الذّكاء الاصطناعي في مواجهة مصير الإنسان!

187

لقد لاحظ هنري يرغسون من مثال الفأس الحجري المنْتَصِب في “متحف
اللُّوفر” أنّ الإنسان الصّانع Homo faber سَبِق الإنسان العاقل Homo sapiens،
خلال تاريخ بدايات ظهوره وبوادر انفصاله وتميّزه عن الحيوان، ذلك لأنّ الحاجة
الحيويّة والملحَّة لضمان البقاء، هي التي دفعته إلى تطوّر ذكائه العَمَلي
واستخدامه لِصُنْعِ وسائله المرَكَّبة من بعض المواد الطّبيعيّة الموجودة في
محيطه. ورغم بساطة تركيب هذا المصنوع عند الإنسان الحجري القديم، فإنّه مثّل
همزة تحوّل نوعيّة فَصَلَتْه عن المصاف الحيوانيّ ومكّنته من بناء أُولَى
مَلَامِحِ الحضارة الإنسانيّة الّتي لم تَكْتَفِ بالانْصِيَاع إلى الغريزة
المحْضَة بل طوّرتها لتَبْلُغ بها درجة من الذّكاء العملي الذي مَنَحَ للإنسان
أُولى خصائص إنسانيّته وهي القُدْرة على استخدام ذكائه باختيار المواد
الطّبيعيّة التي تخدم الهدف المتَصَوَّر وتحويلها إلى أدوات بها يُسَيْطر على
الطّبيعة ذاتها. فاختياره لحجر ” الصُّو*ّا*ن أو الكوارتز” مثلا هو دليل على
معرفته القَبْليّة للغاية المرْجوّة من المصنوع والهدف منه وهذا دليل على
بداية تفوّق ذكائه، واختياره عصا صلبة وربط العصا بالحجر برِبَاطٍ من
الطّبيعة، وهو ما يؤكّد مرّة أخرى قُدرة الإنسان على التّأليف بين عناصر عدّة
يصنع منها وسيلة معقّدة نوعا ما قابلة للاستعمال تُحَقّق غايات معيّنة مرسومة
في الذّهن، وما يُميّز أيضا السّلوك الحضاريّ العمليّ والهادف للإنسان الذي
يبدو غائبا كلّيّة لدى الحيوان. لذلك يمكن الإقرار منذ البدء أنّ الذّكاء
العملي للإنسان، وليس الذّكاء الغريزيّ المتواجد أصلا لدى الحيوان، هو الذي
رسم أولى الصّفات الإنسانيّة وأيضا أولى الملامح الحضاريّة لديه. فانفصال
اليدين عن الرجلين وتمكّن الإنسان من الاستقامة مع توفّر مستوى من الذّكاء
والحاجة الملحّة والضّروريّة للبقاء وسط محيط طبيعيّ لا يَرْحَم أفرزت لنا
كائنا إنسانيّا حضاريّا قابلا للتّطوّر. وبالفعل لم يتوقّف الذّكاء الإنساني
على مجرّد إشباع الحاجات الحيويّة فحسب، رغم بقاءها زمنا طويلا المطْلب
الأوّل، بل تطوّر بتطوّر حاجات الإنسان وتكاثره واتساع محيطه وأمسى بعد آلاف
السّنين من تطوّره بحاجة أيضا لفهم محيطه والاستفسار عن ألغازه وتفسير غموضه
والبحث عن أجوبة لأسئلة مثل لماذا؟ وكيف؟ … فسجّل الإنسان بذلك ولادة جديدة
سَتَسِم حالته الجديدة بِمَيْسَمٍ متميّزٍ وهو حالة الإنسان العاقل Homo
sapiensالتي ستُعبّر بحق عن ضرب من الذّكاء النّظريّ الذي سيَفْصِل نهائيّا
الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى. فإن كان الحيوان يشترك مع الإنسان بدرجات
متفاوتة في مستوى الذّكاء “الطّبيعيّ” فإنّ الذّكاء النّظريّ يبقى الخاصيّة
الإنسانيّة بامتياز. ويتحدّد بقدرة الإنسان على تجاوز الواقع الحسّيّ لكي
يعبّر عنه برموز أو صُوَرٍ فكريّة أو مفاهيم…إلخ، وتكون اللّغة هنا الأداة
المركزيّة لهذا التّعبير وإن كانت ليست الوحيدة، فالإنسان قبل أن يكون كائنًا
لغويًّا هو كائنٌ رامزٌ أي قادرٌ على أن يُحوّل الظّواهر الطّبيعيّة المحسوسة
وأيضا حاجاته إلى مجموعة من الرّموز الشّكليّة كالصّور والرّسوم
والإيقاعات…إلخ يُعبّر بها عن تلك الظّواهر أو الحاجات فيحقّق ضربا من
التّواصل مع محيطه ومع بني جنسه. إنّ هذه الرّموز والصّور والرّسوم وغيرها هي
في الأخير من إنتاجات الذّكاء الإنساني. فكلّ ما أنجزه الإنسان وابتدعه من
رموز أسطوريّة وتعابير فنيّة وتعاليم دينيّة وإنتاجات فكريّة وأدبيّة
واكتشافات علميّة إنّما تعود في الأخير إلى هذه القّدرة العجيبة وإلى هذا
الذّكاء الفائق الذي مكّن الإنسان من قراءة ما يُشَاهِدُه من ظواهر طبيعيّة
وغيرها … وتفسيرها بما لا يُشَاهِدُه، فبهذه التّعابير الرّمزيّة وبهذه
المنْظُومات الفكريّة النَّظَريّة المجرّدة عن كلِّ محسوسٍ، بلغ الإنسان مستوى
عال من الخيال الفنّي والأدبيّ والعلميّ… إلخ ولا نقصد بهذا التّمييز بين
الذّكاء العَمَلِي والذّكاء النّظريّ الفصْل النّهائي بينهما أو التّفريق
المطْلق بين الحالتين كما حدث في مرحلة الفلسفة الإغريقيّة، وما قبل تلك
الفترة حين سبق العمليُّ النّظريَّ في مرحلة من مراحل تطوُّر الإنسان عبر
التّاريخ، بل إنَّنا  نُؤَكِّد اليوم على خلاف ذلك، في عصر العلم والتّقنيّة،
أنّ الإنسان يستخدم ذكاءه عمليّا ونظريّا في آن واحد بل يمكن الجَزْم أيضا أنّ
جميع العلوم والتّقنيات الإنسانيّة المعاصرة هي نَتَاج هذا التّفاعل
التّلازميّ بين البعد النّظريّ والبعد العمليّ معا. وأفضل دليل على ذلك ما حدث
ويحدث دوما من تَطَوُّر خلاّق وإبداعيّ وثوريّ بامتياز في ميادين العُلوم
المختلفة نتيجة هذا التّفاعل بين التّقدّم في مستوى العُلوم النّظريّة
المختلفة وما يلازمها من تطوّر في مستوى التّقنيات والتّكنولوجيّات المعاصرة
والعكس صحيح، ولولا هذه القُدْرة الإنسانيّة في استغلال طاقات ذكائه النّظريّ
والتّطبيقيّ معا وتوظيفها لخدمة الإنسانيّة في جميع مجالات الإنسان وحلّ معظم
مشاكله لماَ قَفَزَ الإنسان إلى قمم التّقدّم والتّطوّر الذين كدنا نبلغ
أوجهما في هذا العصر.

إنّ ما قدّمه الإنسان من مُسَاهَمَات هامّة واكتشافات صَادِمَة في ميادين
علميّة مختلفة يدفعنا إلى التّساؤل بإلحاح عن مصير الإنسان أمام هذا الزُّخم
العلميّ والتّقنيّ والتّكنولوجيّ؟ فلا يَخْفَى أنَّ العُلوم المخْتَلِفة
النّظريّة منها والتّطبيقيّة  قد حقّقت تقدّما عملاقا وقدّمت للإنسان كثيرا من
الخدمات لا يُستهان بها ووفّرت له نِسَبَ مرتفعة من الصّحّة الجسديّة والرّفاه
الاجتماعي ويُسْرِ العيش وسهولة تحقيق مقتضيات الحياة، لكنّ من جهة أخرى،
نُجانب الصّواب حين نَتَغَافَل عمّا أَثَارَتْهُ هذه العلوم من إشكالات
وأفْرَزَتْهُ من مخاطرَ ليس فقط على مستوى المعيش الإنسانيّ بل على مستوى
الذّات الإنسانيّة بما هي ذات مُفَكِّرَة ومُنْتِجَه ومُبْدِعَة  فتَبَعْثَرَت
القيم وتأزّمت، فتأكّدت في هذا العصر مخاوف “سيغمون فرويد” حين أعلن في بداية
القرن الماضي أنّ الإنسان “بالعلم والتّقنية يُسَاهِم في تدْمير ذاته”.

ولا يخفى أن هذا التّخوّف بلغ أقصاه مع اكتشاف “الذكاء الاصْطِنَاعي
L`intelligence
Artificielle ” الذي هو من أبرز إبداعات الذّكاء الإنساني، ولكن لِنَتَسَاءَل:
ألا يكون أيضا من أهمّ عوامل تدمير الإنسان؟  ألا تكون السّيادة المنْتَظَرَة
“للرّوبوط أو الإنسان الآلي”، الذي بدأ انتشاره يتوسّع في معظم المجتمعات وبدأ
يتمركز تحكّمه في معظم مجالات “الإنسان”، مؤشّرا خطيرا لانْدِثَار السّيادة
البشريّة على العالم وإعلانا فعليّا “لموت الإنسان” كما صرخ “باشلار” في
النّصف الثّاني من القرن الماضي؟

ارتبط مُصْطَلَح الذّكاء الاصطناعي بالعالم الأمريكي John McCarthy جون
ماكارثي 1927-2011 وتعود إليه نشأة علم الذّكاء الاصطناعي الذي هو فرع من علم
الحاسوب.  وقد صاغ هذا المصطلح سنة 1956 وعرّفه بأنّه:” علم وهندسة صُنْع
الآلات الذّكيّة” وكان هدف العالم من هذا العلم هو كيف يمكن جعل الماكينات
تفكّر مثلنا. فالذّكاء الاصطناعي إذن في تعريف أوّليّ له هو “سلوك وخصائص
معيّنة تتّسم بها البرامج الحاسوبيّة تجعلها تُحَاكي القُدرات الذّهنيّة
البشريّة وأنماط عملها”، بحيث كان المنْطَلَق في صناعة هذه الآلات هو فرضيّة
أن ملكة الذّكاء الإنساني يمكن وصفها بدقّة بدرجة تُمَكِّن الآلة من محاكاتها
ولنأخذ لذلك مثال الآلة الحاسبة CALCULATRICE  التي تُعتبر الجَدُّ الأول
للحاسوب، فأوّل من قام باختراعها هو الأمريكي وليام ستيوارد بوروز سنة 1885
وشغّلها على النّظام  الهيدروليكي، وقد تطوَّرت على يد كلّ من “بيليز بسكال”
الفرنسي و “ثيوفل ويلجودت اودنر” الرّوسي الذي اخترع الآلة الحاسبة
الميكانيكيّة  سنة 1873ثمّ تطورت إلى آلة الكترونيّة على يد العالم الأمريكي ”
روبرت بيلهام ” سنة 1913بحيث احتوت على نظام عمل أكثر تعقيدا لكي تفتح المجال
فيما بعد إلى الآلات الحاسبة العلميّة المعقّدة جدّا في برمجيَّاتها والتي
تشمل مجموعة هامّة من التّحويلات المتطوّرة والإحصاءات والعمليّات الرّياضيّة
والهندسيّة والجبريّة التي تقوم بها في أسرع وقت ممكن وبدقّة فائقة. إن ّ هذه
الأجهزة على اختلاف أنواعها وبرمجياتها هي تعبير صريح لأجهزة ذكيّة اصطناعيّا
تُعْتَبَر امتدادا للذّكاء الإنسانيّ لكنّها تَفُوقُه في القُدُرات وفي
السُّرعة وفي تفادي أدْنى إمكانات الخطأ. فصحيح أنّ هذه الآلات هي من صنع
الإنسان لكنّها ما فتأت أن أخذت مكانه بسرعة وسلبت منه مكانته وفضحت عجزه على
القيام، بالاعتماد على إمكاناته الطّبيعيّة الخاصّة، بعمليّات حسابيّة أو
جبريّة أو هندسيّة أو في مجال الإحصاء وغيرها من المجالات الأخرى الأكثر
تعقيدا بأقلّ جهد ممكن وبسرعة مُذهلة وبدقّة فائقة. فتربّعت الأجهزة
الإلكترونيّة مَمْلَكَةَ الإنسان واستحوذت على قدراته وكسبت رِهَان أنّ “الآلة
الذّكيّة” أو إن شِئْنَا الذّكاء الاصطناعي هو مُسْتَقْبَلُ الإنسان وازدهاره.
وبالفعل بَيَّنَت الاكتشافات العلميّة الحديثة مدى نجاعة الأجهزة الذّكيّة
فيما تُقدّمه من خدمات لا تُحْصى ولا تُعدّ للإنسان سواء على مستوى الأفراد أو
المجتمعات أو الدُّوَل والنُّظم. وإن كانت العُصُور تُوصف بما حدث فيها من
اكتشافات غيّرت وجه العالم، كالعصر الحجري والبخاري والميكانيكي فإنّ عصرنا
تَمَيَّز بسيادة  التّكنولوجيّات الرّقميّة ذات التّسْيِير الذّاتيّ  Siècle
de l’informatique et de l’Automatisme  وبالفعل لم تكتف الثّورة
التّكنولوجيّة بإرساء الذّكاء الاصطناعي محلّ الذّكاء البشري حين اكتشفنا
وطوَّرنا من آلاتنا الحاسبة بل طوّرت أيضا من أجهزة الحاسوب والهواتف الذّكيّة
سواء في مستوى قوّة معدّاتها الماديّة الفيزيائيّة Hardأو في مستوى نُظُمها
وبرمجياتها الذّكيّة وتطبيقاتهاSoft الأمر الذي مكّننا من صناعة الإنسان الآلي
أو “الروبوتRobot” المستقلّ بذاته والقادر على القيام بمُعْظم السّلوك
والأعمال والأفعال التي تُساوي الجهد الإنساني وتفوقه في معظم الأحوال خاصّة
في مجال الإنتاج والأعمال والخبرات، فاحتل الإنسان الآلي مكان الإنسان
الطّبيعيّ كما احتل في الماضي القريب الذّكاء الاصطناعي الذّكاء الطّبيعيّ.

إنّ هذا التّحوّل النّوعيّ السّريع والمذهل، في الشّأن الإنساني
يَضْطّرُّنا إلى تأكيد بعض المفارقات الكُبْرى التي وقعت فيها الإنسانيّة.
الفارقة الأولى، إن الإنسان حين تمكّن من اكتشاف آلات ذكيّة حقّق لنفسه لحظة
النّشوة بالاكتشاف لكن في ذات الوقت أوقعته في حالة خَجَلٍ كشفت له محدوديّة
ذكائه الطّبيعيّ العمليّ والنّظريّ معا إذ ما يَقْدِرُ عليه الذّكاء
الاصطناعيّ يعجز أمامه الذّكاء الإنساني. فالإنسان باكتشافه للآلات الذّكيّة
فضح قزامته أمامها.

المفارقة الثّانية، تكْمُنُ في أنّ التّقدّم الحاصل في صناعة الرُّوبوتات
خاصّة في المصانع وميادين الإنتاج في الصّناعة والفلاحة وغيرهما وما
تُحَقِّقُه من وفرة في المنتوج وجودة في نوعيّة المنتوج أوقع الإنسان في أزمة
حادّة وهي أزمة وجود وأزمة كيان بفقدانه أرقى قيمة إنسانيّة وهي العمل، إذ لا
يخفى على أحد نِسَبَ البطالة المتفَاقِمَة في العالم أجمع نتيجة اقتحام
“الأَتْمَتَة أو نِظام التّشغيل الآلي” الذي يتطلّب أقلّ قَدَرٍ من الجُهد
البشريّ أو انعدامه في بعض الميادين وانعدام شبه مؤكّد في المستقبل القريب.
فالإنسان بِصُنْعِه لشَبِيهِهِ وافتخاره بهذا الصّنع تنكّر لجوهره ونفى ذاته
كإنسان عامل ومُنْتج.

لا أحد ينكر اليوم مدى إيجابيّة الخدمات التي تُقدّمها الثّورة
التّكنولوجيّة والإعلاميّة للبشريّة جمعاء، فالرّابط الإعلاميّ والتّكنولوجيّ
اليوم الذي تُوِفِّره بسهولة الأجهزة الإلكترونية ضَيَّقّتْ من مساحة العالم
وقرّبت الناس بعضهم لبعض واختصرت المسافات وأصبح الكلّ يخاطب الكلّ بالصّوت
والصّورة بفضل تطوّر برمجيات “الملْتيميديا” وتنوّع التّطبيقات التي اكتسحت
جلّ مجالات المعيش الإنساني، فنحن لا نستطيع إخفاء نَشْوَتِنَا وسعادتنا من
لقاء افتراضيٍّ لصديق غاب عنّا عقودا من الزّمن على صفحات التّواصل الاجتماعيّ
أو مشاهدة عزيز يَبْعُد عن مرآنا ومسمعنا آلاف الكلومترات في الهنا والآن
ماثلا أمامنا ضاربا بحواجز الزّمان والمكان عرض الحائط… ومن لم يَنْبَهِر
بإمكانيّة قضاء الحاجات وشؤون الحياة عبر مواقع “النّت” دون أن يُحرّك ساكنا
ودون مكابدة مشَقَّة التَّنقّل وضياع الوقت، ومن منّا لا ينعم بمعرفة ما يحدث
في العالم من أحداث وما يطرأ من أخبار بمجرّد نَقْرة على جهاز الكمبيوتر أو
الهاتف الذّكيّ… إن كلّ هذه المزايا وتِعْدَادُها لا ينتهي، مشروطة بنشاط
متواصل في مجال الابداعات الإعلاميّة والتّكنولوجيّة  المرتكزة أساسا على
سلسلة من البرمجيّات وبنوك تخزينٍ للمعطيات وللبيانات تديرها بكلّ دقّة نُظم
وأنساق من الخوارزميات التي لا نشعر بها ولا نراها نحن المستخدمين لهذه
الأجهزة وهنا بالذّات تكمن خطورة أخرى قد نُكابدها نحن “الإنسان العادي” الذي
يلازمه حاسوبُه أو هاتفُه الجوّال كملازمة الظّل للجسم! وهي ما تتمتّع به هذه
الأجهزة من قدرة على التّحكّم في المعطيات والأشخاص والمؤسّسات والأنظمة
والدّول والشّعوب … إنّنا اليوم نحسّ ولو في لحظة زمنيّة معيّنة أنّنا سجاء
هذا النّظام، أنّنا نعيش وهم الحريّة وزيفها، أنّنا نفتقد لأدنى حقوقنا
الإنسانيّة وأهمّها حرّيتنا الشّخصيّة وهنا بالذّات تكمن المفارقة الكبرى
الثّالثة وهي أنَّنا أصبحنا عبيدا لهذه المنظومات المعلوماتيّة والالكترونيّة
وسجناء هذا الفضاء الافتراضيّ، فوقعنا في فخِّ التَّحكّم عن بعد والمراقبة
الدّائمة والتّوجيه المنَضِّم لأفكارنا ورُؤانا ومواقفنا ونمط استهلاكنا
وعيشنا دون أن ندري بمخاطر هذه التّبعيّة بل إنَّنا مازلنا ونحن نُبْحر في عمق
مواقع “النّت” الموجّهة، نتباهى بشعارات الحريّة الشّخصيّة ونفتخر بإعلانات
الحقوق الكونيّة للإنسان!

ماذا أبقت هذه الثّورة التّكنولوجيّة للإنسان بعد أن سَلَبَت منه
قُدُرَاته الذّاتيّة في استعمال ذكائه الطّبيعيّ وقدراته في العمل
والتَّمَوْضِع وأفقدته حقّ التّمتّع بالحريّة؟ تركت له البُعد الانفعاليّ
والوجدانيّ، المعبّر عنهما بالمشاعر والأحاسيس، التي بالإضافة إلى كونها لم
تعد تُحْظى بالمكانة الهامّة في عصر الأداتيّة والمصلحيّة والنّفعيّة فإنّها
بدأت تجلب اهتمام علماء التّكنولوجيا والذّكاء الاصطناعي علّهم يُطوّعون لها
تطبيقات، تُصبح بها خاصّية متمّمة لكمال الإنسان الآلي!

فتحي جوعو

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع