الجزائر في العهد القديم و ظروف تأسيس الدولة الأمازيغية

30

(منكتاب أنتروبولوجيا الجزائر و صراع الهوية و الوطنية لصاحبة المقال صدر عن دار الأوطان الجزائرية)

كشفت العديد من التحقيقاتالتاريخية أن الجزائر دخلت في التاريخ الحضاري منذ عدة قرون قبل ظهور مدينةقرطاجنة، يعني مع ظهور الحضارة الفرعونية، حيث نقرأ عن مملكة مغراوة في الجنوبالغربي من الجزائر و هي من أكبر قبائل زناتة ، استمرت في عهد صولات بن وزمار إلىغاية العهد الإسلامي، و كسيلة بن لمزم ملك البربر، ثم الكاهنة واحدة من ملوكالبربر ظهرت قبل الإسلام و كانت مملكتها بالأوراس، تنتمي إلى قبيلة جراوة البربريةالمنتشرة في شرق الجزائر، ولم يؤثر الإحتلال الروماني الذي دام ستة قرون في شخصيةالبربري الذي ظل متمسكا بنظمه السياسية و الأخلاقية القديمة و محافظا عليها، فلميبق من آثار روما سوى تلك الصخور المنحوتة

يعرف الشمال الإفريقي ببلادالبربر، و قد دلت الكثير من الأبحاث و الآثار على قِدَم الاستقرار البشري في شمال أفريقيا، و الحديث عن السكان الأصليينلشمال أفريقيا و كيف انتشروا له علاقة وطيدة بالمنظومة الإجتماعية و ما يربطها منروابط تتمثل في العادات و التقاليد، و هذه الروابط تختلف من منطقة لأخرى، فمجتمعالشمال الإفريقي ظهر في شكله القبلي منذ فجر التاريخ، و النظام القبلي هو أولالنظم التي عرفتها مختلف الشعوب، و يجرنا الحديث عن أصول الأمازيغ الذين تحدث عنهمالمؤرخون القدامى أمثال هيرودوت، ديودور،سترابور، بطليموس و غيرهم، بحيث سموهم بـ: نوماداس nomadas ، أي الرُّحَّل ، و كانت مساكنهم تسمى ماباليا mapalia في شكل مستطيل، وقد كان اسم النوميد محل نقاش كبير بين المؤرخين الذين اعتبروه مشتقا من كلمةنوماداس الإغريقية كما ذكر المؤرخون وهي تعني البدو، لكن الإحتلالالروماني أزال هذا الإسم، لأنه يدل على هوية شعب و أمّة، و البربر ينقسمون إلى قسمين أو فرعين : البرانسو هم أبناء برنس، و البتر و هم ابناء مادغيس الأبتر، إلا أن ابن حزم يختلف معالمطمطي الذي يقول أن البرانس فقط من كنعان، و أما البتر فهم بنو برقيس عيلان، ويلاحظ هنا أن أقوال النسابين كانت متضاربةحتى بالتعريف بالأسماء، فمثلا قولهم أن صنهاجة من ولد صنهاج هو تحريف للفظ صناكالبربري، و قيل أن من بطون صنهاجة ينتهي إلى سبعين ( 70) بطنا ، نصفهم يمتد بينكتامة و عجيسة شرقا و زواوة و ساحل البحر شمالا، و زناتة غربا و جنوبا، و الباقيموزعون في مناطق الصحراء، و قد كانوا يشكلون الثلث من شعب المغرب الأوسط (الجزائر) و هذا ما أشار اليه الدكتور محمد الطمار في ككتاباته.

تقول كتابات أخرى أن اسم مازيس ( mazices ) و هو اسم عدد من قبائل قدامى البربر وقع فيه تحريف كبير مع أنهمشتق من الإسم البربري مازيغ، و نفس الشيئ يقال عن الأرمن حيث حاول البعض ربط بعضقبائل البربر بهم مثل قبيلة ورمانة ourmana، كما تشير كتابات أن باربار beberes يعود مصدرها إلى شبه الجزيرة الإيبرية، و هذه الجزيرة تحتلمكانة خاصة عند دعاة الأصول الأوروبية للبربر، و قال بعض المؤرخين و منهم دزانج J.desanges : أن لغة الباسك قريبة من اللغة البربرية، و أشار هؤلاء المؤرخين أنعبارة إيبار iberes ما هو إلا تصغير و اختصار لـ: بربار berbere، و طرحت في هذا الشأن عدة تساؤلات إذا كان الإيبار أسلاف بنفس الاسمفي القوقاز، فلماذا لا يكون السومريون هم أسلاف البربر؟ أمّا في جانب اللغة ، فقدذكر حسن الوزان أن البربر لهم لغة واحدة يسمونها أوال أمازيغ awal amazigh أي اللغة النبيلة، و الدليل على قدم اللغة الأمازيغية و تعايشهامع لغات أخرى هو احتواؤها اليوم على عدد كبير من المفردات من عدد من اللغاتاللاتينية و الإغريقية و العربية بالخصوص، و هذا ليس لفقرها في المفردات و لكن فيالطابع الشفوي الذي لازمها منذ قرون طويلة.

و لا ريب أن المجتمعاتالتاريخية في الشمال الإفريقي القديم هي امتداد لمجتمع الحضارة القفصية و العاترية و مجتمع حضارة الفن الصخري في طاسيليناجّر و الشعب الإفريقي ( البربري ) هو أحد الشعوب السبعة القديمة الوارد ذكرها فيالعديد من المصادر مثله مثل المصريين و الإغريق و الفرس و غيرهم، مع أن بعضالكتابات لا تريد الإقرار بذلك، رغم أن النصوص الإغريقية ذكرت أسماء مجموعات قبليةفي تعداد شعوب في الشمال الإفريقي القديم ما قبل الإحتلال الروماني و عرفوا بقوتهمالسياسية مكنتهم من بسط سيادتهم، غير أنها كانت محكومة بروابط العادات و التقاليد،و قد بدأت النصوص القديمة تذكر”النوميد” بهذا الاسم منذ القرن الثانيقبل الميلاد كشعب و كقوة سياسية تبسط سيادتها بهذه القوة السياسية هي مملكةنوميديا الموحدة التي امتدت حدودها الشرقية في عهد ماسينيسا( 203-148 قبل الميلاد)إلى السيرت الكبير، لكن الصراع على العرش الذي كانت روما تغذيه لإضعاف المملكة حالدون تحقيق الهدف، حيث بدأت في التراجع بعد وفاة ابنه ميسيبسا ( مَكُّوسَنْ) فيأعقاب الانقسام و الصراع على العرش الذي كانت روما تغذيه لإضعاف المملكة، ثمالانقضاض عليها في الوقت المناسب.

النصوص نفسها أشارت إلى اهتمام ميسيبسا بعلومعصره و اطلاعه على اللغة الإغريقية مقتفيا نهج والده ماسينيسا، و لذلك أحضر إلىعاصمته سيرتا فنانين إغريق، لكن السيّادة انتقلت إلى روما بعد ظهورها كقوة جديدة،و لذلك تؤكد الكتابات أن حضارة روما ماهي إلا حضارة إغريقية ناطقة باللاتينية، وقد أحدثت هذه الحضارة تأثيرا كبيرا في مختلف مناحي الحياة الإفريقية خاصة فيالجانب اللغوي، فاللغة اللاتينية لم تكن غريبة عن الشعب الإفريقي، و قد استطاعترومانيا بقوتها العسكرية رَوْمَنَة الشعوب كشرط للحصول على “المواطنة” وهي التمسك بالثقافة اللاتينية، و اللغة كانت مفتاح هذه الثقافة، كما قام الرومانبرومنة الأسماء و دمجها في الثقافة و الحضارة الرومانية، و لذلك كانت المواطنة خيرأداة لتحقيق مرامي الدولة الرومانية و ترسيخ وجودها، حيث كانت رومانيا لا ترى فرقابين الروماني بالولادة و الروماني بالتجنس في تَحَمّلِ أعباء المواطنة و هي واجبالخدمة العسكرية، لكن السياسة التي طبقتها روما أظهرت فشلها حيث لم تفقد الشعوبجذورها، و لم تتخلى عن هويتها، و كمثال كان أبوليوس المادوري يخاطب أهل بلدتهماداوروس بعبارة: أهلي النوميد و أهلي الجيتول.

هكذاتنكر المستشرقون للشعب الأمازيغي و حضارته

ما جاء ذكره يعكس رؤية عديدمن الباحثين الذين قالوا أنه لا توجد دراسات شاملة و مفصلة حول تاريخ الجزائر فيالعهد القديم (البربر)، و ما ماهو متوفر إلا فرضيات أخذها المؤرخون عن كتاباتالمستشرقين، غير أن التحقيقات التاريخية تكشف أن الجزائر دخلت في التاريخ الحضاريمنذ عدة قرون قبل ظهور مدينة قرطاجنة، أي بين 1500 و 1800 سنة قبل الميلاد، يعنيمع ظهور الحضارة الفرعونية، كما ظهرت دولا أصلية و حضارة قوية كان يقودها رجالعظماء مثل ماسينيسا و يوغرطا، و قد تحدثت كتب التاريخ عن مملكة مغراوة في الجنوبالغربي من الجزائر و التي استمرت في عهد صولات بن وزمار من أكبر قبائل زناتة إلى غاية العهد الإسلامي ، و هو من دعا قومهإلى الإسلام، و نقرأ عن كسيلة بن لمزم ملكالبربر، و قد جمع عددا من القبائل حتى يتجنب حربا مع عقبة بن نافع في مكان يقال لهتهودة جنوب جبال الأوراس قرب بسكرة، كما يذكر المؤرخون الكاهنة ملكة من ملوك البربرقبل الإسلام و كانت مملكتها بالأوراس، تنتمي إلى قبيلة جراوة البربرية المنتشرة فيشرق الجزائر، و الكثير من يعرفون ظهورها على مسرح التاريخ، و إن تحدث بعض المؤرخينالجزائريين عن هذه المرحلة بشيئ من التفصيل و منهم زهير إحدادن رحمه الله إلا أنالبعض منهم تجنب الخوض في هذه المسائل لتعقيدها، لإختلاف الآراء بين المؤرخين،بحيث نجد مثلا بعض المؤرخين الجزائريين و منهم المفكر مولود قاسم نايت بلقاسمعندما تحدث عن شخصية الجزائر الدولية و هيبتها العالمية قبل سنة 1830 لم يتطرق إلىتاريخ الجزائر القديم بشيئ من التفصيل، لأن جل المؤرخين يعتمدون على بعض الكتابات التي جاء بها العمّجوليان الذي لقب بـ: نبيّ التاريخ أو إمامالمؤرخين، و قد وصف هذا الأخير سكان المغرب بـ: ” اللقطاء” ، كما أن بعضالمؤرخين يتنكرون لوجود أمّة اسمها الجزائر ، بل كدولة و كشعب على مرّ التاريخ، بحيث يركزون على العهدالعثماني، و عمدوا على تشويهه، بحيث وصفوه بأنه عهد سيطرة تركية، و أن مجيئهم إلىالجزائر ( أي العثمانيين) كان من أجل تحريرهم من الحكم الأجنبي، و الحقيقة و كمايقول الباحث سليمان الصيد المحامي، فإن الجزائر التي تكونت فيها الممالك البربرية،أنجبت ماسينيسا و مسيبسا و يوغرطة ملوك نوميديا (عمالة قسنطينة القديمة) وموريطانيا الشرقية ( عمالة الجزائر و وهران) و جيتوليا ( صحراء الجزائر اليوم)كانت منذ القدم شعب و دولة ذات سيادة لها حدودها الدولية.

كما نجد أن بعض المؤرخينيتهمون الملك ماسينيسا بأنه تواطأ مع الرومان، إلا أن المؤرخ الجزائري مولود قاسمنايت بلقاسم كان من المدافعين أيضا عن ماسينيسا، حيث يقول: ” إن ماسينيسا رغمتحالفه مع روما، لم ينشر اللغة اللاتينية في بلاده، بل نشر البونيقية، و تبنىالحضارة الفينيقية، أما كنافذة على الخارج، فقد اختار اليونانية، و كان هو شخصيايتجاوز بنظراته آفاق روما ليرنو إلى الشرقاليوناني، و يستفيد من تجارب الملوك اليونان الذين لم تكن روما قد سيطرت عليهمبعد، و قد أثارت رؤيته الإستشرافية تخوفروما من تفوقه في إفريقيا، و من ثمّ استيلاؤه على قرطاجنة ليجعل منها عاصمته، أيأن روما كانت تخاف من أن تحل الدولة النوميدية محل دولة قرطاجنة و تخلفها، و تنشالروما دولة كبرى جديدة، منافسة لها، و مزاحمة بل و مهددة لها، كما كانت قرطاجنة تماما، كما يؤكد المؤرخ فرنالأن ماسينيسا لم يعن الرومان، و لم يتحالف معهم إلا بقصد إسقاط قرطاجنة، و لو قدرله أن يعيش أكثر لحارب الرومان أيضا، مثلما فعل يوغرطة الذي حارب الرومان لمدةثلاثين سنة، أودع السجن إلى أن مات به جوعا و عطشا، و بموته انفتحت آفاق جديدةأمام الإستعمار الروماني، حيث ضبطت خطة لتجزئة نوميديا، و لم تمض سنوات حتى أصبح شمال أفريقيا تحت حكم الرومان، و لم يسلمسكان الجزائر بالاحتلال الروماني ، حيث تصدى له عن طريق المقاومات و الثوراتالشعبية، كانت أول ثورة شعبية تلك التي قادها القائد النوميدي تاكفاريناس.

العهدالبربري سبق العهد الروماني

لاشك طبعا أن الرومان كانتلهم حضارة، و الذي لا يمكن تجاهله أن من يتتبع تاريخ روما يلاحظ أنها ذات حضارةزاهرة، حيث لها هياكل عمومية كالملاعب و المسارح و المعابد و الحمامات و الساحاتالعمومية ، كانت كلها على النمط الروماني ، فمعالم جميلة و تيمقاد و تيديس و أماكن أخرى كلها شاهدة على الحضارةالرومانية ، لكن ما هو مؤكد أن العهد البربري سبق العهد الروماني، و المطلع على ما يذكره المؤرخون عن البربر يجد أنهمكانوا يمتازون بالشرف يدعون أنفسهم ” أمازيغ” أي الرجال الأحرار، و الأمازيغي لا يتبنى فكرة أو عقيدة إلا بصعوبة، و إذا آمنبها قاتل في سبيلها، كما امتاز البربري بالحرية و التشوق إليها لدرجة أنه يكرهالرئاسة عليه و يتقزز منها، و إن فرضتعليه تجده يكابر و يقاوم و يصبر إلى حين تأتي الفرصة لهدمها، و نظرة الأمازيغيإلى كبير القبيلة، عادة ما تكون مبنية علىالإحترام الكامل و الخضوع التام لنظام العائلة، و مع الوقت ظهر ما يسمى بنظام الخرُّوبة،و هذه الأخيرة مكونة من مجموع العائلات تنتمي إلى أصل واحد، و هذا النظام يخضعلسلطة كبير العائلة، و مجالس الجماعة تنتخب كل سنة رئيسا يسمى إمرارا أو كبيرا أوأمينا، و يقوم هذا الرئيس بتنفيذ قرارات الجماعة كما يسهر على الأمن و احترام الأخلاقوله نائب يدعى امرزاقا، و لا تسع هذه المساحة لذكر كيف كان نظام الخرُّوباتيسير شؤون السكان و يطبق النظم القضائية و السلطات التشريعية والتنفيذية في بلاد البربر، يقول أندري جوليان: ” و استوحى ماسينيسا من دساتيرالمدن الساحلية ما مكنه من منح المدن الجديدة نظاما بونيقيا يعتمد على حكام سمواالأسباط أو الأشفاط”، و الأشفاط جمع شفاطم تعني القُضَاة .

كانت هناك مساعي من قبل القرطاجنيين لتزاوجحضارتهم بحضارة البربر الذين أسسوا “جمهورية القرية” التي تتألف منالجماعة و رئيسها، و رويدا رويدا أسسوا الحكم الملكي فكان الملك عند البربر يسمى (أجليد)، ثم أسسوا الإمبراطورية، و قد مرت هذه الأخيرة بثلاث مراحل تكلم عنهاالباحث عثمان الكعاك، عندما تحدث عن الإمبراطورية الشرقية و كيف كوّنماسينيسا امبراطورية في القسم الشرقي مننوميديا، و قال أن ماسينيسا كان شبيها بزيري مناد الصنهاجي الذي صانع الفاطميينحتى أورث أحفاده ملكهم، حسبما جاء في كتابات الدكتور محمد محدة أن المغرب الأوسط (الجزائر) عرفت من الدولة الرومانية النظامين الجمهورية و الإمبراطوري، و هذا لأنالإستعمار الروماني في الجزائر كان في آخر أيام الجمهورية الرومانية، و الملاحظكما يقول المؤرخ توفيق المدني أن الأمازيغ لم يتركوا الإستعمار الروماني ينالمنهم، فالروم اكتفوا بإبعاد الوندال و حكم البلاد اسما، إنما الأمازيغ كانوا أصحابالسلطان الحقيقي و أصحاب الأرض، و كان همُّ الروم هو الحصول على الثروة الطائلة والرجوع بها إلى بيزنطا، و ظلت الأوضاع على هذه الحال إلى أن جاء الفتح الإسلامي، وقد اعترف الورمان بحضارة البربر الذين كانت لهم سفن حربية ذات الصفوف الخمسة منالمجاديف، و أمام هذا التقدم لم يجد الرومان مفرا من اللجوء إلى الإغريق والإستعانة بهم في تسيير الأساطيل لكونهم أكثر دراية منهم في هذا المجال.

علجية عيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع