الثّورات العربيَّة.. الزَّارِعُونَ و الحَاصِدُونَ

43

علجية عيش/

لقد عَلّمَتْ ( بتشديد اللام و فتحها )الثورات العربية دروسا ثمينة لم يكن من السهل اكتسابها بنفس السرعة و بنفس العمق، ثورات أعطت للأنظمة و من يحركها درسا لا يُنْسَى، و نجاح هذه الثورات يعود إلىتطور الممارسة الثورية للجماهير التي رسمت آفاق الثورة العربية و حددت مضمونها و طريقها، لكن وجب هنا التساؤل لمعرفة من هو الرابح و من هو الخاسر في هذه الثورات، أي معرفة من هم الزارعون و من هم الحاصدون؟ ، يقول متتبعون للشأن العربي أن نظرية ستالين في الأمّة و القومية لم تستطع أن تحتوي الواقع العربي الحرّ، و مأساة هؤلاء هي أنهم يحاولون إخراج التاريخ من رؤوسهم.

لم تعد شعوب دول العالم الثالث وحدها التي عاشت ثورات داخلية، بل العالم كله حتى الدول المتقدمة و التي كانت في يوم ما تتحكم في مصير الشعوب و لا تزال إلى يومنا هذا ، وتتدخل في شؤونها الداخلية بطريقة أو بأخرى، تارة باسم التسامح و التعايش، وأخرى باسم التعاون الإقتصادي و ربط الشراكة فيما بينها من أجل تقوية العلاقات، و تناست الدول المُسْتَعْمِرَة ( فرنسا كنموذج) ما ارتكبته من جرائم فيحق الشعوب، و التي كانت سببا في قيام الثورات العربية في كل دولة من الدول التي اصطدمت أنظمتها مع شعوبها و عاشت حربا أهلية ما تزال آثارها إلى اليوم ، والشارع العربي يحيي الذكرى العاشرة ( 2011) على ثورة الياسمين في تونس 2011 ، أوكما يمسيت بثورة الخبز، والثورة في سوريا التي بدأت في مارس من نفس السنة، رفع فيها الشعب السوري لافتات تطالب بإقالة الأسد، خلفت آلاف القتلى و النازحين.

و الثورة في مصر أو ما اصطلح عليها بميدان الثورة، أو ميدان التحرير، عاش المصريون أحداثها في نفس السنة، ثورة قيل عنها أنها حركت الضمائر الميتة، بعدما أشعلت الشرارة في الأوساط الشعبية، أسقطت فيها الرؤوس الفاسدة، ثم انتفاضة الليبيين في 2011 ، عندما خرجت الجماعير العربية في مظاهرات مطالبة بإقالة الزعيم معمر القذافي، و حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه ، و وقعت صدامات دموية في مدن ليبية أبرزها في

بنغازي و طرابلس و درنة و البيضاء، سقط فيها الآلاف من القتلى ، بعد حملات عسكرية قامت بها الولايات المتحدة ضد ليبيا بمساعدة الحلف الأطلسي، و لا يزال الليبيون اليوم رغم إقالة القذافي يدفعون ثمن التدخلات الخارجية، بل يواجهون مرحلة أشد قسوة في انتفاضتهم ضد نظام حفتر، وهم يواجهون الحرب من كل الجبهات، حرب القذاذفة و أولاد سليمان، وحرب التوارق و التبو، و…و…الخ.

هذه الثورات التي يطلق عليها اليوم اسم “الربيع العربي”، يقول عنه البعض أنهمسَّ دولا دون دول أخرى ، ما يجعلنا نعود إلى الوراء بعشر سنوات أو أكثر، عاشت بلدان أخرى ثورات شعبية حركت العالم كله، و لعله يجدر بنا الوقوف على أحداث سبقت الربيع العربي عاشتها دول من قبلها، و تمكن شعبها من الصمود في وجه جلّاديهم رغم الإعتقالات و الإغتيالات، فقبل ميلاد الربيع العربي في 2011، انطلقت ثورات شعبية لم يتوقع أحد حدوثها في العالم كله، والتجربة الجزائرية خير مثالٌ عمّا عاشته من أحداث بدءًا من الربيع الأمازيغي الذي عاشته في الثمامنيات من القرن الماضي ، استيقظ فيها العالم على ثورة اندلعت شرارتها في بداية 1980 ثم 05 أكتوبر 1988، لقد لقبت أحداث أكتوبر 88 بثورة عربية قبل الأوان، انقلب فيها الشعب على النظام ، ثم العشرية السوداء التي دامت عشر سنوات كاملة، هي تجربة رائدة حققها الشعب الجزائري من أجل مواجهة استعمار داخلي عاث في الأرض فسادا، استعمار داخلي جوّع الشعب و أغرقه في الفقر و البطالة، فكان عليه أن ينتفض و يواجه جلاده ، و إجهاض كل مخططاته، و وضع حد للصراعات الداخلية، بعدها بعشر سنوات عاشت الجزائر اضطرابات أخرى عنيفة إثر مقتل الفنان معطوب الوناس في 1998، ثم مقتل الطالب مايسنيسا في الجزائر عام 2001 ، فيما عرف بـ: “الربيع الأسود” ، اشتعل فتيل المظاهرات بمنطقة القبائل و الولايات المجاورة لها، ارتفعت فيها أصوات تنادي بحقوق الإنسان وحرية التعبير و توفير الحقوق الطبيعية للإنسان والمساواة وتحقيق العدالة الإجتماعية و الديمقراطية، شهدت فيها المنطقة كثير من التغيرات و حركات التمرد، أثرت سلبا على الأوضاع الإجتماعية و السياسية و الثقافية.

كان هذا من بابوجه المقارنة بين هذه الأحداث و أحداث 2011 ، لم تكن هذه الثورات ثورة رجال، بل كانت معركة النساء ايضا ، نساءٌ خرجن لمحاربة الثقافة “الذكرية” ووضع حد لإيديولوجيا متحيزة للرجل، كما عرفت هذه الثورات بثورة الطلاب، والعمال، و النقابيين و المحامين و الأطباء، وقفوا وقفة المتمرد الرافض لكل سلوك دكتاتوري، من أجل إحداث نسق لقيم جديدة، فلكل دولة و لكل شعب مشروعه الوطني، و لكل مجتمع خصوصياته، و ثقافته ، رغما ما حدث، هناك من يقول أن ثورات الربيع العربي مبالغ فيها، و تجاهل أن هذه الثورات قامت من أجل”الحرية و الكرامة” ، سُفِكَتْ من أجلها الدّماء، مات من مات تاركا أطفال يتامى، و الذين كتبت لهم الحياة بعضهم أصيب بالإعاقة و الشلل، و آخرون مازالوا صامدين إلى اليوم، حتى تسقط الأنظمة الدكتاتروية الفاسدة، و من هذا المنطلق يتبادر إلى الأذهان سؤال يجب ان يطرح و بشكل عقلاني لمعرفة كيف نقيس عمر الثورات، هل بالأعوام أم بالأحداث؟، و من كان وراء تحريك الشعوب لنفض عنها الغبار و النهوض مجددا لإسكات صوت الأنظمة و قطع لسانها؟.

لم تغير هذه الإنتفاضات أو الحروب الأهلية الوضع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي للمواطن العربي ، بل ساهمت هذه الإنتفاضات و الحروب الأهلية في انتشار الجريمة المنظمة، بظهور عصابات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات وصولا بالإتجار بالبشر، دون أن ننسى جرائم القتل والإختطاف و الإغتصاب، كما ساهمت فيتزايد المضاربين في السلع و رفع الأسعار ، فكان الرابح الوحيد فيها هو السلطةو أرباب المال و الأعمال و الإنتهازيين من رجال السياسة ، الملقبون بـ: “الستاليين العرب” ، و المواطن الفقير لا يزداد إلا فقرا كلما تأزمت الأوضاع،و لكن، فبالرغم من ذلك، و من باب التفاؤل، يمكن القول أن هذه الثورات تظل”رائدة” لأنها أوصلت صوتها إلى العالم كله، و إلى الرأي العام الدولي، و حركت بعض الضمائر، و علّمت دروسا ثمينة ، لم يكن من السهل اكتسابها بنفس السرعة و بنفس العمق، حيث أعطت للأنظمة و من يحركها درسا لن تنساه ، و يمكن القول أن نجاح ثورة من الثورات يعود إلى تطور الممارسة الثورية للجماهير اتي رسمت آفاق الثورة العربية و حددت مضمونها وطريقها، الجماهير المناضلة ، المجاهدة، النزيهة الصادقة في نضالها و جهادها ، المخلصة لدينها و وطنها، و كما يقال فالتاريخ تكرار و ليس تجاوزا، و التاريخ لا تصنعه الملوك أو القادة فقط، بل تصنعه الشعوب والجماهير أيضا، و المثقفون مطالبون اليوم بتسليط الضوء على دور الشعوب في صنع التاريخ و صنع الأنظمة الجديدة.

علجية عيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع