الانتقــــام الأبيـــــــض

103
قصة قصيرة
الانتقــــام الأبيـــــــض
بقلم / صبحه بغوره


جلس حسن ينظر إلى ما حوله وكأنه يكتشف الأبعاد الحياتية لأول مرة ويتأمل صور ابنه رفيق وبنتيه بثينة وميساء ، يحدق فيها بعين دامعة امتزجت فيها الغبطة والحنين إلى تلك الأيام الخوالي، لم يكتف بتلك الحدود الزمانية التي تقيده بل يعود أكثر إلى الوراء ،انه يشتاق إليهم كثيرا في وحدته بهذه الصحراء الموحشة ،نعم انه وسط الكثيرين معه في العمل في هذه الشركة البترولية الكبيرة يعانون جميعا نفس المعاناة لكنهم على الأقل صابرون لأنهم يحتلون مناصب عمل كبيرة وبمرتبات مغرية وهو ليس إلا مجرد عامل نظافة أتى إلى هذا المكان لأنهم يدفعون له أكثر مما كان يعمل بالمدينة، كان حسن يزور عائلته مرة كل الشهر وكان يسره كثيرا أن يجد أطفاله مواظبون على الدراسة بكل جد، لم يكن هو وزوجته يحملوهم هموم الحياة وربما هذا ما جعل الحياة تسعى لنيل القصاص لأنه لم ينتهك حقها ولم يصرخ،لا تنقصه العزيمة والثقة بالنفس وربى أطفاله على نمط تربيته، لأنه إنسان صالح ابنه رفيق متفوق ومتقد الذكاء وحول القهر القابع بين جوانحه كلما رأى والده يخفي آلامه وراء ابتسامة حنونة لأطفالهم إلى رغبة في فرض تفوقه ، ومرت السنين وكبر ودخل رفيق الجامعة وواظب على تحصيل العلم ، لم يكن يرى والده كثيرا ليشعر بحنانه ودفء أحضانه، ولما كان الفصل صيفا والناس هائمون والحر يدمر كل الأفكار الساذجة منها والعبقرية حرص رفيق كعادته منذ سنوات على عدم تفويت الفرصة واغتنام العطلة ليعمل بالنهار بائعا في إحدى المحلات التي اعتاد صاحبها السفر رفقة عائلته في هذه الفترة من العام ،كان يأتمنه على رزقه وماله ، وفي الليل يلجأ إلى متنفسه الوحيد وملاذه المفضل وهو دراسة اللغات حتى يبتعد عن الفراغ ويتجنب الملل، وفي خضم هذا التداخل في أحداث حياته دخل عليهم والدهم يوما على غير عادته ،انه مصاب بوعكة ، آلام صدرية إصابته بعدما استغنت عنه الشركة بأوامر من مديرها الجديد الذي يصفه حسن بالمتغطرس والجبار، كان ذلك لما علم أن له ابن مهندس على مشارف نيل شهادة الدراسات العليا في مجال البترول وكان يردد على مسامعه باحتقار أنه من المفروض أن يكون أبناء الفلاحين والمنظفين أمثال آبائهم يخلفونهم في عملهم وليس مكانهم رفقة أبنائنا بالجامعات، وكان يتعالى ويتفاخر بأنه أرسل بنتيه للدراسة بلندن بعيدا عن أبناء الطبقة الكادحة والضعيفة ولن يدرسا وسط الحثالة، التفت الى ابنه وقال : ” أتدري يا بني رددت عليه بأن بنتيه تدرسان في لندن بأموال شقانا وتعبنا المسلوبة وحقوقنا المهضومة ” فما كان منه إلا أنه وجد السبب الكافي لطردي وقال : “إن أردت أرسلت لابنك يأخذ منصبك في العمل ..” نظر رفيق إلى والده يريد أن يهون عليه : ” لا تحمل الهم يا أبي لقد أنهيت دراستي بامتياز وأنا أعمل بجد حتى أوفر جهاز أخواتي البنات سأكمل أنا المشوار انه دوري يا أبي لقد تحملت الكثير من أجلنا ،عليك الآن بالراحة والاهتمام بصحتك ” لكن لحسن كان قد فقد فعلا السعادة وهو يشعر أنه لم يستطع أن يكمل مشوار أولاده كان ينعزل في إحدى زوايا غرفته وأصبح يفضلها على غير العادة مظلمة دائما فلا يحيط نفسه الا بذلك الفراغ الرهيب ،ولا يحمل في طياته إلا مزيدا من الوحدة القاتلة ، لقد تمكن في ظروف صعبة من تزوي بنتيه وبرحيلهما عنه، لم يبقى له إلا ابنه رفيق وهو مشغول بالنهار والليل ، بكى حسن وملأت جفونه الدموع ، وفجأة أحس بعسر شديد في صدره فقبض عليه بقوة وأخذ أنفاسا سريعة ومتلاحقة ليقهر موجة الألم في نفسه ، تضاعفت عليه الآلام وزادت حدتها حتى وافته المنية، تتبع رفيق جثمان والده المسجى في نعشه صامتا وأضفى رهبة ومخافة الناس في صمته دفين، الموت له قدسيته ، ساعة من ساعات الله ، إنها جثة والده يراها ممددة أمامه،لا حراك بها ، يتذكر كيف رآه صباحا قبل أن يذهب لعمله وهو يقدم له منحة عمله البسيطة التي أحيل بها على التقاعد المبكر أو بالأحرى على الموت المؤجل . مرت الأيام ثقيلة والنار تأكل قلب رفيق ممن كان السبب في قهر والده وموته ، اتصل رفيق بالشركة التي كان يعمل فيها والده وطلب من مديرها العمل منظفا كما كان والده ، سر المدير لما سمع ووافق على الفور وأخبره أنه كان ينتظره منذ سنين ، هم رفيق يودع أمه التي ألف حضنها وتعلق بصدرها رضيعا حتى كان صعبا عليها فطامه وسيبقى حنينه لأول حضن احتضنه بعدما اشتد عوده ونال نصيبه الوافر من العلم ، شرع رفيق في العمل في ذلك المكان النائي ،عاش وشاهد تسلط الرؤساء وتجبر العاملين ، لمس عن قرب كيف كان يعاني والده وكيف كان يعيش بعيدا عنهم من أجلهم .
في أشد أيام الصحراء حرارة تلقى مدير الشركة اتصالا هاتفيا من لندن أن الشرطة وجدت بنتيه مقتولتين بشقتهما في حادثة سطو، فسافر على عجل ، وسرعان ما انتشر الخبر في الشركة ، تأمل رفيق وجه السماء مرددا أن الله يمهل ولا يهمل ، مرت أمامه حينها صورة والده الذي أحدث برحيله شرخا رهيبا في حياته ، رحل دون أن يقول شيئا ، لم يلفظ كلمة واحدة يوصي بها، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها، ، وقرر أن يشرع على الفور في اتصالاته لتكوين ملف عمله الجديد وفق شهاداته العليا المتخصصة في ذات مجال نشاط الشركة وسرعان ما استلم مهام عمله الجديد لسد الفراغ ومن مكانته الإدارية الجديدة كانت الفرصة مواتية له ليتمكن من الاضطلاع على أدق تفاصيل ملفات الإدارة المالية والمحاسبة
لدى عود المدير متأخرا من لندن كانت صدمته شديدة لما رأى رفيق في مكانه بالمكتب جالسا على نفس كرسيه يراجع أوراق ملفات مكدسة أمامه بكل تمعن دون أن يعير لدخوله أدنى اهتمام ولا لكلماته الجارحة وهو يتوجه نحوه، وقبل أن يتقدم منه أكثر أو يبدي أي مزيد من تعليقاته سلمه رفيق ودون أن ينظر إليه ورقة علم منها أن مصابه أصبح مصابين بعد صدور قرار وقفه عن العمل بتهمة الإهمال الإداري واستدعائه للتحقيق بعد ثبوت تلاعبه في أموال الشركة ومن حقوق العاملين ، رفع رفيق رأسه نحوه بنظرة حملت أكثر من معنى ثم أخبره بهدوء وهو يعود لمواصلة تفقد الأوراق بين يديه أن أولاد الفقراء والبسطاء لهم الحق في تبوأ مراكز المسؤولية الكبيرة بجهدهم وبعلمهم، نظر إليه المدير وهو يهم متثاقلا بالانصراف نظرة انكسار وعينه لا تغادره غير مصدق أن ابن عامل النظافة تمتع بكل هذا الصبر وكل هذه الإرادة القوية في الانتقام .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 1 =

آخر المواضيع