الأديبة الإسرائيلية التي كشفت الغطاء عن التمييز العرقي في إسرائيل

202

الأديبة الإسرائيلية المعروفة ، شوشانا شريرا ، والتي تعد من اوائل الأدباء الاسرائيليين الذين تعمقوا بهذا الموضوع ، تركت خلفها كتابا مؤلفا يشهد على طبيعة التمييز العرقي والبربرية الشعواء في تل أبيب ، والذي ظهر جليا بعد انقضاء أكثر من قرن على ولادتها.

تحل علينا في هذه الأيام الذكرى الواحدة بعد المائة من ولادة الأديبة والصحفية الإسرائيلية ” شوشانا شريرا ” ( 1917 – 2003 ) ، والتي تعد من اوائل الأدباء الذين طغى موضوع الطائفية على نتاجاتهم الأدبية. شريرا وهي ابنة الحاخام والمستشرق ( شموئيل شريرا شراير ) ، قد ابصرت النور في مدينة ( كوفيلياكي ) في أوكرانيا ، هاجرت إلى فلسطين مع عائلتها وهي ابنة ثمان سنوات. تلقت تعليمها لأول مرة في فلسطين في مدرسة ” كاولا ” في تل أبيب . واكملت دراستها في ثانوية ” نورديا ” ، وانضمت إلى حركة شباب ” همحنوت هاعوليم ” . درست الأدب واللغة وعلم النفس في كلية الملك بلندن.

استهلت مشوارها الأدبي عام 1937 بنشر قصص في المجلة الأدبية ” كليونوت” ، التي كانت محررها الشاعر والاديب ” إسحاق لمدان ” . وبعد عام قام المحرر الأدبي لصحيفة ” هارتس ” أبراهام شلونسكي بنشر مجموعة مقالاتها تحت زاوية ” نساء في مجال الأدب “. كانت شوشانا قد نشرت بعض المجموعات القصصية وعددا من الروايات فضلا عن هذا كانت صحفية لامعة ، لها أثرها الكبير في العديد من الصحف والمجلات الإسرائيلية مثل ” هبوكير ، دافير …. وغيرها.

تعد المجموعة القصصية ” الضوء الأخضر ” التي نشرت عام 1947 باكورة أعمالها الأدبية ، وبعد مرور عقد نشرت روايتها الأولى ” خبز العاشقين ” عن دار نشر دافير ؛ أما كتابها الأخير الذي صدر في حياتها هي المجموعة القصصية ” قطع القش الصفراء ” الذي صدر في تل أبيب عام 1979 ، واعيد طباعته عام 2009 من قبل ابنة المؤلفة ” ايلات الغور غورفينكل ” عن دار نشر كرمل . وايلات هي من قامت باهداء ارشيف الأديبة إلى مركز ” كيف” المتخصص بالنقد الأدبي في جامعة تل أبيب .

ويحتوي الارشيف إلى جانب المؤلفات الأدبية المكتوبة بخط اليد ؛ أيضا كتاب ونتاج أدبي فريد من نوعه واسمه ” معرفة شخصية ، إذ يحتوي هذا الكتاب على توثيق رائع لسنوات ضياعها في تل أبيب إبان حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين على شكل العديد من اللقاءات التي اجرتها مع النخبة المثقفة من ” أدباء ، شعراء ، قضاة ، سياسيون ونقاد … الخ ” ومكتوبة بلغة رائعة ومنمقة.

ويحوي هذا الكتاب العشرات من الصفحات المطبوعة بالالة الطابعة مضافا إليها بعض التصحيحات والملاحظات المكتوبة من قبل المؤلفة ، والذي يشير على رغبتها في طبعه كتابا كاملا ولكنها لم تتكمن من ذلك. ومن خلال الحوار مع ابنتها ايلات ، أفادت حول أهمية الكتاب ؛ والذي طبع في نهاية الثمانينيات أو بداية التسعينيات من القرن العشرين ؛ لكون إن والدها قد تحدث حول أهمية الكتاب قبيل موته.

ومن خلال العديد من اللقاءات التي ذكرتها في الكتاب ، تطغى وجهات النظر الخاصة بالمؤلفة. حيث حرصت على وصف اللقاءات مع الفنانين الكبار وهي بوصفها أدبية في مستهل مشوارها الأدبي ، الذي كان يسوده العنصر الرجالي حينها ، ولم تنسى المؤلفة الاسارة إلى أصول الأدباء الذين قابلتهم.

وذكرت المؤلفة روايتها المهمة ” أبواب غزة ” التي نشرت عام 1960 ، في العديد من الأماكن من الكتاب . وكانت هذه الرواية كانت قد نشرت باشراف ” شلونسكي” وعن دار نشر ” عام عوفيد ” ، وحصدت حينها جائزة اوسيشكين. وعلى ظهر الرواية قد كتب ” هذه الرواية هي باكورة أعمال اديبة من إسرائيل من أصول شرقية ” والتي يصف قصة حياة عائلة يهودية شرقية ، تقدم باسلوب درامي شيق ، يشوبه الفكاهة والألم ، لتميط اللثام عن حياة طائفة يهودية غير معروفة ”

تدور أحداث الرواية حيال ” ايتي دافيد ” وهي يهودية من أصول تركية وزوجها (يوسف دافيد) ” الذي يقتل في نهاية الرواية في صحراء سيناء ” ، وكذلك حياتهم في المستوطنة. حيث تظهر الرياح الطائفية في المستوطنة بين اليهود الشرقيين والغربيين من أصول شرق أوربية . إذ رمى احد اطفال اليهود الشرقيين حجرا وحطم زجاج احد بيوت الغربيين ؛ الأمر الذي أدى إلى نشوب صراع بين العائلتين ، فقد هجم اليهودي الغربي على أهل الصبي قائلا : ” يا وحوش الصحراء ! … الاسيويون الشرقيون المنبوذون ! أترمون بالاحجار بيوت الناس الامنين يتناولون النقانق المقلية بدون لحم حلال ! فاليوم تحطمون الزجاج ، وغدا تحطمون رؤوسهم ، كما لو كانوا فداءا أو قربانا ” ( ص 236 )

و تطرقت إلى الصراع الطائفي أيضا في العديد من اللقاءات التي اجرتها في كتابها ” معرفة شخصية ” ، فضلا عن ذلك إن الكتاب يحوي على العديد من وجهات النظر للكثير من الأمور التي صادفت المؤلفة في أثناء أجراء هذه اللقاءات.

وتصف شاريرا لقاءها مع الشاعر أبراهام شلونسكي ، أبراهام حلبي ، الكسندر بان ، الشاعرة زلدا ، وكذلك العديد من الأدباء أمثال سول بلو ، فيليب روت ، نتالي ساروط وماكس بارود ، وهو الصديق المفضل للروائي العالمي المعروف فرانز كافكا الذي زار فلسطين عام 1939 ؛ وكذلك العديد من الشخصيات السياسية أمثال حاييم وايزمان ، كولدا مائير ، يجال الون وليفي اشكول ، وكذلك الحال مع الرسامين والفنانين أمثال مارسيل ينكوا ، افكيدور سطيمسكي ، إسحاق ديزنكير / حنا روبينا وحنا مارون. لم تسهب شريرا في قص أو توضيح هذه اللقاءات بكل تفاصيلها ، لكن إليكم بعض اللقاءات التي يمكن أن تشهد على جوهرها. بالنسبة لأفراهام شلونسكي وأفراهام هالففي ، على سبيل المثال ، كتبت من وجهة نظر دوريت أن “هذين الشاعرين صديقان ، وكلا صديقي ، وليس معاصري ، من سبقني ، الصوت الخفي ، والأخر [هلفي] يجذب الكلمات في الريح ، ويبحث في حركة الرقص عن سرّ الإلوهية الخفية “(سنتر كيب ، شوشانا شريرا ارشيف ، من المخطوطة” التعارف الشخصي “).

كانت شريرا متحسسة جدا بلقاء خاص اجرته  مع الكاتب الشاب دان بن أموتس في مقهى ( كاسيت) في تل أبيب. عندما التقت به وعلمت انه من مواليد مدينة ” رونفو” في مقاطعة ” ولهاين” البولونية قالت له: “عندما قضيتُ في صباي سنتان من العمر في روفنو ، حيث درست هناك في الصف الأول والثاني في مدرسة تربوت العبرية ، وكان والدي مشرفًا على المدارس العبرية ومحرر الصحف التي تكتب بالايديشية هناك “. وقطع بن اموتز كلامها بفارغ الصبر وقال لها: “لقد نسيت ذلك ، فقد مر وقت طويل ، ولم أقرأ صحيفة اليديش أبداً ، على الرغم من معرفتي باللغة اليديشية ، والبولونية ولا أريد التحدث عن هذه المدينة. درستُ أيضا هناك في المدرسة . لا اذكر شيئا أبدا “. وتشير شريرا بان بن اموتس قد صب جام غضبه عليها وبشدة ، وتضيف :” إن الجميع يعلم بأنه يذكر كل شيء جيدا ، كانت ردة فعله مغايرة جدا . انه يذكر كل شيء ، ولكنه لا يريد إن يتذكر . العائلة ، العائلة باكملها التي بقيت هناك وارسلته إلى هنا ، وهو الناجي الوحيد منهم ، لكونه نجا من الموت بالسفر إلى فلسطين . حقا إنني مضطربة “.

أما لقاءها بالشاعرة زلدا فيوصف بالحميمية ، إذ تقول : ” رايت زلدا إبان الحرب العالمية الثانية ” ” عندما جلستُ وحيدةٌ في البيت بعد انخراط زوجي ارئيل للفرقة اليهودية المقاتلة ، الفيلق الثالث ، واشترك في الجبهة في أفريقيا ، ومن ثم ايطاليا ، بلجيكا وهولندا . كنت وحيدة وفرحة من اجلها ، إذ كانت شابة جميلة ، جميلة ومتفائلة ، ذات بياض وجه وجمال عين ، وسمعت بأنها تكتب شعرا ولكنها لم تكن موفقة في نشره إلا أجزاء منه في صحيفة ” دافار هابوعيليت ” . تلك كانت فترة شبابها كانت لا تزال زلدا قبل بلوغها وكبرها المؤلم. الذي كثر فيه الازمات النفسية الذي وضعها بموضع الانهيار في أي لحظة ” ، وتصف شريرا اللقاء الودي قائلة : ” لم تكن زلدا تلك الشاعرة المتدينة حينها ، فلم اشعر حيالها مطلقا بشيء ديني أو متعلق بالاله والخليقة “. وتؤكد بان زلدا لم تكن من اولئك المتطرفين حينها ، قبل زواجها ، أو ارتدائها غطاء الرأس ” كانت ترتدي ثوبا صيفيا قصيرا ” ، وتصف شريرا لقاء آخرا جمعهما بعد إن اشتهرت الشاعرة لتصبع في مقدمة الشاعرات الإسرائيليات ، حيث تؤكد على حدوث خلاف بينهما على خلفية نشرها نقدا حول ديوان شعرها ” خلوة ” الذي نشر عام 1967 ، لكونها ذكرت بأنه ينبغي على الشاعرة اخضاع كتابها لمقوم علمي ولغوي لكثرة الاخطاء الواردة فيه.

أما تطرقها إلى الموضوع الطائفي كان بارزا في وصف الأديب (مردوخاي طبيب ) اليماني الاصل الذي وصفته ” بالوحيد ، المعزول والمنبوذ ” مقارنة مع زملائه الأدباء في مقهى ” كاسيت ” بتل أبيب . وتصف الأديبة شريرا الروائي طبيب قائلة : ” قد تزوج بحنا كنتوربيتش ، الذي كانت زميلتها أيام الدراسة الابتدائية في مدرسة “كائولا ” ، أما طبيب فكان يمنيا اسمر البشرة ، وهي – تقصد حنا زوجته – شقراء أوربية الشكل مائلة إلى الاحمرار “. وبخصوص لقائها الأول به قالت :” عندما التقيت به أول مرة سالته عن زوجته ، أجاب بشيء من السرعة وتحول إلى موضوع آخر ولكنه عاد قائلا لا تهتمي بذلك فانا اليمني وهي الأوربية ، وهو أمر معقدا وصعبا إن يجتمع فيه زوجين اثنين “، وحيال مقولته هذه كتبت شريرا قائلة : “لقد دهشت من صراحته وأبقيت الأمور في قلبي.” وفي استمرار القائمة ، تلاحظ أنه كما لم يكن زواجه الشخصي سهلاً ، فإن زواجه الأدبي كأقلية من بين الشعراء والكتاب الإسرائيليين لم يكن سهلاً أيضاً … رغم أنه غالباً ما كان يجلس في “مجتمع” الكتّاب هذا ويتمتع به.

اتسمت انطباع شريرا حيال مقالات ( جاكلين كهنوب ) الأديبة الإسرائيلية المصرية الأصل بالايجابية ، إذ تصف شعورها هذا قائلة : ” قرات مقالاتها في مجلة ” هكيشيت ” لاهرون أمير ، وبعد ذلك قرات قصصها ، وعلى وجه الخصوص قصتها بشان موت ابيها . إذ تتسم كتاباتها بالجمالية والاسلوبية المغايرة والمميزة ، ثقافتها العربية ، لونها الأدبي الذي ارجعنا إلى ثلاثينيات واربعينيات القرن العشرين “. وهنا تكمن وجه نظرها الطائفية حيث تقول : “لقد أصبحنا متغطرسين على الشرق واهله ، وهي لا تحتاج إلينا ، فهي بالفعل جزء منه ، وشخصيتها ، وحياتها ، وأوهامها وأفكارها تجسد بالفعل هذه الثمرة الشرقية والغنية الرائعة”.

جاء لقائها بكهنوب ، الذي اقيم أثناء لقاءات نادي القلم الدولي الإسرائيلي التي كانتا عضوين فيه ، حيث وصفته قائلة :”  أنها شخصية رغبت برؤيتها منذ زمن … إذ وقعت عيني على امرأة شابة لم استطع إن ابعدهما عنها … امعنت النظر فيها ، امرأة كانت تصغي جيدا ، إلى نوع من الموسيقى الشرقية الرائعة ” بعد إن انتهت الحفلة ، جاء إليها شريرا وابدت إعجابها بمقالاتها وقصصها ، وتضيف ” على الرغم من الأساس الشرقي الغربي الذي احمله ….. لكوني ولدت في أوربا وترعرعت في فلسطين …. إلا إنني اشعر بوجود شيء مميز في شخصيتها ، شيئا شرقيا وغربيا في الوقت ذاته …. شخصية فريدة من نوعها “.

أثار اعتراف شريرا خجل كهنوب ، ربما بسبب اللقاء المفاجئ أو بسبب الكلام الشفهي الذي وجهته لها ، حسبما يقال ” لا يمكن مدح الشخص أمامه” ، لكن حجل كهنوب لم يمنع الانطباع الجيد الذي تركته بها ، إذ تقول : ” احببت طلتها ، أسلوب كتابتها ، فقد وجدت الوجه الآخر من كتابتها شاخصا امامي “.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع