الانتظار بلا أمل:قراءة انطباعية في قصيدة”لم تعد”للشاعر إبراهيم قار علي

51

شدري معمر علي/

الانتظار بلا أمل : قراءة انطباعية في قصيدة ” لم تعد ” للشاعر و الإعلامي
إبراهيم قار علي

الكثير يعرف إبراهيم قار علي كإعلامي لا يشق له غبار ولكن كشاعر ربما القليل
من يعرفه و رغم متابعتي الساحة الثقافية على مدار أكثر من عقدين لم أجد من
الكتاب والناقدين من كتبوا عن هذا الصوت الشعري المتألق و عندما اطلعت على بعض
قصائده على هذا الفضاء الأزرق اكتشفت شاعرا من طراز الكبار متحكما في أدواته
الفنية والشعرية ، ويكتب بلغة أنيقة شفافة أصيلة تنفذ إلى أعماق القلب فالصورة
الشعرية حاضرة بقوة في قصائده فالشعر في جوهره هو تصوير فني والشاعر فنان
أداته اللغة ذات الدلالات العميقة ..وقبل أن نلج إلى عالم القصيدة ” لم تعد ”
نقدم للقراء نبذة عن حياة ومسيرة شاعرنا صاحب التجربة الثرية والخبرة الطويلة
إعلاميا وثقافيا ..فمن هو إبراهيم قار علي ؟
“إبراهيم قارعلي ، كاتب صحفي ، تخرج في جامعة الجزائر كلية الإعلام وواصل
دراساته العليا في قسم التاريخ وتخصص تاريخ الثورة الجزائرية ، ولد عام 1968
شرق الجزائر العاصمة .
يعد إبراهيم قارعلي من شعراء جيل الثمانينات ، حيث عرف باسمه الأدبي الحاج
إبراهيم قاسم ، وله في هذا المجال ست مجموعات شعرية . وهي لحن الخلود ، رباط
الخيل ، شهادة ميلاد ، نزيف الذاكرة ، الزيتون يحضن غصنه ، مواويل غجرية ، و
كان الشاعر قد شارك في العديد من الأمسيات الشعرية خلال مختلف الملتقيات
الأدبية ، كما نشر في عدة جرائد ومجلات أدبية جزائرية وعربية.
وقد اشتغل في الصحافة وانشغل بها ، وخاصة الصحافة المكتوبة ، حيث ساهم في
تأسيس العديد من الصحف الإخبارية اليومية ، ومنها جريدة الجزائر اليوم والحوار
وصوت الأحرار والمحقق والأخبار والشروق اليومي ، حيث تقلد في العديد منها منصب
رئيس التحرير. وكتب في العديد من الأنواع الصحفية ، من خبر وتحقيق واستطلاع
وحديث وتعليق ، وقد برز في كتابة الافتتاحية والمقال التحليلي والعمود الصحفي
بعد تجربة إعلامية ثرية .
شرع في نشر سلسلة من الإصدارات التي توثق أعماله الإعلامية خاصة في مجال
الصحافة المكتوبة ، ومن ذلك كتاب ، كلمات عابرة ، الذي يضم بعض مقالاته
الصحفية في الشأن الإعلامي والسياسي والذي صدر عن دار الغرب والذي كتب مقدمته
الروائي الجزائري الكبير المرحوم الطاهر وطار.
على الصعيد ، السياسي ، اقتحم إبراهيم قارعلي العمل البرلماني ، حيث انتخب
نائبا بالمجلس الشعبي الوطني خلال الفترة التشريعية السادسة (2007-2012) كما
تولى في هذا السياق منصب مقرر لجنة الثقافة والاتصال والسياحة ، وهذا ما جعله
يترك بصماته في القانون العضوي المتعلق بالإعلام.
برز الإعلامي إبراهيم قارعلي في السنوات الأخيرة في كتابة لون إعلامي جديد ،
تحت عنوان جداريات ينشرها بشكل آني على صفحته التواصلية الاجتماعية ، وهي
كتابات مختصرة أشبه بالومضة ، يرصد وينقد من خلالها الواقع السياسي والاجتماعي
والثقافي والإعلامي ، بلغة أدبية ساخرة ، التف حولها الكثير من القراء
وتلقفتها العديد من الجرائد الورقية والقنوات التلفزيونية والمواقع الإعلامية”
.
وفي قصيدة ” لم تعد ” وهي قصيدة رثائية بكائية كتبها في الذكرى الثانية لوفاة
والده تتكون من أربع وعشرين بيتا تتفجر كلماتها بالألم ووجع الانتظار الميؤوس
منه :
يقول الشاعر مستهلا قصيدته :
ذكراك عادت كيف لي أنساكا
عاد الجميع و لم أعد أيناكا
لا يملك الشاعر إلا هذه الذكرى التي تفجر فيه الحزن والشاعر أصلا لم ينس والده
فهو حاضر معه في وجدانه و في روحه فالجميع بعد الدفن عادوا ولكن الشاعر المرهف
الحس لم يعد فقلبه هنا عاد جسدا ولكن روحه تحوم على قبر والده ..
وقمة الألم والحسرة مع تجدد الذكرى قد ينسى الشاعر قليلا وتأخذه مشاغل الحياة
لكن بتجدد الذكرى تنزف روحه وتحترق أعماقه فثمة لهيب الفقد والوداع بلا أمل في
لقاء قريب .
يقول الشاعر متوجعا :
تتجدد الذكرى وينزف جرحها
واحر قلبي من لهيب جواكا
و أمام هذا الفقد الموجع لم يعد يملك الشاعر إلا هذه الذكرى الأليمة يقرع
بابها علها تفتح له ليلج إلى عالم والده فيلتفت إليه فيحتضنه ويبكي على صدره
باثا مواجعه وانكساراته .
ويجسد الشاعر هذا الأمل الكاذب في لقاء والده في هذا البيت الحزين :
مالي سوى ذكراك أقرع بابها
إني أمامك فالتفت لأراكا
ولم يكن هذا انتظار يوم أو يومين بل انتظار سنين فهو ينتظر والده وليس ذكراه
فهذا الهروب إلى عالم المستحيلات يريح قلب الشاعر و يخفف عنه بعض الوجع ولكن
في حقيقة الأمر ، هو انتظار بلا أمل
يقول : إني انتظرتك من سنين ولم تعد
إني انتظرتك أنت لا ذكراكا .
فالوالد دوما حاضر في خاطر الشاعر حتى ولو حاول النسيان فلن يستطيع فهو يريده
وحده لا يريد سواه وهذا التعلق الشديد بالأب يدل على حبه و تقديره ووفائه لمن
رباه وتعب من أجله وهذا قمة البر والوفاء
ويجسد هذا في هذين البيتين من القصيدة :
بل أنت دوما حاضر في خاطري
حتى ولو أنسى فلن أنساكا
ماذا تفيد الذكريات وقد أتت
إني أريدك لا أريد سواكا .
فالشاعر رغم تيقنه أن والده مدفون في الثرى إلا أنه يراه في الثريا بعيدا في
السماء يمشي هنالك ، يسكن الأفلاك ..و كأن الشاعر يعلم الحقيقة المرة أنه لا
يستطيع ان يلتحق بوالده فهو يتوسل أن يأخذه إليه فهو وحيد يعاني العزلة والفقد
.
ويرسم لنا بكلماته المرتعشة من الفقد والحنين هذه المأساة فيقول :
إني رأيتك في الثريا لا الثرى
تمشي هنالك تسكن الأفلاكا
خذني إليك فإني وحدي هنا
أرجوك خذني حيث انت هناك
من شدة الوجع والألم والانكسار فقد الشاعر ظله فظله امتزج بظل والده فأين
يحتمي و إلى أين يأوي فقد فقد كل شيء ..
يقول : الظل ظلك ليس لي ظل هنا
آوي إليك و احتمي بحماكا
وينتقل بنا الشاعر فجأة إلى عالم الطفولة البريئة وهو يلعب بدميته والتراب
فيمتزج ماضي الأب بمستقبل الشاعر الابن وبحاضره فكيف لا فلولا الأب لما كان
وجود الشاعر .
يقول : مازلت ألعب بالتراب ودميتي
طفل صغير والتراب ثراكا
ماضيك في مستقبلي بل حاضري
يا أنت إني لم أكن لولاكا .
ويوهم الشاعر نفسه بأنه سيتوقف عن البكاء وتكون هذه آخر العبرات ولكن في ظلمات
الليل تفضحه الدموع التي تعطر وسادته و لا أحد يسأل عن سر بكائه وحزنه لكن
الليل رفيق الشعراء والمعذبين رحمة بالشاعر يسأله عن سبب بكائه ..
يقول الشاعر مصورا هذا المشهد الدرامي بلغته الشعرية النازفة :
هي آخر العبرات تنزف مقلتي
حتى تقر برؤيتي عيناكا
وتعطرت من مقلتي وسادتي
والليل يسأل ما الذي أبكاكا
الدمع يفضحني ويفضح مقلتي
رفقا بقلبي اليوم ما أقساكا .
مع لوعة الفقد فالحياة خريف مستمر فلا ربيع في الأفق حتى الورود المتفتحة
فأكمامها أشواك ..و أيام الشاعر مثل أوراق الخريف تتناثر يجري وراءها دون جدوى
..
يقول الشاعر :
هذا خريف لا ربيع في الحمى
هذا يطارد في المواسم ذاكا
تلك الورود غريبة أشكالها
قد فتحت أكمامها أشواكا
تتناثر الأيام أجري خلفها
تجري ورائي ما استطعت حراكا
فالشاعر فقد شرب من أكؤس الاسى والحزن حتى الثمالة فلم اللوم فهذا الصاحب
المعاتب لا يدري فداحة الفقد ومرارة أن تنتظر حبيبا طواه الردى بأجنحته
القاسية وهو في سفر بلا عودة ..وحتى الشاعر يريد أن يضع حدا لهذه الرحلة
الشاقة هذه المكابدة الروحية
يقول الشاعر :
الحزن يتبعني كظل هارب
مهلا كفاني ما جرى وكفاكا
ولقد شربت وكم ثملت من الأسى
يا صاحبي ندماي او ندماكا
لا لا تلمني لست أنت بعاذلي
ما كنت تدري بل و ما أدراكا
مهلا رويدك قد تعبت من السرى
يكفي من الترحال ألق عصاك
وفي ختام القصيدة يخاطب الشاعر أباه خطابا أخيرا واصفا إياه بالريحانة وكم
سيفرح لو يلقاه وهو مستعد أن يفديه بروحه من أجل لقاه ولكن هيهات هيهات
يقول الشاعر :
ياروح روحي أنت يا ريحانتي
يا فرحتي بك لو أنا ألقاك
لك مهجتي لو كنت تقبل فديتي
لو كان يجديني لكنت فداكا .
استطاع الشاعر في هذه القصيدة البكائية الحزينة أن يصور لنا مأساة الفقد و
الانتظار بلا أمل و عذابات الذكريات النازفة فقد أبدع الشاعر بلغة فصيحة
معاصرة أن يصور لنا مشاعره و أحاسيسه فجاءت القصيدة محكمة البناء لغويا و فنيا
وموسيقيا فالكلمات الموظفة في القصيدة تتماشى مع الأجواء النفسية الحزينة
فكلمات مثل (الذكرى ، النسيان ، تنزف ، اللهيب ، الوحدة ، العبرات ، الليل ،
القسوة ، الخريف ، الأشواك ، الحزن ، الثمالة ، الأسى ، التعب ، الترحال )
فهذا القاموس الذي استعمله الشاعر يخدم عوالم القصيدة الفنية فيشعر المتلقي
بصدق أحاسيسه و كأن الشاعر يشاركك مأساته وفقده فتحتضن قصيدته و تتفاعل معها و
إذا وصل الشاعر إلى هذه النتيجة فقد حقق هدف الشعر وغايته الإنسانية النبيلة.

* الكاتب والباحث في التنمية البشرية شدري معمر علي *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع