اشكالية الحداثة في عيار الشعر

قراءة جديدة في كتاب قديم

133
اشكالية الحداثة في عيار الشعر 
قراءة جديدة في كتاب قديم 
بقلم / محمود عبد الصمد زكريا 

لماذا عيار الشعر ؟ 
العيار : ” هو المقياس الذي يحدد القيمة على أساس من الخصائص النوعية الملازمة لصورة الشئ وكيفية إدراكه في آن ” ( 1 )
يعتبر عيار الشعر لابن طباطبا من أهم الكتب في تاريخ النظرية الشعرية العربية ، لأنه يأتي بمثابة تأسيس للشعرية بوصفها .. ( علم موضوعه الشعر ).. كما قال ياكبسون ..
فقد حاول هذا الكتاب رغم صغر حجمه أن يؤسس قياسا يميز به الشعر من اللاشعر من ناحية ، والشعر من حيث كونه شعرا من ناحية أخرى ..
بمعنى آخر أن يبرز السمات التي تجعل من خطاب ما شعريا أو تصنفه في درجات أقل من الشعر الكامل والذي هو :” المعنى البارع في المعرض الحسن” كما يقول ابن طباطبا…
والذي هو “الذي لا يستغنى فيه أي من المستويين عن الأخر” بحسب جان كوهن
والمقصود بالمستويين هنا : المستوى الصوتي والمستوي الدلالي
فيكون المستوى الصوتي مقابلا للمعرض الحسن
والمستوى الدلالي مقابلا للمعنى البارع .. بحسب ابن طباطبا ( 2 )
وعلى الرغم من أن عيار الشعر قد ظهر في ذات الوقت الذي ظهرت فيه كتب أخرى كثيرة عن فن الشعر ونقده مثل : ( الشعر والشعراء ) لأبن قتيبة ، و( البديع ) و ( طبقات الشعراء ) لأبن المعتز ، و ( قواعد الشعر ) لقدامة بن جعفر ، .. كما كان هناك أيضا كتاب ( فن الشعر ) لأرسطو ، فمن المعروف أن أول من نقل كتاب فن الشعر وكتاب الخطابة لأرسطو إلي العربية هو أسحق بن حنين المتوفى سنة 298 هجرية ، ثم تتابعت الترجمات عن فلاسفة العرب العظام من أمثال الكندي ، والفارابي ، وابن رشد ، وغيرهم ..
وقد أشار الجاحظ إلى أسماء بعض المترجمين العرب لأرسطو في عصره وان كان انتقد سوء ترجمتهم له .. ( 3 )
إلاّ أن ابن طباطبا قد تميز عن غيره حيث كان يميل إلى تغليب ذوقه الخاص وتجربته الشخصية في كتابة الشعر رغم أنها لم تكن تجربة كبيرة لكنها أعانته كثيرا خصوصا في اختيار النماذج التي استشهد بها وفاضل بينها ..وفي ذلك يقول :
” فينبغي للشاعر في عصرنا ألا يظهر شعره إلاّ بعد ثقته بجودته وحسنه وسلامته من العيوب التي نبه عليها وأمر بالتحرز منها ونهى عن استعمال نظائرها .. بل يديم النظر في الأشعار التي اخترناها لتلصق معانيها بفهمه ، وترسخ أصولها في قلبه ، وتصير مواد لطبعه ، ويدرب لسانه بألفاظها ، فإذا جاش فكره بالشعر أدى إليه نتائج ما استفادة مما نظر فيه من تلك الأشعار ” ( 4 )
وابن طباطبا يلتقي في ذلك مع كثير من الشعراء النقاد ، كابن المعتز مثلا الذي له مكانه في تاريخ البلاغة العربية والنقد الأدبي فكتابه ( البديع ) هو أول كتاب من نوعه يتناول الأدب بطريقة فنية ، فيعني بدراسة العبارة ويركز على نقد المعاني والأفكار ويتعامل مع الصورة التعبيرية خارج الحدود الإعرابية أو النحوية وعيوب القافية ، أي أن عياره كان عيارا بديعيا ، وقد التقط البلاغيون ما توصل إليه من فنون البديع وراحوا يضيفون إليه جيلا بعد جيل حتى بلغوا أكثر من مائة وخمسين فنا بديعيا …
كما يلتقي ابن طباطبا في ذلك أيضا مع كُتّاب الشعرية المعاصرين من أمثال :
علي أحمد سعيد ( أدونيس ) ؛ وياكوبسن ، وارشيبالد ماكليش للسبب نفسه .

ما هو الشعر ؟
يقول ابن طباطبا : ” هو كلام منظوم بائن عن المنثور ، يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص به من نظم” فهو يبلور خاصيتين واضحتين محددتين :
أولاً : أنه كلام منظوم .. فهو لا يشذ ، أو أنه يتفق مع جميع من جعلوا النظم شرطا من شروط الشعر؛ كما أضاف أيضا : ” وللشعر أدوات يجب إعدادها قبل مراسه وتكلف نظمه ..
فمنها التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الإعراب والرواية لفنون الآداب ” ( 5 )
وقد عرّف الجرجاني النظم على أنه : ” توخي معاني النحو في معاني الكلم ” ( 6 )
يقول الجاحظ : ” ولم أر غاية النحويين إلاّ كل شعر فيه إعراب ،ولم أر غاية رواة الشعر إلاّ كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج ، ولم أر غاية رواة الأخبار إلاّ كل شعر فيه الشاهد والمثل ” ( 7 ) ” واعلم أن الشعر أبلغ البلاغة ” ( 8 )
أما القرطاجني والسجلماسي فقد ذهبا إلى ( التخييل ) كجوهر للعمل الفني الشعري، ولكن هؤلاء جميعا لم يسقطوا الوزن مع الخصائص الشعرية كليا .. وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمد الصوت به والدندنة ، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور” ( 9 )
وتلك نقطة في غاية الأهمية الآن ؛ فما تحقق فيه الوزن مع الخصائص الشعرية الأخرى فهو شعر .. وما خلا من الوزن مع توفر الخصائص الشعرية والفنية الأخرى فهو ( قول شعري )
هكذا اتفقوا على تسميته ( قول شعري ) ابن طباطبا وابن رشد والقرطاجني والسجلماسي والفارابي وغيرهم .. من ذلك فإن ابن طباطبا يلتقي معهم جميعا في ناحيتين ، …
الأولي : هي أن معرفة النظم ليست شرطا إلاّ لمن لم يصح ذوقه وطبعه “فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه ” (10 )
الناحية الأخرى :هي أنه لم يعتبر من الشعر ما توفر فيه الوزن وخلا من الخصائص الشعرية والفنية الأخرى ” الشعر هو ما إن عري من معني بديع ؛ لم يعر من حسن الديباجة , وما خالف ذلك فليس بشعر ” ( 11 )
ثانياً :- بائن عن المنثور ..
ويتفق فيها ابن طباطبا مع من فرقوا بين النثر الكامل ؛ والشعر الكامل فجعلوا كلا منهما في طرف ؛ وما بين الطرفين تتقاسم الكتابات حظوظها من الشعرية … وهنا وقفة هامة أخري :
فابن طباطبا عندما يصف بعض الأشعار ” المحكمة ؛ المتقنة ؛ المستوفاة المعاني ؛ الحسنة الوصف و السلسة العبارة بأنها ” التي خرجت خروج النثر سهولة وانتظاما ” ( 12 )
فهو يصف الشعر بالنثر , ولكن أي نثر ؟ هنا يكمن السؤال .. فإذا أخذنا الأسئلة التي استشهد بها ابن طباطبا ؛ كقول زهير بن أبي سلمي :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين حولا لا أبا لك يسأم .
أو كقول أبي ذؤيب :
أمن المنون وريبها تتوجع … والدهر ليس بمعقب من يجزع .
سنجد ابن طباطبا يلتقي مع جان كوهن ؛ أو بالأحري يلتقي الثاني معه حين أطلق علي مثل هذا الشعر ( القصيدة الدلالية ) التي تعتمد من اللغة جانبها الدلالي فقط ( 13 )
وهذا القصيد نفسه أخرجه أبو حازم القرطاجني من خانة الشعر ليضعه في خانة النثر
وان كان موزونا مقفي مثله مثل النظم في الأخلاقيات والمواعظ والقضايا العلمية ؛ كألفية ابن مالك ( مثلا ) .. أما إذا أخدنا قول ابن طباطبا كتوصيف نظري ؛فهو يلتقي مع عدد من أصحاب المداخلة بين النثر والشعر – في الشعر – بما يحقق للشعر شعرية أعلي ..
وقد جاء في الإمتاع والموآنسة : ” أحسن الكلام ما رق لفظه ؛ ولطف معناه ؛ وتلألأ رونقه وقامت صورته بين نظم كأنه نثر ؛ ونثر كأنه نظم ” ( 14 )
كما جاء في الصناعتين عند أبي هلال العسكري : “المنظوم الجيد هو ما خرج خروج المنثور في سلاسته وسهولته واستوائه ؛ وقلة ضروراته ” ( 15 )
وهكذا تصبح حدود الشعر بالغة الصعوبة حيث أن كثيرا من السمات التي تعد خاصة بالشعر كالجناس ؛والصور ؛ والمجاز ؛ والأدوات التنغيمية الأخرى غير العروض باتت تشارك فيها فنون لفظية غير الشعر ؛ بما في ذلك كلام الناس العادي ؛وهنا وقفة هامة .. حيث يتباهى قول أبي العتاهية المشهور : ” أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون ؛ ولو أحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم ” ( 16 )
وقفة أخري هامة :-
من مذاهب العرب في تأسيس الشعر ما عرف بحسن التخلص من غرض إلي غرض في القصيدة الواحدة وقد نصح ابن طباطبا الشاعر أن :” يسلك منهاج أصحاب الرسائل في بلاغتهم ؛ وتصرفهم في مكاتباتهم فان للشعر فصولا كفصول الرسائل ” ( 17 )
وقد ذهب د / إحسان عباس إلي أن ابن طباطبا قد : ” محا الفروق بين القصيدة والرسالة النثرية في البناء والتدرج واتصال الأفكار ” ( 18 )
ولكن ابن طباطبا لم يمح الفروق ؛ فهي موجودة ولا تخفي عليه ؛ ولكنه نظر للمسألة من ناحيتين ؛ أولا : أن الشعر صناعة ؛ وهو مصطلح عصره ؛ فهو يستنطق سمات القصيدة كما هي من مبتداها حتى عصره ؛ ثم قول العتابي : “الشعر رسائل معقودة ؛ والرسائل شعر محلول ” ( 19 ) فهو يأخذ الجنسين ؛ الرسائل والشعر من منظور ما ينطوي كل جنس منهما علي الآخر لأنه يتحدث في البلاغة ؛ والتي هي : ” الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب “.. بحسب الجرجاني .. وبحسب الفارابي وابن سينا والقرطاجني : أن الأقوال الخطابية إذا انطوت علي بعض السمات الشعرية فهي ( أقوال شعرية ) وخاصة الرسائل ذات البنية الكلية
من ناحية أخري فقد رفض ابن طباطبا تأسيس الشعر علي ” تأسيس فصول الرسائل القائمة بنفسها ” وشرط” أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخر ها ؛ نسجا ؛ وحسنا ؛ وفصاحةو جزالة لفظ ؛ ودقة معان ؛ وصواب تأليف ” ( 20 )
وهو في هذا ينتهي إلي ما انتهي إليه الجرجاني ؛ حيث قال :
” لا نظم في الكلم ؛ ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ؛ ويبني بعضها علي بعض ؛
وتجعل هذه بسبب من تلك ” ( 21 ) وكذلك ما انتهي إليه البنائيون المحدثون في القول بالشعر الكامل الذي يكون مجموع العلاقات المتبادلة لعناصر العمل الشعري فيه هي بنية هذا العمل .
وبعد ….
فإن عيار الشعر لابن طباطبا واحد من أهم الكتب التي جاءت نتيجة طرح مفهوم الحداثة في الشعر والذي خلق بلبلة تجسدت في المعارك التي دارت حول أبي تمام والبحتري والمتنبي وخصومه ؛ وقبل هؤلاء بين من سموا بالشعراء المولدين من أمثال : بشار بن برد ؛ ومسلم بن الوليد ؛ وأبي نواس ( الحسن بن هانئ ) ؛ وبين علماء اللغة والأدب والبلاغة كابن عربي ؛ والأصمعي ؛ وأبي عمر بن العلاء … إلي أخره … ويري ابن طباطبا أن أزمة الشعراء المحدثين أشد منها علي من كان قبلهم لأنهم – أي السابقين – قد سبقوا إلي كل معني بديع ولفظ فصيح وحيلة لطيفة وخلابة ساحرة …فإن أتو بما قصر عن معاني أولئك ولا يربي عليها لم يتلق بالقبول وكان كالمطروح المملول ” ( 22 )
والشعراء أنفسهم خامرهم الشك في ذلك كما يفهم من قول عنترة بن شداد : وهل غادر الشعراء من متردم .
وهكذا فما تزال مشكلة الحداثة قائمة منذ القديم وحتى يومنا هذا وسوف تظل في كل زمان ومكان وثقافة إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .
_________
المراجع :-
1- مفهوم الشعر ..د / جابر عصفور ص 20
2- عيار الشعر لابن طباطبا
3- عيار الشعر ص 9 و 10
4- بنية اللغة الشعرية – جان كوهن – ترجمة د/ أحمد درويش
5- المدخل إلي النقد الأدبي الحديث د/ محمد غنيمي هلال ص 173
6- دلائل الإعجاز ص 336
7- عيار الشعر ص 3 و4
8- نفسه ص 9 , 10
9- نفسه ص 4
10- البيان والتبيين ..الجاحظ .. ط 2 ج 4 ص 24
11- ابن وهب . البرهان في وجوه البيان .. ص 350
12- العقد الفريد .ابن عبد ربه . ج 6 ص 7
13- عيار الشعر ص 17
14- نفسه ص 48 , 49
15- التوحيدي : 2 / 146
16- الصناعتين ص 165
17- عيار الشعر ص 6
18- تاريخ النقد الأدبي عند العرب د/ إحسان عباس ص 137
19- عيار الشعر ص 71
20- نفسه ص 126
21- دلائل الإعجاز – الجرجاني – ص 98
22- عيار الشعر ص 8 ؛ 9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع