الاعتراف المتبادل

( لورنز: نظرية السمك سلوك يفيد عادة في منع سفك الدماء)

52

الاعتراف المتبادل
( لورنز: نظرية السمك سلوك يفيد عادة في منع سفك الدماء)

علجية عيش

الاعتراف يعني الإقرار بالخطأ أو الجريمة المرتكبة في حق فرد أو جماعة، و هو الاعتراف بالحقيقة دون محاولة تدنيسها، هذا عند العامة من الناس، أما عند الفلاسفة و منهم هيغل فهو التجربة الإنسانية المتضمنة وعي كل ذات بأن حريتها محدودة بحرية الذات الأخرى المشاركة لها في الحياة الإنسانية، فهناك صراع ذوات للحصول على اعتراف متبادل بهوية كل واحد، أما و أن الطرفان يتقاسمان نفس الهوية فالصراع يكون بأشكال مختلفة و يأخذ له طابعا معينا أكان ديني او سياسي بدل من أن يحدث تفاعلا بينهما، حيث ظل كل واحد ينتظر الآخر ليبادر بالاعتراف، و الإعتراف طبعا يتبعه اعتذار.
و إن كان الصراع بين دولة و أخرى في مسألة الإعتراف/ الإعتذار ( فرنسا و الجزائر ) فالصراع كذلك بين السلطة و المعارضة داخل الدولة نفسها أي الصراع بين السلطة و المعارضة، إذ نجد كل طرف يتعنت لموقفه من أجل البقاء أو انتزاع حق مغتصب، هو صراع تتناقض فيه الإرادات و تتحول فيه العلاقات الإجتماعية إلى نزاع و اقتتال دائم بين الأفراد، يحاول الفرد أو الجماعة العمل بالنظرية الميكيافيلية أو نظرية التآمر، إنه الغرور بالذات الذي يولد الكراهية و العدائية، هذا الصراع كما يشير الفيلسوف هوبز نشأ منذ تأسيس المجتمع السياسي و ظهوره في الساحة، والواقع أن هذا الصراع تولد منذ نشأة البشرية و لنا في الاقتتال بين قابيل و هابيل.
و الإعتراف يختلف من مجتمع إلى آخر، فكل جماعة سعت نحو تحقيق ذاتها على نحو أنانيٍّ، فالإعتراف في المخيال المسيحي هو أن يقرَّ الإنسان بخطيئته أمام الله ، هذا الإعتراف مشروط بالتطهير، تطهير الجسد من الخطيئة، والتخلي عن “العبثية”، وهذا النوع من الإعتراف هو اعتراف دينيٌّ و لذا قدم المسيح عيسى ( في المخيال المسيحي) نفسه قربانا ليرفع الخطيئة عن البشرية، أما في الإسلام فقد بدأ الصراع بين الصحابة من أجل الخلافة بعد وفاة النبي صلعم، و توارثت الأجيال هذه الصراعات جيلا بعد جيل، ، حيث اتسمت حياة المجتمع المسلم أو المجتمع الإسلامي بالعنف، إن الانقسامات التي تقع في المجتمعات مردها الفهم السيئ للحقوق و الواجبات للهويات، حيث لم يعد هناك اعتراف بالهويات ـ التي صبغت بصبغة سياسية، فالجماعات الإسلامية على سبيل المثال لا الحصر لا تعترف ببعض الهويات كالعلمانية، و العكس، إذ نجد العلمانية التي تحارب الإسلام و تطالب بفصله عن الدولة تكن العداء لكل ما هو إسلامي، فوقع ما وقع من تقتيل و عنف مثلما حدث في الجزائر، من هنا نشأت العدائية لأن كل طرف متثبت برأيه و موقفه.
يرى فلاسفة و مفكرون أن العدائية تعود إلى الغريزة أو للظروف سواء كانت اجتماعية، اقتصادية أو سياسية تحيط بالفرد العدائيُّ النزعة، إلا أن علماء النفس الإجتماعي اختلفوا في تحديد مفهوم العدائية، و ركزوا فقط على دراسة العلاقات بين الأفراد و الجماعات، و العدائية في منظورهم تؤدي إلى الاعتداء على الآخر سواء كان هذه الاعتداء لفظي أو جسدي ، فيقع صدام بين الطرفين، قد يمتد الى استعمال السلاح، فهي سلوك يؤدي إلى أذية الآخر و هو التعريف الذي قدمه كثير من علماء النفس و منهم “دافيد باس” عام 1961 الذي يرى أنه بإمكاننا دراسة السلوك وحده لمعرفة طبيعة الفرد العدائي، ما يمكن قوله هو أنه لم يولد الإنسان عدوانيا و لا يوجد إنسان عدوانيٌّ بالفطرة و لكن الظروف حولته إلى إنسان عدواني و دفعته إلى القيام بأعمال عدائية، فما وقع مثلا في الجزائر من أحداث بدءًا من الربيع الأمازيغي إلى الحراك الشعبي مرورا بالعشرية السوداء خرج فيها الشعب الى الشارع في مظاهرات تحولت إلى عمل مسلح، كان له دوافعه الخاصة، لأن النظام الجزائري لم يمارس ثقافة “الإعتراف” بالحق كسلوك حضاري، حيث لم يعترف بفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 1990 و اغتصب حقها الشرعي في إدارة شؤون البلاد، و كان على النظام أن يمنحها فرصة للقيادة و في الأطر الديمقراطية و لا يصدر عليها أحكاما مسبقة، إن عامل التريث هنا ضروري جدا في معالجة القضايا الحساسة جدا بدلا من الاندفاعية.
قد يقول قائل لماذا يُقدَّمُ حزب الفيس بالذات كنموذج؟، و الجواب هو أن الجزائر عرفت حربا أهلية قاسية جدا شهد لها الرأي العام الدولي، عشر (10 ) اقتتال، كانت كافية لدمار ما بني و شُيِّدَ في 28 سنة بعد الإستقلال ( 1962-1990 )، انهارت كل البنى التحتية و المؤسسات و فشلت كل المشاريع الإقتصادية، ناهيك عن الخسائر البشرية التي حصدتها هذه الحرب، ثم أن هذه الحرب الأهلية لم تعشها باقي البلدان التي عاشت نفس التجربة و ذاقت من نفس الكأس الذي شربت منه الجزائر، المسألة هنا تكمن في معرفة من هو المُعْتَدِي و من هو المُعْتَدَى عليه ، فمن واجب المعتدى عليه أن تكون له ردة فعل، و من حقه أن يدافع عن نفسه و مشروعه .
لقد شبّه علماء السلوك ومنهم عالم النفس كونراد لورنز و هو من فيينا و يعد أحد آباء علم الأخلاق الحديث فصيلة السمك الفرنسي fish butterfly فهذا النوع من الأسماك يدافع عن نفسه و منطقته بشراسة أما الدخلاء من غير فصيلته، و في راي هذ العالم هناك طاقة عدائية في الإنسان يفجرها عندما تواجهه مخاطر او وجود قوى تهدده و تسعة الى طمسه، حسب نظرية لورنز فإن الخاسر في معركة ما إشارة استرضاء للمعتدي و تتضمن هذه الإشارة تعريض الخاسر لضعف جزء من جسمه للحيوان المنتصر و تنجح هذه الإشارة عادة في وقف المزيد من الاعتداء، و رأى “لورنز” أن هذا السلوك يفيد عادة في منع سفك الدماء، هذا ما وقع بين النظام و الفيس، و وقع في الأنظمة العربية الأخرى ( تونس و مصر و لبنان و العراق ) و قد ربط بعض المفكرين ردة الفعل بالدفاع عن الكرامة التي يكتسبها الفرد عندما تكون حقوقه مضمونة يتم الإعتراف بها كعضو في الجماعة و شعور المرء بقيمته تتمثل في احترام الذات le respect de soi ، فالشعب لما الت بالجبهة الإسلامية للإنقاذ و اعترف بمشروعيتها وجب على السلطة إذن أن تعترف بهذا الحق.
علجية عيش بتصرف ( للمقال مراجع)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع