اثر الهجرة في إحياء روح الإبداع في جيوب الذات الحالمة

من المعروف أن الذات عبارة عن فسيفساء متعددة الألوان. كل لون منها يختزن موروثا ثقافيا و اجتماعيا، وغالبا ما تذوب هذه الألوان في محيطها. وذوات أخرى عصية على الذوبان، تحاول استعادة المشهد واللقطات المعاشة، والتي عيشة وأن أصبحت بعيدة عن مكان الذاكرة ولو كانت عصية، لبناء نظرة جديدة للواقع المعاش. ففيها تندمج الكتابة بالرؤية.

فالحضور والغياب يتقاسمان حدود السرد في الأمكنة والأزمنة. فالرؤية   تشطف من جفاف الواقع ومن سراب مياه الأحلام. ذلك الجفاف القاتل، الذي جفف  المجاري والنخل والحجر، فعجل بالرحيل أحيانا، عن طيب خاطر وآخر على مضض.

إذا كان الرحيل يستطيع أن يُسَكِّنَ الكلمات، فإنه كالموت له رؤية ما وراء الْمُتَخَفِّي. يُفَجَّر الشعر على حدود الشفاه الجامدة.

 

الهجرة

مقبرة

أجراسها بلا قوة

صمت ميت

عين نضحة

فاقدة الرؤية

شبه موت

مع تنفس بارد

قطرات الندى

على نصب جامد

لجرح قديم هامد

روح تحرك جثة

مع ندوب على اللحاء

جدورها

ماسكة بالأرض

شظايا كلماتها

ثالوث شعري

يبحت

في واد رمزي

عن كلمات

تكسر اللغة

تزرع اللهب

رغبة شديدة

لمحو

جمل متدلية

بين نقطة البداية والنهاية

لرحلة ضباب

علي وجه مِرْآة

 

ان الشعور بالزمان من المؤثرات القوية في أسلوب الشاعر. فالشعر في المهجر يعيش الوقت بمفهومه الحق. فمادامت الطباع والعادات تختلف من ثقافة لأخرى، فهي تعطي شذرات  معبرة عن تأملات ماورائية حول الحياة، وتعبر عن عمق تجارب الذات. فالكتابة يقل فيها الزخرف و تميل إلى الاختصار مع قليل من اللعب بالألفاظ ، وتميل إلى العبارة الشاعرية المركزة والبسيطة، ويعتلي إبداع المعاني في مقابل كثرة الكلمات. إنها متكيفة مع التغيرات ولا ترفض الانتقال إلى الواقع الجديد لأنها قادرة على التفاعل مع  اي سياق زماني ومكاني، بالاسترشاد الخيالي غير متناسبة الجدور.

فتتحول هاته الهجرة من صوت معارض يعاني الإغتراب إلى صوت متعدد الأصوات لا يختزل الأسئلة والأجوبة.

 

يقول الشاعر محمد بنيس في الأعمال النثرية الجزء الأول ص38

“في الذات لا في القواميس تتجمهر اللغة، تتعلم كيف تنهض، تعيد التكوين والتأسيس، إذ لا تغير يفاجئ اللغة دونما تغير في وعي الذات الكاتبة وحساسيتها. للذات سلطة الانتهاك والاختراق، من خلل منسيها وجرحها و شرودها وشهوتها  وصراعها. إنها الجسد. وهي غير محايدة في إعادة بنية النص.”

 

 

العربي الحميدي

 

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال
%d مدونون معجبون بهذه: