الذات وحضور الذات الأخرى في نصّ الشاعرة الفلسطينية:رحمة عناب(سرمدية الزيتون تنعش القناديل)

185

الذات وحضور الذات الأخرى في نصّ الشاعرة الفلسطينية: رحمة عناب 

((سرمدية الزيتون تنعش القناديل )) ..

بقلم: كريم عبدالله .. بغداد – العراق 6/5/2019 .

يقولميشيل فوكو : ( مشكلتي أن أصنع ذاتي وأن أستدعي الاخرين الى أن يقوموا معي … )).

منذإرتكاب الخطيئة الأولى وافتراق ( آدم وحواء ) بعدما طُردا من الفردوس وهما في بحثدائم مستمر على بعضهما ليكمّلا وجودهما على الأرض , فكلاهما يبقى (- سالباً )وبحاجة ماسّة الى الآخر ليتمّ التعادل يتوحّدا في هيئة واحدة وتصبح النتيجة ( +موجبة ) بحضور الأنسان , ويحاول ان كل يثبت حضوره من خلال الاخر. ويمارس الأنسانمن عن طريق ممارسته للفنون والاداب ان يثبت وجوده في هذا العالم , ففي الكتابةوبالخصوص الشعر ستحاول الذات البوح وتحقيق وجودها . وانّ كتابة قصيدة سرديةتعبيرية من الصعوبة تحقيق غاياتها وجماليتها وهندستها ما لم تمتلك هذه الذات المعرفةالعميقة بطريقة كتابتها والوفاء لها والأمتثال لشروطها . من خلال متابعتنا لكتاباتالشاعرة : رحمة عناب نتلمس الموهبة المتقدة والفطرة المشبعة بالمعرفة , وكأنّي بهاحين ممارستها للكتابة ’ أنّ المفردات تتراكض أمامها بينما هي تلتقط أنصعها إشراقاًفتغمسها في بئر كينونتها لتحمّلها كلّ مواجع الروح والهيام , وتعلّقها على شغافالقلب تتلمظ نبضاته لا تعرف الهدوء والسكينة تتعايش معها بسلام , لن تخذلها هذهالمفردات ولم تتخلَّ عنها , تنام الى جنبها مطمئنة لغوايتها المتجدّدة تمنحهاقيادتها , تُسرع بها في الزمان المطلق بلا حدود , فضاؤها مكان شاسع العجائب , لنتعتريها شيخوخة او كهولة , كالنهر تؤمن بديمومة التغيير , لا تتعكّز على المباشرةولا على الخيال المبالغ فيه , تحاول دائما أن تبذل جهدها في جعل الشعر الكثيرينبعث من خلال النثر الكثير , وتكون نصوصها مشحونة بالعاطفة والمشاعر القويّةوالوجدانية النقيّة . واليوم سنتناول قراءة نصّها المعنون : (سرمدية الزيتونتنعش القناديل ) ونحاول السياحة تحت قناديلها المتوهّجة . يبقى دائما العنوانهو الباب الرئيسي والذي من خلاله نستطيع الدخول الى عالم الشاعر , فهو مهم جداكونه يلخّص ما يريده الشاعر وكانّه يختزل النصّ في العنوان . فالعنوان هنا فيه منالدلالات والإيحاء ما يجعل المتلقي يتساءل عمّا أرادت الشاعرة ان تقوله من خلالعنوانها هذا . للوهلة الاولى نجد التناص القرآني حاضرا من خلال مفردة ( الزيتون/ القناديل – في الآية المباركة .. زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ..) , وكانّ لا وجود للذات الاخرى – القناديل الاّ بوجود الذات الشاعرة – زيتونة, وهذا يعني بأنّ الذات الشاعرة لا وجود لها الاّ اذا تجلّى حضورها وآثارها فيالذات الاخرى , وقد يوحي لنا ايضا تداخل الأزمنة فيما بينها من خلال مفردة /سرمديّة – الزمن المطلق مع الزمن الآنيّ من خلال مفردة الفعل / تُنعش – الفعلالمضارع , في حالة من التماهي والتوحّد وكأنّ لا زمن الاّ بوجود الزمن الاخر , وقديوحي لنا العنوان ايضا من خلال مفردة / الزيتون – وتعني الحياة والنمو والحركة ,ومفردة / القناديل – التي تعني – الموت والانطفاء والظلام , وكذلك نلاحظ القصديةفي تقديم الزمن المطلق وطغيانه على الزمن الحالي , وكأن الشاعرة ارادت ان تقول لنابأنّ المرأة هي أصل الحياة فلا حياة الا من خلالها , فهو الوجود المستمر النابضبالحيوية والديمومة . انّ الذات الشاعرة هنا استطاعت ان تحلّق في مديات بعيدة وانتتحرر من قيود الزمان والمكان في هذا بوح أقصى تجّلت فيه مقدرتها على صياغة لغةخاصة بها , وان تعبّر عن ذاتيتها أصدق تعبير كون لغتها هذه هي الملاذ الذي تلوذ بهمن واقع تحاول الخروج من دائرته والانفلات بعيدا . يبدأ النصّ بهذا السؤال التعجبيالمقلق .. / الى متى سيبقى الليل حالما بالاحلام .. ! / .. لوتساءلنا مع انفسنا عن معنى هذا المقطع وحاولنا قراءته بطريقة اخرى , فقد يوحي لناعن حالة الأحتياج والأنتظار والترقب واللهفة عند الذات الآخرى , حيث ترمز مفردة /الليل – المذكر – الى الذات الأخرى كما قلنا المقيّدة بسلاسل الظلام وقيود الواقعوقسوة الحياة , بينما ترمز مفردة / الأحلام – المؤنثة – الى الذات الشاعرة بكل ماتعني من الرقّة والعذوبة والشفافية والجمال والأنوثة , لقد أرادت الذات الشاعرة انتشكي حال الذات الآخرى وتتساءل / الى متى / وكيف / ستبقى تدور في فلك الظلام تبحثعن النور والحياة بلغة تتجلّى فيها الصوفية من خلال مفردتي / الليل / الحلم / وهمامن الأوقات المحببة لدى الصوفية .  في هذاالمقطع الطويل .. / على هدبنا يتهجد السهد نبحث عن ظلّينا شريدَين على المرايا الحائرة كريشتين ببطء تصعدان  تذوبان في ريح هائجة توأمان انجبتهما خرافة اللقاءات  نجوس المواقيت على صهوة التمنيالاغرّ ../ .. نجد بوضوح حالة التوحّدوالتماهي ما بين الذات الشاعرة والذات الأخرى عن طريق الضمائر المتصلة والذي يوحيلنا عمق الأنصهار فيما بينهما الى حدّ الظهور والتجلّي كـ ذات واحدة لا فكاك ولاخلاص فيما بينهما ../ هدبنا /  نبحث/ ظلّينا / شريدَين / كريشتين / تصعدان  / تذوبان / توأمان / انجبتهما / نجوس / ..في حالة من الأحتماء والاطمئنان والسكينة , بينما نجد في هذا المقطع ../ خارق يغوص افاقي المبجلة يقرضني هياماً يتمايل فيه الازل ينقر تخوم الغياب العطشى يفتت ليلاً أبكما شاخت فيه العتمة  يزدلفني الى مساءات يعجّها الضوء ../ .. انّ الذات الشاعرة قد تحررت من الذاتالأخرى وعادة منفردة كما الذات الأخرى  عنطريق استخدام الضمائر في المفردات / خارق / يغوص / افاقي / يقرضني / يتمايل / ينقر / يفتت /   يزدلفني ../ .. وهذا كلّه يعطينا مساحة من التأويلوالتأمّل وقراءة الذوات وكيفية التحرك ضمن هذا النسيج الشعري الثرّ . ونجد في هذاالمقطع .. / اتوهج كلما سالت بهجتك في صباحاتي اراكَ فجراً يعانق الشمس على حافة الكون كقنديلٍ ذاوٍ انعشه زيت لاهب تعابثني اطياف مداراتك الشقية ازرعها يقينا صارماً في مواثيقنا القدسيّة  سادرة تنبت في غناءاليمام يحمل ارتال محبة احنت كاهل الانتظار العارم ../ ..هذا الزخم الشعوري العنيف والعذب وهذه اللغة الصوفية المشرقة وانزياحات لغويةعجيبة تتدفق من خلالها رقيقة خصبة رهيفة عميقة . وكذلك يرتفع عاليا في هذا المقطعصوت الذات الشاعرة ويتجلّى بوضوح من خلال مفردات / أتوهج / صباحاتي / أراك /تعابثني / أزرعها / .. وتختتم الشاعرة نصّها المثير بهذه الاثارة واللغةالعالية والبوح العميق في محاولة منها لتحفيز المتلقي وإشغال ذهنه بهذه اللغة اللامألوفةوالمنفتحة على مديات واسعة في لوحة باهرة الصور وتدفق شعري مستمر وتماهي وذوبان فيالذات الاخرى .. / كزيتونة انهكها الحمل انتَ … خرافة الاساطير  حقيقة من ثقب الوهم انبعثت كلما توضأت بصوتك انهمرت اغنية شوق اسطرها ملحمة ازلية تعال نغنيها اغنية سرمدية الذهول تعانق اقمار الكون تحطم متاريس الغربة الشائكة فـ مَن ذا الذي يرجم أوار البعد الآثم؟ !!!!!!../ .. فمثلا هذا المقطع يمكننا قراءته بأكثر من طريقة , مثلا / كزيتونة انهكها الحمل انتَ – كزيتونة / انا – الذات الشاعرة – أنهكها الحمل أنت – الذات الأخرى/ او هكذا أنت – الذات الأخرى و … / خرافة الاساطير  حقيقة / انا – الذات الشاعرة , عن طريق لعبة لغوية تحاول من خلالها إستفزاز المتلقي واثارةأكثر من سؤال لديه , وينفتح في قراءته مع النصّ .وحاولت ان تستخدم التضاد اللغويسواء على مستوى المفردات مثل / العتمة – الضوء / خرافة – حقيقة / , او علىمستوى الجمل مثل / على هدبنا يتهجد السهد – تصعدان  تذوبان في ريح هائجة / وغيرهالمقدرة هذا التضاد على الكشف عن حركية تموج بها المعاني داخل النسيج الشعري لأنهيشيع في مفاصل النصّ حركة دائبة بيت هذه العناصر المتضادة .

انّالذات الشاعرة في هذا النصّ رغم قربها الشديد من الذات الأخرى وتماهيها وانصهارهامعها الا انه دائمة البحث عنها كونها تخشى منم قسوة الفشل وخيبة المرارة وألمالاخفاق , فحاولت ان تحتمي بلغتها هذه مترجمة بذلك عن تجربة روحية عميقة بحثا عناليقين وهروبا من عالمها الى عالم حاولت من خلاله ان تجد نفسها وتصور لنا هواجسهاودواخلها الروحية , انها لغة الحيرة البهيّة المهذّبة عن النفايات والزوائداللغوية التي تقتل النصّ وترهّله , لقد جاءت اللغة حيّة تنبض بالدفء والوجدوالهيام . بينما جاءت الصور الشعرية فذا النصّ تتناوب ما بين الصور الشعريةالمفردة والصور الشعرية المركبة والصور الشعرية الكلّية .

فهلاستطاعت الذات الشاعرة من خلال النصّ التوحّد مع الذات الأخرى في صراخها الصامتهذا ..؟! . وهل استطاعت أن تقول كلّما أرادت قوله في هذا النصّ ..؟؟! . وهل وجدتنفسها في وجود الذات الأخرى ..؟ !! . وهل استطاعت لغة النصّ هنا أن تجسّد لغةالعشق المقدّس والأبتعاد عن لغة الهذيان بحكمة ووقار ..؟ ! . أسئلة سيكتشفهاالمتلقي المبدع اذا ماامتلك ذائقة ابداعية نقيّة وحسّاً مرهفاً بوجود الجمالوقلباً يتسامى باحثاً عن لغة تخترق المعتاد وتُبشّر بلغة جديدة .

وسنبقىنردد مع الذات الشاعرة هذا المقطع ../ أتوهج كلما سالتبهجتك في صباحاتي اراكَ فجراً يعانقالشمس على حافة الكون ../ .. لنتلمس سرّوعظمة اللغة في السرديّة التعبيرية وفتونها وفتوّتها وجماليتها ورساليتها..

النصّ:

سرمديةالزيتون تنعش القناديل

الىمتى سيبقى الليل حالما بالاحلام!علىهدبنا يتهجد السهدنبحثعن ظلّينا شريدَين علىالمرايا الحائرة كريشتين ببطءتصعدان  تذوبان في ريح هائجة توأمان انجبتهما خرافة اللقاءات  نجوس المواقيت على صهوة التمنيالاغرّ خارق يغوص افاقيالمبجلة يقرضني هياماًيتمايل فيه الازل ينقر تخوم الغيابالعطشى يفتت ليلاً أبكماشاخت فيه العتمة  يزدلفني الى مساءات يعجّها الضوء  اتوهج كلما سالت بهجتك في صباحاتي اراكَ فجراً يعانق الشمس على حافة الكون كقنديلٍ ذاوٍ انعشه زيت لاهب تعابثني اطياف مداراتك الشقية ازرعها يقينا صارماً في مواثيقنا السرمديّة  سادرة تنبت في غناءاليمام يحمل ارتال محبة احنت كاهل الانتظار العارم كزيتونة انهكها الحمل انتَ … خرافة الاساطير  حقيقة من ثقب الوهم انبعثت كلما توضأت بصوتك انهمرت اغنية شوق اسطرها ملحمة ازلية تعال نغنيها اغنية سرمدية الذهول تعانق اقمار الكون تحطم متاريس الغربة الشائكة فـ مَن ذا الذي يرجم أوار البعد الآثم؟ !!!!!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع