الرسالة الثالثة والخمسون / يا ليتكِ كنت معنا

38
الرسالة الثالثة والخمسون
يا ليتكِ كنت معنا
فراس حج محمد/ فلسطين

الأحد: 6/6/2021
صباحك السعد ومساؤك الفرح البهيّ، أما بعد:
“وجوه يومئذٍ مسفرة، ضاحكة مستبشرة”، هكذا كنا في الأمسية الشعرية الزومية الليلة الفائتة، كلنا كنا ضاحكين ومبتسمين، حتى تلك الشاعرة المنقبة كنت أرى ابتسامتها هي أيضاً من وراء حجاب. لقد أحزنني أنك لم تحضري الأمسية، ولو من بعيد البعيد، أعرف أن لك مشاغل تجعلك أبعد ما يكون عن مثل هذه الأنشطة، لكنني كنت طماعاً ومشتاقا لحضورك.
كانت ساعة من زمن، ربما زادت قليل دقائق لا أكثر، كان الجميع باسمين مستبشرين، وكيف لا يستبشرون وقد جاءوا محتفلين ومغنين ومنشدين لغزة أبهى قصائدهم؟
ما لفت انتباهي في كل قصائد هذه الليلة أنها كانت قصائد كالوجوه المستبشرة، قصائد فيها الأمل والروح العالية، يكاد يضحك الإيقاع فيها، وتبتسم الصورة والجملة الشعرية، وتركز على الجانب الإنساني من الحرب. صحيح أنها جولة، ولم تنته المعركة، ولكن، كما قيل إنها بداية ويبنى عليها.
لقد خفتَ الصوت العالي، فلم نفجّر قنابل ولم نشهر سيوفاً كما كنت أتوقع، هل تغيّر الشعراء الإسلاميون كما تغيرتُ أنا. ربما، فهم يقرؤون ويتأثرون بلا شك.
كنت أخطط أن أقرأ الكثير من القصائد، كنت أريد أن أعود إلى الوراء لأقرأ قصيدة كتبتها رثاء للشيح أحمد ياسين، رحمه الله، فالمؤسسون لهم الفضل الأول في كل شيء. وأعددت مع قصيدة “الشيخ ياسين” قصائد متعددة من ديوان “مزاج غزة العاصف”، هذا الديوان الذي كتبته أيام حرب عام 2014.
لقد كتبت في هذه الحرب ثلاثة نصوص، شعرت أنها لا تناسب أمسية شعرية كهذه توقعت أن يكون لهذه الأمسية شكل مختلف وإيقاع ناريّ حربجيّ. فعدت من أجل ذلك إلى قراءة ما كتبته عن تلك الحرب في الديوان، وإذا به كأنه يتحدث عن هذه الحرب، فالحرب هي الحرب، مآسيها وويلاتها هي هي، حتى القاموس اللغوي المستخدم إعلاميا وثقافيا هو هو يدور في فلك الحرب ومفرداتها والقتل والدمار والآليات العسكرية بمقابل قاموس فلسطيني عربي إسلامي فيه الثبات والمقاومة والشهادة والشهيد والجريح والبيت المهدوم والطفلة المغتالة والأحلام المهدورة. ناهيك عن مفردات الخطاب السياسي لسياسيين يمارسون البلادة وهم ينظر إلينا ونحن نموت يومياً.
لكل ذلك، يا عزيزتي، قررت أن أقرأ من هذا الديوان وأعددت منه خمس قصائد، ولكنني تفاجأت أن المنظمين قد خصصوا فقط “خمس دقائق” لكل شاعر. يا للإحباط! خمس دقائق، على أي حال وكما قال سيدنا يوسف “فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم”. ماذا سيقول الشاعر في خمس دقائق؟ لم أشأ أن أنسحب ولم أفكر بالانسحاب أصلا، لأن مشاركتي في هذه الأمسية يعني لي الشيء الكثير، فألقيت قصيدة “هل رأيت الله؟” هذه القصيدة التي أحبها جدا. إنها لا تبحث في الحرب بقدر ما تبحث في سؤال الحرب، قبل الحرب وأثناءها وبعدها. هذه هي المرة الثانية التي ألقي هذه القصيدة في أمسية شعرية. وأنا في العادة لا أكرر القصائد، فلا أعود لأي قصيدة ألقيتها في أمسية شعرية لألقيها في أمسية أخرى.
لعلك لم تقرئي الديوان يا عزيزتي، وحتى لا أضعك تحت مغبة الشغف والطلب لقراءتها، فستكون مع هذه الرسالة في آخرها. أرجو أن تعجبك، وأن أقرأ لك رسالة حولها، لكن دون أن تتحولي إلى ناقدة، فأنا أشد ما أكره أن تتحول الحبيبة إلى ناقدة. أحبك متذوقة شعري كما تتذوقين القبل، وتستمتعين بالقراءة كاستمتاعك بممارسة الحب في سرير شهوتنا العارمة.
عزيزتي وغاليتي، أرجو أن يأتي يوم ألقي الشعر بين يديك في أي ظرف كان، سواء ونحن معاً في لقاء ما أو حضورا في أمسية شعرية، فأنا أحب أن ألقي الشعر وأنا أنظر إليك، قارئا ملامح وجهك وابتسامتك التي تعطيني النشوة في الشعر والحب والحياة.
أحبك ملهمة لأشعاري، وقارئة لها. وأحبك أكثر وأنت كل جمهوري الذي يستمع إليّ في نشوة وشهوة وجمال.
أترك لك القصيدة بين يديك، متمنيا أن أطبع قبلة على شفتيك فرحاً بهذا الحب الذي يسعدني.
===========
هلْ رأيتَ الله؟!
هل رأيتَ اللهَ يوما هل رأيتَ اللهْ؟
هل رأيت اللهَ لما أسمعَ الأشجارَ صوتَ الآهْ؟
هل رأيت اللهَ لما اللحم مشويُّ الشفاهْ
وتاه عنا في محاجرنا شذاهْ؟
هل رأيت اللهَ لما أشبع الموتى النداءَ
على عطاءِ الطائراتِ
هناك تستجدي الطغاةْ؟
هل رأيتَ اللهَ لما هاجت الريحُ الغضوبةُ
في مداهْ؟
هل رأيت اللهَ فيهم
عندما قتلوا بنا أصلَ الحياةْ؟
هل رأيتَ الله يوما؟ هل رأيتَ اللهْ؟

لستَ محتاجا لرأيِ العينِ
وانظر كي ترى ما لا تراهْ
وانظر تراهم في الجبالِ
وفي السهولِ
وفي البقاعِ
وفي الحلوى
وفي السلوى
وفي قُنِّ الدجاجِ
وفي مناشير الجُناةْ

لستَ مُحتاجا لكي تقرأْ…
سطورا ههنا أو ههناكْ
فلست محتاجا لكل أسطولٍ سواكْ
ولست محتاجا لطيرٍ
فَخّ في خيطُ الشباكْ
لست محتاجا سوى للبيتِ
يحمي رأسك المصلوب في الأفكارِ
من حمم الهلاكْ
واقرأ مَواتكَ جيدا قد تاهَ عنك الآنَ
ما قد تاهْ
فهل رأيت اللهَ يوما
كي تصدق أنه اللهُ الإلهْ؟
كنْ ما تشاءْ..
لكن لا تَفَتَّت في السّفاهْ!
فالله قبل الحربِ..
بعد الحربِ…
عند الحربِ موجودٌ
ووحدك لا تراهْ
فغدوت مسحورا
وتبحث في النجاةِ عن النجاةِ
من الجُناةْ
فلو رأيت الله قبل الحرب
لم تكذب رؤاهْ
ولو رأيت الله عند الحرب
ما عملتْ يداهْ
ولو رأيت الله بعد الحربِ
إذ شعت ضياه
لكتبتَ إيمان المشاهد واليقينْ
بأنك قد رأيت اللهَ
في الموتى
وفي الغرقى
وفي الأطفالِ
وفي جنود الشاحناتِ
وفي عناق الطائراتِ
وفي جنون البارجاتْ
لا تصدق غير رؤياكَ
ورؤيا ما تراهْ
فهاتيكم هُمُ الموتى
فصدّقْ ما يقولُ اللهْ
وافتح القلب المكسَّر
كي ترى فيه الإلهْ
فإنك إن لم ترَ اللهَ هُنا
فإنك لا تراهُ ولن تراهْ
أبداً فإنك لا تراهْ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع