البعد الفلسفي في ديوان(الدمى المتناحرة)للشاعرة سعاد سحنون

23

البعد الفلسفي في ديوان (الدمى المتناحرة ) للشاعرة سعاد سحنون من الجزائر
الناقد / محمد رمضان الجبور / الأردن

قد يتبادر للذهن أحياناً لماذا وقع اختيارنا على الجانب والبعد الفلسفي لديوان الشاعرة سعاد سحنون (الدمى المتناحرة ) ، وسرعان ما يزول هذا التساؤل عندما نعلم أن الشاعرة قد نوّهت في إهدائها الثاني ، ففي الديوان إهداء أول إلى أصحاب الفضل عليها ، الوالدين والأخوة والأساتذة والدكاترة والإهداء الثاني ، الإهداء الفلسفي فقد أهدت الشاعرة ديوانها إلى” أرواح العظماء الذين قدموا عقولهم قرابين من أجل الفكر “سقراط” وه و يشرب سم الشكران، من أجل الفضيلة إلى الإنسان في كل مكان وزمان “هيجل” الذي علمني معنى الجدل وأن أجمع بين النقيضين، صراع الأضداد يمنحنا معنى جديدا وه و الإبداع والابتكار روح “فولتير” وه و يحطم كل هيلمان الكنيسة الظالمة إلى روح الآمي ر عبد القادر الجزائري الذي علمني مفهوم التسامح وفقا للشريعة الإسلامية، العظماء كثر..” .
فهذه عتبة من العتبات الداخلية للعمل الأدبي تلفت انتبته المتلقي أو القارئ لما يضم محتوى هذا العمل ، فهذا الإهداء ما هو إلا إشارة واضحة لكوامن نفس الشاعرة التي تميل وتعشق الفلسفة وتوظفها بحس الشاعرة التي تتقن اختيار الموضوعات المناسبة . ولا ننسى عندما نقرأ سيرة الشاعرة الذاتية أنها من الذين درسوا الفلسفة بل ومن الذين يحترفون تدريسها ، وهذه علامة أخرى ، من هنا كان علينا أن نعرّج على الجانب والبعد الفلسفي في ديوان الشاعرة (الدمى المتناحرة ) ، ففي القصيدة التي عنونتها الشاعرة أسطورة الخلود ومن باب السكون والليل والذكرى ، ففي القصيدة تتحدث الشاعرة عن فكرة الخلود التي لم يخلُ عصر من العصور إلا وكانت في صدارة الموضوعات الفلسفية ، وفي القصيدة بعض المفردات التي لها دلالة فلسفية ، فأفعى جلجامش من الأساطير البابلية وهو الثعبان الذي سرق نبتة الحياة من بطل الأسطورة البابلية :
” أتوهم بداء الخلود
والحزن دمعة ترفرف
تقف ز من عين المرايا
أفعى جلجامش
تختطفني عشبة
لتقدمني قربانا
للا أحد سوى الفناء
أيها الصّراخ البشري
الناطق الأصم
متى نرمم ذكرياتنا المشلولة
ونتوسل عطف الخيال
وجنون التراب
المنقوع في محابر النار
توقعه فلسفة الوهن” .
وفي قصيدة (الابتسامة المشلولة ) نلمح البعد والجانب الفلسفي في كل أجزاء القصيدة ، فعنوان القصيدة يوحي بالبعد الفلسفي للقصيدة ، المفردات والصور الشعرية تدعو للتأمل والتأويل ، التشاؤمية الفلسفية تطغى على جو القصيدة ، والتشاؤمية الفلسفية أو كما يسمونها أحياناً الكلبية مذهب فلسفي أسسه الفيلسوف أنتيستنيس في القرن الرابع ق.م.، وهو أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط ، :
“بائس هذا الحلم
الذي يجر ذيل خيباته المتتالية
بائس وجه التاريخ الموحش
مضطرب الأجواء مدبب
كأسنان يمزقها الألم
كوقار ملتحف بالبكاء
وندم عقيم” .
ثم تتابع الشاعرة في رسم صورها التي تصور نفور الشاعرة وتشاؤمها من هذا العالم ، سواد وانحطاط ، ونجوم عشبية تزهر أوراماً خبيثة ، وتصبح الأرض ملحمة هوميرية في دلالة فلسفية لملجمة هوميروس ، ملحمة شعرية تحكي قصة حرب طروادة وتعتبر مع الأوديسا أهم ملحمة شعرية إغريقية للشاعر الأعمى هوميروس المشكوك في وجوده أو أنه شخص واحد .
” في السواد.. وفي الانحطاط
تنفطر سماء الألم نصفين
متكاملين
والتضاد يجمعهما
نجوم عشبية تزهر أ وراما خبيثة
تتسلل ككومة خبث يزحف
بين شقوق البشر
والأرض ملحمة هوميرية
بطلها التشرُّد والجوع
واللجوء سيد الموقف
يرسم ابتسامة مشلولة
على وجه الذل والغربة
يشهد الرّضيع القابع بداخلنا
انهزام جيوش الحلم
يشهد انقطاع أنفاس البراءة
تحت ركام الظلم المتعمد
وركام الصمت، وجبروت الأنا ”
تكثر المصطلحات والرموز الفلسفية في ديوان الشاعرة سعاد سحنون ( الدمى المتناحرة ) فنادراً ما تخلو قصيدة من الرموز والمصطلحات الفلسفية فتجد مفردات مثل : النرجسية ، السادية ، الماشوسية ، الأنا …وعيرها
ففي قصيدة (حقد دفين ) ترتكز الشاعرة على مفردة ومصطلح الأنا الفلسفية ، فالانا ا في التحديد الفلسفي كلمة تطلق على الذات المفكرة الواعية والعارفة لنفسها والتي يأتي في مقابلها
الموضوعات الأخرى التي تتميز عنها ، وقد وظفتها الشاعرة في أكثر من قصيدة منها قصيدة (الحقد الدفين ) :
“أقبع خلف زجاج الأنا
تفضحني عين الغزال الدامعة
تزمجر في سوق الغاب
حياة بائسة
لتقبلني كما أنا
كما لست أنا
كما ليت أنا” .
وفي قصيدة غريق في الضباب تقول الشاعرة :
“نغرق في ضباب الطمع
ونسبح في ملكوت الأنا
نقفز فوق دهشة دمعة
وتعجب سؤال
واحتراق سائل
لا هو ماءٌ
ولا هو هواء
هو شبه إنسان
يتعرق ألماً ”
يبقى أن نقول أن ديوان الشاعرة سعاد سحنون قد سلك طريقاً ومنهجاً فيه الكثير من الجمال ، فقد أبدعت الشاعرة في نسج الصور الشعرية التي تناسب طبيعة الموضوع ، بالإضافة للخيال الخصب لدى الشاعرة أضفى على الديوان المزيد من لمسات الجمال ، وقد خاطبت في هذا الديوان الحياة والإنسان والألم والسعادة ومفردات كثيرة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع