الحكيم (قصة قصيرة)

48

بدا على الشيخ نصير كأنه ينتظر شخص ما , جلس تلميذه بقربه , حالما وصل الحكيم
الذي كانا ينتظراه قال الشيخ نصير :
–       هيّا بنا !.
تقدم الشيخ نصير يعقبه تلميذه , بينما اختار الحكيم ان يسير خلفهما , طالما
دفع الفضول الحكيم ان يطلع على اسرار الشيخ وكيفية تربيته لمريديه وتلامذته ,
فأختار السير بالخلف كي يتمكن من مراقبتهما بوضوح , وفضل ان يتحلى بالصمت طول
الرحلة.
ألتفت التلميذ للحكيم الذي يسير ورائه , قال له :
–       طالما وانا أشايع استاذي الشيخ فأنا شيعي!.
فضل الحكيم عدم الرد , لكن التلميذ غره صمت الحكيم , فأردف:
–       طالما وانا اسير على خطا شيخي مستناً بسنته , فهل أنا سني؟!.
لم يرد عليه الحكيم ايضا , أنزعج التلميذ لصمت الحكيم , فاردف :
–       شيخي نصير .. فأنا نصيري ! .
لم يتسنى له ان يزعج الحكيم اكثر من ذلك , فقد وصلوا الى جبل كبير , في وسط
الجبل بوابة كهف , ألتفت الشيخ نصير لهم قائلا :
–       الدرس الاول : لا يغرنك هول الصعاب .. بالتفكير الهادئ يمكن ان
نذللها.
أقترح على الحكيم ان يتسلق اكتاف التلميذ الشاب مفتول العضل , وبالتالي تسلق
الشيخ نصير عليهما حتى وصل الى بوابة الكهف , ربط حبلا على صخرة ما , وناولهما
الطرف الاخر من الحبل , فتسلقا , ودخلوا في الكهف جميعاً , حتى خرجوا من
الناحية الاخرى , مقابل جبل عظيم , يمكنهم تسلقه , فالصخور بارزة , لكن بمشقة
وعناء , وصلوا القمة , وأطلوا على جبل اخر , تسلقه عبر طريق ضيق , أقل خطأ
يمكن ان يودي بحياة احدهم , لكنهما طالما يتبعان خطا الشيخ فلن تزل قدم احدهما
.
ساروا جميعاً بحذر تام , حتى وصلوا القمة , فاذا هم بهضبة واسعة , ساروا فيها
مستكشفين كل شبر فيها , حتى توقفوا على نهايتها من الطرف الاخر , اكتشفوا انها
تطل على نهر جميل , ومناظر تبهر الانظار , جلس الشيخ نصير ليستراح قليلا ,
وجلسا بدورهما حوله , بعد فترة من الزمن , نهض الشيخ نصير وألقى نظرة الى أسفل
, بدا كأنه يبحث عن مكان ما للنزول , لكنه لم يجد :
–       لابد من وسيلة ما تمكننا من النزول الى هناك والاستمتاع بذاك النهر
وما حوله من الاشجار لعلنا نصيب منها فاكهة لذيذة ! .
بحث الجميع عن مكان ما او ايجاد طريقة , لكنهم لم يجدوا , لكن اليأس لم يصب
الشيخ نصير ويقي مصراً على ايجاد مخرج , أثناء ذلك , لاحظ ارتفاع  الغبار من
احدى الجهات القريبة :
–       أنظروا هناك !.
–       ما هذا يا شيخ؟.
–       انه قطيع من حيوانات النو .. لابد وانها عطشى وتريد ان تشرب ..
بالتأكيد انها تعرف الطريق الى ذلك النهر … فلنتبعها !.
تبعوها بهمة بالغة , بعجلة , خوفاً من ان تسبقهم فيضلوا الطريق مرة اخرى , حتى
اذا ما وصلوا , شاهدوا قطعان النو تلقي بنفسها في النهر من شدة العطش , كمنوا
هم في مكان ما بين الادغال , الشيخ نصير وتلميذه بديا مرتاحين , لكن الحكيم لم
تبدو عليه علائم الارتياح , كان هناك ثمة ما يقلقه , أخذ يتفحص المكان من حوله
, لاحظ اشياءً غريبة , ثمة خطر , خطراً كامناً بين الادغال , رأى عدة سباع
تحيط بهم , مختبئةً بين الاحراش , أخذت عليهم جميع الجهات , وتعذر عليهم المفر
, ألتفت الحكيم الى الشيخ نصير قائلا وكانت هذه اول مرة يسمعا صوته , فلم ينطق
قبلها أبداً :
–       حيثما سارت قطعان النو .. تبعتها السباع .. لقد أجلستنا في المكان
الخاطئ .. يا شيخ !.

حيدر الحدراوي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع