التجليات الماوراء نصية عند رشا السيد أحمد المفتي

51

بقلم د . أنور غني الموسوي

Image result for ‫رشا السيد أحمد المفتي‬‎

الأسلوب هو الأصل و ماوراء النص هو الحقيقة و كل شيء آخر في الأدبانعكاس لذلك ، هذا ما تعلمنا إياه رشا هلال السيد أحمد

أن النقد الأدبي الواقعي الصادق هو ما يجد له شاهدا و مصدقا فيالنصوص تهتف به وتنادي عليه ، أما التكلف و الإقحام و الإدعاء فليس حقيقة ، كما إنالإستغراق في الإطروحات الفكرية البعيدة و غير الملموسة هو محض فلسفة و ليس نقدا .و أفضل ما يشهد لذلك و يؤكده الوجدان و النصوص الادبية نفسها

رشا هلال من يعرفها يعلم انها تكتب بلغة الروح ، بنصوص هي كتلهائلة من العاطفة و التراكم الشعوري و التجربة المميزة . ان الميزة الاهم فيالشخصية الكاتبة عند رشا اهلال هي القدرة العالية على تحويل المعارف الحسيةالخارجية الى معارف شعورية ، هذا التحويل موجود عند كل مبدع الا انه يتفاوت فيقوته ، و ان كل متتبع يجد و بأدنى تأمل ان القدرة التحويلية للادراكات و المعارفعالية جدا عند رشا اهلال ، كما انها تتميز بقدرة عالية على التحويل المعاكس ، ايتحويل المعرفة الشعورية الى نص .

اننا لا نحتاج الى مزيد كلام في بيان ان البحث في اسلوب التحويلالمعرفي و الشعوري في النقد التعبيري هو تجاوز جاد و حقيقي للاسلوبية و شكلانيتها، و الاتجاه نحو بناء نقدي و معرفي بامكاننا ان نسميه ( ما بعد الاسلوبية ) ، اذرغم التقدم و التطور الكبير في نظرة الاسلوبية و صدقها و واقعيتها ، الا انها فيالواقع تميل الى التشبث بالشكل و اعتماد المعطيات و المؤثرات النصية بكونها العالمالذي يبحث ، بينما نحن ندرك و نشعر بوجودات لاشكلية تهيمن و تفرض سطوتها على النص،و لو قلنا ان النص انما يكون بتلك الوجودات الماورائية لما كان خطأ .

المدركات المعرفية و الجمالية و التأثيرية و التعبيرية الماوراءنصية لها اشكال ، ترتبط بحالات التجلي التي يبدع فيها المؤلف ، فلدينا التجليالذاتي و لدينا التجلي الماوراء نصي و لدينا التجلي العلوي ما فوق الكتابي و الذييشبه الى حد كبير التجليات الصوفية الا انه متجه نحو مصادر الابداع محاكيا لها ومدللا عليها .

في التجلي الشعوري الذاتي يرى القارئ ان تعبيرية النص بلغت حدا صاربالامكان رؤية روح الكاتبة و شخصيته و ما يرتبط بهما من عوالم شعورية و مميزات وخصائص فردية .

و في التجلي الماوراء نصي تبرز مجموعة المجالات او الانظمةالتعبيرية و الدلالية و التأثيرية التي تقف وحدات النص و ترتبط بها برابط الرمزيةو البوح ، بحيث يجعلك ترى مفردات النص تتوهج و انها معبأة بطاقات دلالية و تعبيريةكبيرة .

و في التجلي الشعوري المافوق كتابي ، تجد الاشارة و التدليل علىالعالم الابداعي الاعلى و مصادر الابداع و الالهام ، وهذا العالم هو اعمق عوالمالشعور و يحتاج ادراكه معادلاته العميقة الى اشراقة و نوع خاص من الادراك لا يتيسرلكل شاعر ، و اللغة التي يكتب بها نص التجلي الأعلى هذا هي لغة اشراقية ساحرةتجعلك ترى وحدات النص تنزل من مكان عال و ليست شيئا مكتوبا على ورقة أو شيئا مقروءفي الزمان و المكان ، إنها لغة السحر .

في قصيدة ( إليك تصعد القصيدة حبا ) المنشورة في مجلة تجديد

إليك تصعد القصيدة حبا ؛ رشا السيد احمد المفتي

بلغت الشاعرة الفذة رشا اهلال السيد احمد درجات جد متقدمة و متفردةفي الشكل الابداعي تحقق بصمة و حضورا في فن التجليات الكتابية

فالعنوان يكشف عن تلك النزعة التجلياتية و ذلك الاستغراق فيالعوالم الماوراء نصية ، إن العنوان وحده و كما هو ظاهر مقطوعة ( ميتاشعرية ) تبينو تؤسس الى نظرية التجلي في تكوين القصيدة ، و بخلاف ما يمكن أن نفهمه من أنالقصيدة تنزل من الأعلى إلى النص فإنها عند رشا هلال تصعد إلى المثل ، و في الواقعهذا العنوان أو بالاصح المقطع وحده يجمع المستويات الثلاثة التي أشرنا اليها ،ففيصعود القصيدة إلى المثال يتحقق المستوى التجلياتي العلوي المافوق كتابي و فيميتاشعريتها يتحقق المستوى الماوراء نصي و في رابطة الحب المبثوثة هنا يتحقق مستوىتجلي الروح و الذات.

إننا حينما نعمد الى بحث فن التجلي في الكتابة ليس فقط نحن نحاولأن نبين القدرة الابداعية الكبيرة للمؤلف ، و أنما نريد أن نبين أنه يمكن أن تكونللغة طاقات غير معهودة في التعبير ، و أننا و بكل صراحة يوما بعد يوم نجد الشعرالسردي هو الأقدر على تحمل هكذا طاقات و إبداعات و أن النقد التعبيري هو الأقدرعلى كشف هكذا أنظمة و عوالم تعبيرية .

ثم تتبع رشا هلال هذا العنوان أو البيان بمقطع تجليات آخر و منمجال معنوي مقارب في الميتاشعر الماوراء نصي و الحنين الروحي و الشخصي والصعود والإرتحال الى المثال و العوالم المافوق كتابية العليا حيث تقول :

( ما زلت أذهب بعيدا ارسم ظلالقصيدة شفيفا كم هو بنكهة الشرق وبرائحة مدينتي العتيقة ) *

إن من ميزات كتابة رشا هلال و التي يلمسها المتتبع أنها تعتمدالموجهات الدلالية الراسمة ، أي انها لا تعمد فقط عن التعبير العام و الاجمالي بلتعمد الى تفصيلية تعبيرية تصل الى أدق التفاصيل ففي عبارة ( ما زلت أذهب بعيداارسم ظل القصيدة شفيفا ) نجد مجموعة من الموجهات الدلالية التي وجهت مجال المعنى ومجال المعارف ، و بإسلوب الرسم بالكلمات جعلتنا نتصور ذلك النظام أو الحالة التيعليها الكاتبة ( فالذهاب ) هنا ليس أي ذهاب و إنما هو ذهاب ( بعيد ) كما إنه ليسمجانيا و لا ماض و إنما هو ذهاب ( ما زال ) مستمرا ، وهذا الذهاب و أن كان للرسم ،إلا إنه لرسم ( ظل ) و ليس أي ظل بل هو ظل ( القصيدة ) و لا تكتفي رشا هلال عندهذا الحد من الرسم بالكلمات ، بل أيضا تخبرنا إنه ظل ( شفيف ) ثم تنتقل الى بيانحالة شعورية و موقف شعوري تجاه هذا النظام و تجاه الشرق و رائحته و مدينتهاالعتيقة .

و هنا نجد التجليات حاضرة ، فالذهاب البعيد لأجل قدرة الرسم هو منتجلي العالم الشعوري الفوق كتابي العلوي و القصيدة و ظلها و رسمه و تعبيرية ورمزية تلك الكيانات من مجال التجلي الماوراء نصي ، و الموجهات الدلالية من ( بعيداو شفيفا ) هو من تجلي روح المؤلف و مشاعره و الذي تتوجه الشاعر بعبارة (كم هوبنكهة الشرق وبرائحة مدينتي العتيقة )

و إن لكلمة (كم ) هنا طاقة دلالية هائلة ، فمع إنه أداة رسم للشعور، و أداة بيان لحقيقة ان ذلك الظل الشفيف انما هو في اروع حالاته بنكهة الشرق ،وهي أيضا إعلاء لما ترتبط به مشاعر الكاتبة من الشرق و مدينتها العتيقة و فيالنهاية كشف عن حب و حنين لتلك الوجودات الغالية .

أن فن توجيه الدلالة و فن الرسم بالكلمات هو من الفنون الكتابيةالفذة و الرائعة ، و التي تعطي للنص عذوبة و ألفة ان صيغت بصورة حساسة و مليئةبالشعور كما نجده واضحا في كتابات رشا هلال

ثم تتابع رشا هلال ملحمتها التجلياتية في عبارة ( أعود ، أجد الوجودقصائد تهرول وجعا ، تزحف بظلها ،ابتعد عنها .. ) وهنا تتراكم و تجتمع العوالمالمتجلية و تتحقق اللغة الراسمة بالموجهات الدلالية ، فإنها تعود فتجد الوجودقصائد لكنها ليست ككل القصائد بل قصائد تهرول ، إنها تهرول بسبب الوجع ، بل إنهاتبلغ حالة الزحف

و في مقطع مشاعري وجداني تتجلى فيه ذات الكاتبة تقول الشاعرة (يعود ذاك العندليب بقصفة ياسمين يبللها المطر والرصاص ..يغفو في شرفة القصيدة..أضحك بسخرية على خيبات الدنيا .. أبحث عن ضحكتي الوردية في الحكايا المؤجلة .. فيمهد الأحلام
ألملم أجزاء الليل المنكسر بأنين التشظي .. ) وهنا تبلغ الشاعراقصى حالات البوح و أقصى حالات التجلي للذات ، إنها التعبيرية الكاملة و الموقفالكامل تجاه الوجود و الأشياء و الزمن ، و يعرف المتتبع لرشا هلال إنها من الكتابالتعبيريين ، فهي تأبى أن ترى العالم إلا بالرؤية الخاصة و تأبى أن تكتب عنالأشياء إلا وفق الرؤية الخاصة بها فتسمي الأشياء بأسماء من عالمها و تضفي عليهاصفات من داخلها، فتكون الأشياء واضحها و غامضها عند رشا هلال معان مختلفة مغايرةعما نعرفه و نفهمه ، وهذا المقطع و ما تقدم كاشف عن تلك التعبيرية الواضحة

و مثله مقطع ( …والقمر السكران بجمال القمم .. يتدحرج على وجهالبحيرة الغربية ( …… و من ثم يأتي موجه دلالي و أداة راسمة متمثلة بكلمة (هنااااك ..) و التفصيل هنا يطول اكتفينا بالإشارات ، ثم و ببراعة تجمع رشا هلالبين عوالم الروح و الذات و بين العوالم المثالية و المافوقية مخاطبة المثال ( وأناأنا .. انظر في وجهك أرى النجوم تسجد لك .. وفي كفك وحدك لؤلؤة الحياة ..) وهذاإضافة الى كونه نظام تجلّ واضح فإنه رسم بارع بالكلمات و بوح أقصى تجيده رشا هلالالسيد احمد المفتي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع