الحركة الإبداعية في اللغةِ الحرّة عند الشاعرة :عزة سمهود : ليبيا

149

في نصّ ( هروبٌ جماعيّ منَ السلّة ) .

بقلم : كريم عبدالله .. بغداد – العراق24/12/2018 .

  يجد الأنسان العربي نفسه مقيّداً بالواقع المريروالحروب والصراعات المستمرة والكوارث الجماعية وضياع الحريات , عالم مليءبالعذابات والخيبة , تشعره بالغربة والانكسار وتحيله إلى كائن بائس منبوذ تلاحقهالفتن والهزائم . كل هذا السلب والاضطهاد يحدث في زمن فرضت سطوتها المادة الصماءعلى كاهله وبدلا من أن تعيد اليه حريته المصادرة زادت من عذابه وأمعنت في إذلالهوأخذته الى نفق مظلم لا قرار له . ويأتي هنا دور الأدب بصورة عامة والشعر بصورةخاصة على كشف هذا الزيف والحرمان والتشظّي وإعلان التمرد ضد هذا الواقع في محاولة للانتصاروالصمود أمام طغيان الخراب وإيقاف زحف هذا الليل الطويل . لقد تشكّلت روح جديدةدمّر جماليتها هذا الانحدار والسقوط في الهاوية . روح متمرّدة امتلكها الشاعر ,روح تبحث عن الحرية والانعتاق والسمو , روح حرّة ومتمرّدة امتدت حتى الى لغتهالشعرية , فأصبح يبحث عن اللغة المناسبة التي تصوّر وتفضح وتعالج وتبعث الأملوالمسرّات في زمن القحط والجفاف الروحي والإبداعي . فكان من الطبيعي ان يجد الشاعرمادة إلهامه من هذا العالم المادي , وبخياله الخصب يتمكن من بثّ الحياة فيها ,وإعادة تشكيل الواقع بصورة أخرى غير واقعية يشبه الأحلام والأساطير , ويؤلف فيما لايمكن ان يكون تآلف بينهما من مفردات هذا الواقع وقد يجرّدها حتى من المشاعرالانسانية كي يزيد من حالة التوتر والغرابة داخل النصّ الشعري . لذا كان لابدّلتحقيق ذلك من إيجاد لغة جديدة عن طريقها يستطيع الشاعر ان يبعث الضياء مشعّةخلاّقة إبداعية لا تبحث عن المتلقي إنما تكون كالزئبق تفرّ منه وتبتعد فإذا ماأراد قراءتها ومعرفتها فلابدّ له من استخدام العقل لفكّ شفراتها والكشف عن حرارتهاومصدر الإشعاع فيها . فأصبح الشاعر يجد مادة إلهامه في أبسط الأشياء كـ / الفراشة/ الشمعة / الصورة / العطر / الشجرة / كما عند الشاعر كريم عبدالله , لأن الشاعريسمع ما لم يسمعه غيره , ويرى بعين أخرى ما لم يره غيره , ولهذا فهو قادر علىتحويل وخلق عالمه الشعري الى عوالم من الأفراح والمفاجآت الكثيرة والمثيرة ويعبّرفيها الى ما لانهاية عن طريق اللغة الجديدة والخيال الديكتاتوري . وقد يختارالشاعر مادته من هذا الواقع – واقع الحياة الالية والتقنية والتطور العلمي السريعوالمذهل نتيجة ما وصل اليه عقل الأنسان . وهذا ما وجدته مؤخرا في نصّ الشاعرةالليبية ( عزة رجب – هروبٌ جماعي من السلّة – وتحت تصنيف – قصائد الكترونية ) ,وأعتقد بأنّ هذا سبق اكتشاف لقصيدة جديدة يجب أن يُسجّل باسمها في الوقت الحاضر ,فقد استطاعت ربط العالم الواقعي باللاواقعي وصنعت لنا مجموعة من النصوص المركّبة ,يجد فيها المتلقي عوالم كثيرة وفسيحة , وصورا غريبة تتجاور فيما بينها وتتنافر ,لقد كانت الشاعرة أشبه بالصانع الحاذق الذي يصنع آلته بعناية فائقة . ان تجربةالشاعرة هذه تستحق الأقدام عليها والمجازفة من أجلها , كونها تجربة جديدة في صناعةالقصيدة الحديثة , أننا أمام عالم من المفاجآت التي تدهش المتلقي وتبعث في روحهالحيرة والشكّ , عن طريق اللغة الغريبة والمستفزّة واللا مترهّلة , استطاعتالشاعرة حسابها بدّقة في مختبرها الابداعي فكانت كل مفردة تتواجد في مكانهاالمناسب لا تبعث الرتابة أو الضعف في النسيج الشعري لديها . إنه اسلوب جديد فيالرؤية والأداء امتلكته الشاعرة واستطاعت أن تخلق عالمها الشعري بين أشياء منالمستحيل أن تتآلف فيما بينها في الواقع او الطبيعة , وخلق رموز لا يوجد أي تطابقبين الرمز والمرموز إليه , وكذلك تشبّه بين أمور لا وجه للتشابه بينها على الأطلاق.

إننا نجد ونشعر بالذات الشاعرة وهي تفترس نفسهابنفسها من خلال هذا النصّ الغريب , متيقّنة بـأنّ قيمة الشعر لا ترتفع الاّ بمقداربُعده عن كل ما هو عادي مألوف في العالم الخارجي والداخلي على السواء ( لوركا ) ,لذا لن نجد هنا لغة مشاعر جيّاشة ولا للطبيعة حيز في هذا النصّ ولا هناك أي ترابط سيكولوجيداخل النصّ , لأنّ هذا النصّ ينبع من الذات الشاعرة لأمتلاكها قوة خيال قادر علىالتشبيه والاستعارة , فجعلت من مضمون النصّ مشعّا يغمرنا بكل هذا التساؤل والإدهاشوالغرابة بعدما استطاعت استخدام / المادة – الآلة ) الجامدة وبعثت فيها من روحهاالمتعطّشة للحرية والإبداع الشيء الكثير فجعلتنا نعيش معها ضمن هذا العالم السحريالجميل رغم قسوته وكثيرة الحزن الذي سيطر على أجواء النصّ من البداية حتى النهاية. لقد تأثرت الذات الشاعرة بالعالم الاصطناعي أيما تأثر فحاولت ونجحت كثيرا في تسخيرهذا العالم لقضيتها وقضية شعبها وقضية الأنسانية جمعاء . 

استخدمت الحاسوب ( الكومبيوتر ) وأقحمت هذاالعالم الكبير فيه وسخّرت بعض التقنيات العلمية فيه وكذلك بعض أجزاءه من أجل الخلقوالأبداع . حينما يداهمنا الخطر أي خطر فأول ما نفكر فيه هو الهروب والابتعاد عنمصدره , وإذا حلّت الكارثة في أرض ما فسيكون الهروب جماعي بالتأكيد , وإذا انتشرالظلم في بلد ما فلابدّ من الهروب أمام قوى الظلام التي قّبَلَ لنا بمواجهتها .هكذا صوّت لنا الشاعرة وطنها بعدما تحوّل الى عالم غير صالح للاستعمال البشري /نفذت صلاحية الحياة فيه / فمثّلته لنا بـ / سلّة المهملات / الموجودة في تقنيةالحاسوب , هكذا استطاعت تصوير العمق المأساوي في أرض أنتشر فيها الموت نتيجةالحروب والتطاحن على المكاسب المادية والسلطة , فأصبح أبناءه يحاولون الهروب منهوالبحث عن وطن آخر يمنحهم الأمان والكرامة .

. / بعد الهروب الكبير .. / من سلة المهملات / اختبأتُ مع ملفِ / أقام علاقة ًمع خلية فيروسية / حُبلى بجرائم سابقة .. / . إنّه النزوح والجلاء الجماعي من الوطن –سلّة المهملات – والاختباء مع – ملف – كما هو موجود في الحاسوب من ملفات تستخدملحفظ ما نودّ حفظه والرجوع اليها وقتما نشاء – الملف هنا قد يكون مكان ما في هذاالكون , لكن المصيبة حتى هذا – الملف – المكان الجديد – مرتبط ايضا بـ / خلية – هومفردة حُبلى فعلا تدعو للتأمل قد تعني جزء موجود في الحاسوب او قد تكون خليةإرهابية وهذا ما أصبحنا نعرفه اليوم ونتناوله في أحاديثنا بعدما انتشر الإرهاب فيأوطاننا – الفايروس : وهو من مسببات المرض تصيب جميع الكائنات الحيّة ولها أشكالمختلفة وبإمكانها البقاء هامدة لوقت طويل ومن ثمّ معاودة نشاطها , وهي عبارة عنكائنات مجهرية لا تُرى بالعين المجرّدة – هكذا هو الإرهاب الموجود الأن , عالم منالظلام يعتاش على القتل والسبيّ وسفك الدماء , لأنّ الجريمة متأصلة في فكره ونشاطه../  عن أسلاكٍ وهبتْ شرارتها / لذاكرة رقميةِ شاركتْ / أثناء تظاهر البشر في ساحة الآيباد ../ . نلاحظ هنا أيضا استخدام التقنيات العلميةالحديثة في رسم صور العالم الخارجي , هذا المقطع يعتبر مقطعاً متحركاً زاد منالزخم الحركي والإبداعي في النصّ من خلال / شرارة – شاركت – تظاهر / , فعندماينتشر الخراب والظلم يهبّ الأنسان متظاهراً ضد الطغيان معلناً كلمته – كلمة الوطن –في العيش بأمان وطمأنينة والابتعاد عن الصفقات التي تمزّق الوطن شرّ ممزّق . ./ كنت سأدفن حياً / بحجة أنَّ وحدات من الميغا بيكسل / استعمرت مساحات كبيرة  / من آراضي الويندوز ../ وهنا تعود بنا الشاعرة إلى عمق التاريخ ولبعضالعادات والتقاليد البالية في مجتمعنا العربي حين كان الوأد نصيب للبنات , لقداستحضرت هذه الواقع من الواقع البعيد الى الحاضر القريب لتقول لنا بأنّ الفكرالمسيّطر على الوطن هو نفس الفكر الجاهليّ المتخلف من قتل وسبيّ وخنق صوت المرأة ومصادرةحريتها , وبنفس التقنية والتكنيك تستخدم مصطلحات من التقدم العلمي وتبثّها داخلنسيج النصّ وتربط بينهما على ارض الواقع بطريقة ذكية ومحببة ورائعة . وبطريقة ذكيةتهيّئنا لتلقي الصدمة في النصّ وتقبّل الفكرة فيه واستيعابها  من خلال هذه العبارات ../ و لحسن الحظ  / أنَّ أحد المشاهد ظهر فجأةً / قبل المسح النهائي ../ . وهكذا استطاعت الشاعرة إعادتنا فجأة الى ارضالواقع عن طريق قصة الجندي – دلالة عن الحرب والموت والصراع ما بين البقاء والفناء– بلغة مثيرة ../ كان يحكي قصة جندي  / وجدوه ميتاً وفي يده  / أندرويد صغير / يبثُ فيديو لصور حبيباته / اللاتي راقصهن ليلة / ذهابه للحرب…./ . 

منخلال هذا النصّ الألكتروني لم نجدّ أنفسنا نعيش على أرض الواقع وإنما كنا نعيشداخل جهاز الحاسوب ونتحرك في عالمه , لقد كنا نعيش القلق في عالم رهيب مخيف , عالمشعريّ متوتر ينفجر ما بين لحظة وأخرى مليء بالرموز العلمية المتنوعة سيطر علىمشاعرنا وأذهاننا , عالم امتلك من الشعرية الشيء الكثير , ومن خلال هذه التجربةالجديدة في كتابة القصيدة , أتمنى الالتفات إليها وتسليط الضوء عليها علّنا سنحضىفي قادم الأيام بقصيدة نثر ترتقي إلى العالمية .

النصّ

هروبٌجماعي من السلّة

بعد الهروب الكبير
من سلة المهملات
اختبأتُ مع ملفِ
أقام علاقة ًمع خليةفيروسية
حُبلى بجرائم سابقة
عن أسلاكٍ وهبتْشرارتها
لذاكرة رقميةِ شاركتْ
أثناء تظاهر البشر فيساحة الآيباد
كنت سأدفن حياً
بحجة أنَّ وحدات منالميغا بيكسل
استعمرت مساحات كبيرة
من آراضي الويندوز
و لحسن الحظ
أنَّ أحد المشاهد ظهرفجأةً
قبل المسح النهائي
كان يحكي قصة جندي
وجدوه ميتاً وفي يده
أندرويد صغير
يبثُ فيديو لصورحبيباته
اللاتي راقصهن ليلة
ذهابه للحرب….
ــــــــــــــــــــــــــــ
قصائد الكترونية .
هروب جماعي من السلة
.Azza Ra Samhod

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع