة تتكون من مفردتي / السرد – التعبير / ويخطيء كثيرا مَن يتصورأنّ السرد الذي نقصده هو السرد الحكائي – القصصي , وأنّ التعبير نقصد به الأنشاءوالتعبير عن الأشياء . انّ السرد الذي نقصده انما هو السرد الممانع للسرد أي انّهالسرد بقصد الأيحاء والرمز والخيال الطاغي واللغة العذبة والأنزياحات اللغويّةالعظيمة وتعمّد الأبهار ولا نقصد منها الحكاية أو الوصف, أما مفهوم التعبيريّةفأنّه مأخوذ من المدرسة التعبيريّة والتي تتحدث عن العواطف والمشاعر المتأججةوالأحاسيس المرهفة , اي التي تتحدث عن الآلآم العظيمة والمشاعر العميقة وما تثيرهالأحداث والأشياء في الذات الأنسانيّة . انّ ما تشترك به القصيدة السرديّةالتعبيريّة وقصيدة النثر هو جعلهما النثر الغاية والوسيلة للوصول الى شعرية عاليةوجديدة . انّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي قصيدة لا تعتمد على العروض والأوزانوالقافية الموحّدة ولا التشطير ووضع الفواصل والنقاط الكثيرة او وضع الفراغات بينالفقرات النصيّة وانّما تسترسل في فقراتها النصيّة المتلاحقة والمتراصة مع بعضهاوكأنّها قطعة نثريّة . أنّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي غيمة حبلى مثقلةبالمشاعر المتأججة والأحاسيس المرهفة ترمي حملها على الأرض الجرّداء فتخضّر الروحدون عناء أو مشقّة .

وسعياً منّا الى ترسيخ مفهوم القصيدةالسرديّة التعبيريّة قمنا بأنشاء موقع الكترونيّ على ( الفيس بوك ) العام 2015,اعلنا فيه عن ولادة هذه القصيدة والتي سرعان ما أنتشرت على مساحة واسعة من أرضناالعربية ثم ما لبثت أنّ انشرت عالمياً في القارات الأخرى وأنبرى لها كتّاب كانواأوفياء لها وأثبتوا جدارتهم في كتابة هذه القصيدة وأكّدوا على أحقيتها في الأنتشاروأنطلاقها الى آفاق بعيدة وعالية . فصدرت مجاميع شعرية تحمل سمات هذه القصيدةالجديدة في أكثر من بلد عربي وكذلك مجاميع شعرية في أميركا والهند وافريقياواميركا اللاتينية وأوربا وصار لها روّاد وعشّاق يدافعون عنها ويتمسّكون بجماليتهاويحافظون على تطويرها .

سنتحدث تباعاً عن تجلّيات هذه اللغة حسبمايُنشر في مجموعة السرد التعبيري – مؤسسة تجديد الأدبيّة – الفرع العربي , ولتكنهذه المقالات ضياء يهتدي به كل مَنْ يريد التحليق بعيدا في سماوات السرديةالتعبيرية .

الرساليّة :

الأدب رسالة انسانيّة , والرساليّة مهمة في الشعر وقدتكون رسالة جماليّة فنيّة أو رسالة اجتماعية , فالرسالة الجمالية الفنية تعنيالغوص في تجربة الشاعر عميقا بينما الرسالية الأجتماعية تعني كل ما يكون خلف النصّمن رسائل وبوح . وتظهر ملامح الرساليّة الأجتماعية بأشكال مختلفة كـ / البوحالتوصيلي /  والبوح الأقصى / والبوحالتعبيري / في القصيدة السرديّة التعبيرية الأفقية . فتتحول اللغة الى كمْ هائل من ألأيحاءات والرموزوالدلالات والعواطف والمشاعر والأحاسيس فتخترق مواطن الشعور والأحساس بالجمال ,لغة مدهشة ذات فنيّة عالية واضحة , لغة قويّة مبهرة تمسّ القلب والشعور , فتتحول المفردات الى نزف مستمربالتاوّهات والدموع والصراخ والصمت والمآسي والبؤس والعطش والهزيمة .

أنّ قصيدة الشاعرة / سميحة فايز ابو صالح/ تبدو للوهلة الأولى قصيدة عاديّة تعبّر عن حالة أنسانيّة ذاتيّة عاشتهاوتعيشها الشاعرة , لكن مفردة واحدة قلبت كيان هذه القصيدة وجعلتها قصيدة كونيّة عظيمة, هذه المفردة صنعت فضاءات واسعة من الرؤى والدلالات لدى المتلقي الأبداعي ,المتلقي الذي يقرأ بروح الشاعر ويشاركه محنته وعذاباته , هذه المفردة أرتقت كثيراًبهذه القصيدة , وعبّرت عن محنة أنسانية , وأبتعدت كثيراً عن الذاتيّة , وعبّرتبصدق عن واقع هشّ , وعن حيرة أنسانيّة وسط هذا الأضطراب والتشظّي . نعم وجود مفردة/ يا أخي / في هذا الموقع من القصيدة بعد عنوانها المثير للقلق والخوفوالفجيعة / في حضرة الذئاب / , وبين متن القصيدة جعلها حلقة مهمة أضافةللقصيدة قوّة وتماسكاً وحركيّة تستمر داخل القصيدة , وجذوة لا تنطفىء متقدّة لايخبو أوراها , كذلك منحتها صبغة أنسانيّة كونيّة , ومشهداً شعريّاً يحتكّ بهذاالواقع , ويصور محنة الأنسان وسط هذه الاحداث الكونيّة المتسارعة , لقد جاءتالقصيدة محمّلة بالهمّ الأنساني , وتقطّر وجعاً كونيّا .  لقد أستطاعت الشاعرة من خلال هذا النداء ومخاطبةالذات الأخرى / اخي / التي تعني الأخوة الأنسانيّة بكل معانيها ومفاهيمهاودلالاتها ورمزيتها , الأخ الأقرب داخل الأسرة , والأخ القريب داخل الوطن , والأخالبعيد في هذا العالم الشاسع , أنّه خطاب أمرأة منكوبة ترقص مذبوحة على وجعهاوغربتها وسط هذا العالم , / ثمة موقف يؤجّج النسيان بجذوريالمثقلة / وسط هذه المحرقةالكونيّة تقف مذهولة تبحث عن بصيص نسيان تستغيث به علّه يبعث في روحها القلقة بعضالسكينة والأطمئنان , أزفّ محرقة النسيان برحم الجريمة وأقتنصرصاصة الوجع ودبيبالهزيمة / أنّه صوتالأنسانيّة المحطّمة والمكسورة الجناح , الأنسانيّة التي أغتالتها رصاصات الجريمةالبشعة فأستسلمت لهزيمتها , / لا جدوى فالريح تعوي في باطن المشهد وترقص الأنفاس خواءالعدم / هذه الريحالمسعورة شيّأة الذات الأنسانية واحالتها إلى حالة العدم والتلاشي والضياع , / ذاكرةحيّة لا تفنى يتوهجالموقف المتلاشي للحضور ويتصاعدكدخان منذراع اللهب / لكنتبقى الذات الشاعرة حيّة رغم كلّ هذا الضياع والوجع والتلاشي وسط هذا اللهبالمستعر , / أخطو أقدام الجمر  روحي  أتعفنبشريان المطاردة / هكذا حتى الخطوات عبارة عن جمر يتأجج فيروح توّاقة للسلام بينما الروح تتعفن وسط هذا الأضطراب والهزيمة , / وتفاصيليالذاوية تلتهمأوراق هشيمدهشتي علىشاطىء الأجوبة / وسطهذا المشهد الكونيّ المفزع تقف الشاعرة تتملّكها دهشة عظيمة لما يحدث في هذاالعالم ولا تجد أجوبة تطمئن لها لما حدث ويحدث , / لجسدفي غربة روح ونياطقلبي ممزّقة فأغضّالبصر بزحمة الكابوس رعباًمن السقوط برحىالحاضر وغبارالطين / وهنا نجد الحضورالمكاني – الزماني والتمزّق والرعب والسقوط في هذا الكابوس المزدحم بالغبار ,كابوس الحاضر , أنّها الروح الغريبة واللامنتمية لهذا الزمان والمكان , فحينماأستخدمت الشاعرة / ونياط قلبي ممزّقة / دلّلت على ما تعانيه من وجع أنسانيّ تعيشه يوميّا , وجع مزّق حتىنياط القلب , وهذا دليل على عمق محنتها ووجعها الفضيع . / بحفنةالرياح تتشذّرمخالب التيهبرحم الزمن يتثقّبُبأوصالي يخلعرداء السكينة وأرقصحافية القوافي فقداختلّ النص فيحضرة الذئاب / هكذاتنهي الشاعرة قصيدتها وقد اختلت كلّ الموازين وتكالبت الذئاب تنهش مخالبها بأوصالها. لقد بدأت القصيدة برقصة وانتهت برقصة أخرى , رقصة وسط محرقة كونيّة كانت الشاعرةالشاهد عليها وعلى فضاعة هذه الجريمة .

أنّ القصيدة جاءت على شكل بناء جمليّ متواصل رائع ومتماسك , لقد جاءتهذه القصيدة كقصيدة سرديّة تعبيريّة نموذجيّة توهّجت مشاهدها كثيراً فمنحتنا هذهالدهشة .

وعودة على بدأ , فعلى الشاعر أن يكون حذراً وذكيّا في صناعة قصيدته ,فربما مفردة واحدة تقلب كيان القصيدة وتجعلها ترتقي إلى القصائد العالميّة , فلولامفردة / أخي / لكانت القصيدة قصيدة ذاتيّة عاديّة , هذه المفردة هي التيجعلتني أقف عندها طويلاً  وأعيد قراءتهاكثيراً , على الشاعر أن يكون مونتيراً حاذقاً في أختيارته للمفردات ولصناعة المشهدالشعري , ويبقى لتواصل الشاعر مع المحيط الذي هو فيه الدور الكبير والمهم فيموضوعاته الشعرية وتجربته , بعد ان يمتلك مخزوناً فكريّأ وتجربة أنسانيّة , متّكأًعلى تجاربه القراءاته وسعة اطلاعاته على التحارب الأخرى و حتى يرتقي بكتاباتهالأبداعية .

القصيدة :

في حضرة الذئاب
يا اخي !!! .

أرقص حافيةالقافية ثمة موقف يؤجّج النسيان بجذوريالمثقلة أزفّ محرقة النسيان برحمالجريمة وأقتنصرصاصة الوجع ودبيبالهزيمة لاجدوى فالريح تعوي في باطن المشهد وترقصالأنفاس خواءالعدم ذاكرةحيّة لا تفنى يتوهجالموقف المتلاشي للحضور ويتصاعدكدخان منذراع اللهب أخطو أقدامالجمر  روحي  أتعفنبشريان المطاردة وتفاصيلي الذاوية تلتهم أوراق هشيمدهشتي علىشاطىء الأجوبة لجسدفي غربة روح ونياطقلبي ممزّقة فأغضّالبصر بزحمة الكابوس رعباًمن السقوط برحىالحاضر وغبارالطين بحفنة الرياح تتشذّرمخالب التيهبرحم الزمن يتثقّبُبأوصالي يخلعرداء السكينة وأرقصحافية القوافي فقداختلّ النص فيحضرة الذئاب .

سميحه فايز ابو صالح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع