الجهل رديف الموت/ سرد تعبيري

111
الجهل رديف الموت/ سرد تعبيري
سامية خليفة /لبنان

 

يحدِّقُ بي قلمي النّازف بمدادِه الباهتِ المتجرِّدِ من لونِ الحياةِ ،يرمقُني بسهمِ طرْفِه كأنَّ عتابَ الزَّمنِ كلَّه تكدَّسَ بينَ طيّاتِ حدقتيْهِ لأدركَ بمشاعري وحدسي أنَّهُ سينكبُّ مسترسِلًا في كتابةٍ لا خيار لي فيها بأي جدالٍ وأنّها ستكونُ مختلفةً ! ها هي اندلاعاتٌ متفجِّرةٌ منْ ريشتهِ الصّدئةِ تشبهُ في اندلاعاتها أصواتَ رقّاصِ ساعةٍ تقاومُ بجبروتٍ عقاربَها المسيَّرة فتدور بالاتجاه المعاكس،لا يا قلمي الاتجاه المعاكس هنا ليس عنوان البرنامج السياسيّ بل هو عنوان لتطلُّعاتنا الفائضةِ بالانهزامات والتخلُّف. ويبقى السؤالُ المتغاوي بقلبهِ الأحمر ينزفُ نقطةً تستقرُّ في الأسفلِ لتذكّرنا بعلامة السؤال .قلب ما هو كائن هجين أو إشارة آتية من عالمٍ غريبٍ أو من كوكبٍ مجهولٍ، إنما هو مجرّد رمز لاستشعاراتٍ ذابلةٍ كذبولِ ثدي امرأةٍ متهدّلٍ فعضلاتُ الأنوثةِ تضمحلُّ وتتراخى كرأسِ مشنوقٍ على حبلٍ لم يرأفْ بنداءاتِ أنفاسه التي ستُكتمُ إلى الأبد. يا قلمي البائس تستفزُّني تسبقُ فكري تسجِّلُ سؤالكَ المغبشَّ بسوداويةٍ ما عهدتُها يوما لتقول ما الموتُ ؟ سأقول لك ما هو، أنَّه حزنٌ يكسرُكَ بفقدٍ يجعلُكَ تختبئُ وراء ظلِّ الحياةِ مرتجفًا رغم علمِكَ أنَّ الموتَ آتٍ وإن بعدَ حينٍ وأنَّ انكبابَكَ على الحياةِ سيصطدم بملاك الموت وهو يقول لك انهضْ آن الأوانُ كي تعزفَ لكَ الملائكةُ موسيقى الرحيلِ. يا قلمي اعلم أنك لن تسبقَ فكري ،فكري الآنَ بحيويّةِ التَّحدّي يُسجِّلُ على جبينِ الزَّمنِ أنَّ الموتَ لم يعد نهايةً لأجسادٍ تُدفنُ فحسب بل أمسى شعورًا يختلِجُ صدورَ اليائسين البائسين يراود أحلامَ الفقراءِ المنتشرين على خريطةِ العالمِ حيث لونُ البؤسِ غمر بلدانا ترزحُ تحت خطِّ الفقر . هل الآنَ أيقنتَ يا قلمي لماذا اعتزلتُ كتابةَ شعرِ الغزلِ هلِ الآنَ أيقنتَ أنَّ الموتَ الحقيقي مختلفٌ عن موتِ وفناءِ الأجساد هل أدركت لون الموت بمساحاته الشاسعة على خريطةِ العالم ،لو تمعَّنتَ أكثر ستكتشف أنَّ الموتَ يزورُ وليدًا حديثا بكامل مقومات الصرخة الأولى إلا أنه ورثَ الفقرَ والعارَ عن أمة منكوبة بالجهلِ وأنَّ الجهلَ رديفُ الموتُ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع