إلهام رؤيا ….

مقاربة سيميولوجية " لجيوب الليل " قصيدة للشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد

45

إلهام رؤيا ….
مقاربة سيميولوجية ” لجيوب الليل ” قصيدة للشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد

محمد مهيم محمد

قصيدة من لحمي
قولي ربي والنبي زحمي
ولدي لمعاني من صلبي
وخليني نركبها
ونراري بها
محمد عزيز بنسعد … (1) .
” إن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات .” (2)
هذه المقاربة سوف لن ” تضع في اعتبارها ، أولا المعنى ، أو الدلالة ، أو أي شيء آخر ، مرتبط بالعلامة ، بل بوصفها مسارا في حالة إنتاج (.3).. ومن نافلة القول ، كذلك ، أن العلامات بكل أنواعها تتحول ، سيميائيا ، في الخطاب إلى محفزات ، ندرك من خلال مسار تفاعلها ، بعضَ خصائص موضوع القيمة الممثل الذي هو… ” موضوع السيميوزيس ، بوصفه منتوج بناء بين تأسيس التأويل والتأويلي نفسه “( 4 ) بناء على إشعاعات الرؤية الجمالية التي تتخلق أثناء عملية الاحتكاك هاته . وكل محاولة للانطلاق من إحدى سمات الإدراك والتحليل والفهم ، تعتبر تجزئا للدلالة.. وابتسارا. للكون الدلالي…ومن حسنة سيمياء الخطاب أنها ، تحاول ومن خلال محافلها ، الإمساك بمسارات إنتاج الدلالة ، وتداولها واستهلاكها ، ولا ترى في أداة التوسط ، سوى علامة على لحظة التجربة المعيشة .. مهما كانت طبيعة جنسها . وبذلك فلا تطرح أمامها ، إذن ، مسألة التجنيس إلا بقدر دورها في بناء الدلالة ، لأننا نحاول البحث عن الكيفية التي تم بها تسريب هذه الدلالة ، عبر مسارات الخطاب ، ومن ثمة تلمسها لسمات الإبداع في تناول الظواهر الإنسانية، من خلال الرؤى الصادقة .. فالتجربة الإنسانية ، خاصة ، الفطرية ، يتم الكشف عنها من خلال الأحاسيس المرهفة ، والتوترات المعرفية ، بناء على الزخم الذي ينتجه تفاعل العلامات ، وقد ارتدت زيها الجمالي ، فهي لا تتوجه إلى المتلقي مباشرة ، بل إلى خدمة مسارات السيميوز ، ” التي تعمل على مفصلة ، وبكيفية تامة ، كلا من الممثل والموضوع ، والمؤول ” ( 5 ) ، ناسجة بذلك أبعاد الدلالة الخطابية ، أو بمعنى آخر ، رسم وتخطيط أبعاد الدلالة الجمالية ، متجاوزة الإحالات الفنية ، التي تعتبرها ، فقط بوابة لولوج المتلقي ، أو القارئ إلى عالم الخطاب ، قصد الاقتراب من صور التفاعل مع أكوان التجربة ، كما حاول أن يعيشها المبدع ، والتي ليس من المفروض أن تكون استنساخا للتجربة الأصل .لأن المبدع ، لو أتيحت له ، مرة أخرى ، نفس ظروف التجربة السابقة ، فالأكيد أنه سيعيشها حالة إبداعية جديدة ، وستنتج أكواننا دلالية ، قد تختلف قليلا أو كثير عن التجربة الأولى ، ولن تكونها مطلقا . لذا تجد بعضهم يتساءل أحيانا كيف أنه لم يفطن إلى هذا البعد الجمالي ، أو إلى هذه الصورة أو تلك ؟ بل قد يثمن تجربة على حساب أخرى .. وفي هذا السياق يمكن إدراج تجربة الشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد ، أقول الشاعر لأني أتعامل مع الحس الشعري والشاعري، لدى ذات التجربة المبثوث في هذه القصيدة ، ولا أتعامل مع مادة التعبير المنتمية إلى ما يعد جنسا جزليا ، إلا بوصفها ، فقط ، وسيلة نسبية لنقل هذه التجربة ، كما سبق الذكر .. ومن ثمة فأي أداة توسط ، مهما كانت طبيعتها ، فإنها تستمد قيمتها الأدبية ، من صدق المشاعر ونبل الرؤى، وخبرة وحنكة الشاعر .. وإذا لم تتحقَّق التجربةُ شعوريا فمن أين ينبع الشعر ؟؟؟
فالشعور المستمر الذي يتميز به الفنان الأصيل في حياته هو نتاج تحرك حواسه أثناء تلقيه إرهاصات التجربة ؛ حتى في الأوقات التي يبدو فيها على الفنان فتور ما . فلم يعد الأثر الفني موضوعا نستمتع بجماليته القائمة ، بل صار سرا ، يجب أن نقوم باكتشافه ، وصار واجبا ، يجب أن نقوم به ، كما صار منبها للمخيلة ” . (6)…. أليس هم الشاعر أو تخمامه ، هو البحث عن رؤيا إبداعية وضاءة ، صافية ، خالصة ، قبل تفكيره في البحث عن أداة توسط لها ؟؟! ربما كان هذا الأخير ، ما يفعله الكثير من يتطاول عن محراب الشعر .. حين يلجأ إلى ترصيف المعجمة اللغوية ، الخالية من أي حرارة للطاقة الانفعالية ، ثم إكراهه لها على صوغ الرؤى والمواقف .. أنظر كيف يدفع هذا التوتر الإبداعي ، ذات الحالة ، في هذه التجربة ، وهي تتحسس منفذا إلى الكون الحسي ، من أجل تجاوزه إلى البحث عن مسار ، يفضي بها إلى الكون الجمالي :
نقلب في جيوب الليل
عن قنديل
نشد به الرحيل
لدروب المعنى في كلامي.
كون قد عملت ذات الحالة على بث طقوسه ، عبر ثلاث ضخات توترية ..بها نسجت امتدادات لتخوم أكوانها الدلالية ، باصمة ، بذلك عن درجة جمالية راقية ، نسجتها مسارات دلالية ، عبر تنوع مثيراتها الفنية.، التي تحتضنها رؤية جمالية ، لتجربة إبداعية حقة ، بحيث يمكن تتبع ووسم سيلانها عبر هذه التشكيلات المقطعية الإجرائية :
الضخة : الأولى من بداية التجربة إلى : كلامي .
الضخة الثانية : من : دموع الشمعة تسيل ..إلى : حروف زينك تتخنتت قدامي .
الضخة الثالثة : من : ختمت جنان السبيل .. إلى : آخر : قدام باب تخمامي .
طبعا هذا المسار قد أشر على طبيعته كل من عنواني الديوان / سارح الظلمة بنهار / والقصيدة / جيوب الليل / اللذان يقتسمان سنن الظلمة والنور (7 ) ، يرهصان بكينونة حالة المخاض التي ستعيشها الذات الشاعرة ، حين تلج مقام الإبداع ، بعد إحساسها العميق بالظاهرة الإنسانية ….لذا أغرتني هذه التركيبة الثلاثية لعنوان الديوان ، لكونها تتساوق مع عنوان القصيدة ، من خلال ذات كلية تتحكم في السير الزمني للتجربة الشعرية / السارح / ، توظف الضياء / النهار / فضاء للظلمة ..وبين ذات التجربة بوصفها نسخة أو سمولاكر (.8) لتلك الذات الكلية ( … ) تسعى بدورها ، لكن عكس الذات الكلية للديوان ..، إلى توظيف الظلمة / الليل / فضاء تستمد منه ضياء / القنديل ….. فالسارح أو الراعي الذي يتكفل بموضوع القيمة المباشر / السرح / بوصفه نوعا من الرعاية والعناية أولا ، ثم باعتباره موضوعا ديناميا ( 9 ) ثانيا: الحالم ، والسابح في خيال المعنى والرؤى ، الراعي لولادة القصائد من طهر الطبيعة ، والتجربة الفطرية .بوصف الراعي هنا ” علامة محفزة ، والتي يجب عدم الخلط فيها بين إحالتها المرجعية وبين دلالتها السياقية أي بين الخاصية التي تمنحها لموضوعها ، وبين استدعائها لمؤولها ” (10) ، ومؤول ذلك البعد التناقضي بل التضادي بين مكونين كونيين يستحيل الجمع بينهما في الحياة الواقعية بوصفهما علامتين توظفان في التواصل العادي ، فالظلمة والضياء كلاهما علامة تتخذ مسارين مختلفين أحدهما يقود مفهومها المرجعي إلى اعتبارها رمزا لغويا متفق عليها في الحياة العادية . أما الآخر فستكتسبه عبر عملية التخطيب أو بمعنى آخر سيمر عبر مصفاة الذات الكلية ، المبدع ، من خلال تجربته الذاتية المبثوثة ، في أطياف قصائدها ، ليصبح منبعا للرؤية ، ومن ثمة ، فمن يمسك الديوان عليه أن يبحث عن كوة معبره إلى حميمية التجربة الكلية ، حيث ، يرافق الراعي إلى عالم الحلم والتخييل ، حتى يستطيع رصد أبعاد الأكوان الدلالية لهذه التجارب ، في صفائها الجمالي بعد ما عاشها المبدع إحساسا وكينونة ، ثم عمل على تطويع العلامات اللغوية لتتحمل آثار هذه المعاناة الإبداعية ، ذات البعد الإنسانية ..
إذن فعنوان الديوان يرهص بتوتر مفارقة كلية ، ناشبة بين عناصر ثلاثة على مستوى التركيب الخطابي : السارح / الظلمة / النهار ، وستتكفل ذات خطابية ، تتخلق هويتها عبر الصورة الكلية المبثوثة في الديوان ، ليتم تحيينها فنيا ، طبعا ، عبر صور الرعاية والتدبير والرأفة على مستوى الواقع .. أما على مستوى الرؤيا ، فسوف يتحول العنوان إلى سيرورة حالية وحدثية ، علامة خطابية ، تعطلت صلتها بإلاحالات المرجعية السابقة … مؤقتا ، طبعا لتعود إليها بعد امتزاجها بالرؤيا الإبداعية ، لذات الحالة ، بوصفها ذاتا للكينونة والفعل في الآن نفسه .. ذاتا تعتمل فيها رؤى دلالية متعددة ، تتنوع تبعا لتجارب الديوان .. منها هذه القصيدة ، التي تؤشر على وعي الشاعر، بأن الإبداع مسؤولية مقدسة ، قصيدة ستسفر على اعتمال هم ذاتي وموضوعي ، لذات الحالة حين تجتاز كل المعيقات ، نحو محراب الإبداع ، والتي عنونها ب/ جيوب الليل :
عنوان مثل نواة دلالية كبرى حيث بدورها ، سيتفرع عنها مساران : أحدهما يرتبط بالمسار العام للقصيدة ، كلية الدلالة ، والثاني جزئي بوصفه منفذا سلكته ذات الحالة ، للولوج إلى هذا العالم الكلي للتجربة ، وذلك عبر تموضعه كبؤرة للإشعاع الدلالي ، في مستهل تصويرها لآثار التجربة فهو عبارة عن أيقونة احتوت ، بدروها شأن عنوان الديوان ، مفارقةً على مستوى التعبير وبناء الصورة …بين المكان / جيوب / بوصفه الفضاء الذي سيحرك ، ويحفز ذات الإبداع بحثا عن سبيل لمداعبة مخاض هذه الحالة المقامية ( ” سر بهاك في مقامي ” ). … و بين الزمان / الليل / باعتباره سفرا نحو الزمن المطلق أو النوعي ، حيث رعاية أو سرح المعاني البكر . مركب إضافي ، إذن ، فقد مرجعيته بالنسق الواقعي ، كما عنوان الديوان ، ليعانق تخوم رؤى ، سينشئها النسق الخطابي على مستوى الرؤيا الشعرية ، التي أعارت للزمان مكانا ، سيلجأ إليه الشاعر ، ليحيا حالة تخمام حسي ، بعد ما عجز الواقع المادي المعرفي والمنطقي ، عن استيعاب طاقة توتره الانفعالي وتوهجه العاطفي ، مهموما بكنه العملية الإبداعية ، بوصفها حالة مقامية ، قبل أن تكون ذاتية ، وبالأحرى مصطنعة . كما يلغط بذلك الكثيرون من المتشاعرين …فالليل ، لون السواد سوف يتحول إلى أيقونة ضياء لأن : اللحظة الأيقونية داخل ولادة الدلالة تختلف عن مفهوم العلامة الأيقونة ، هذه الأخيرة لا تنفصل عن مفهوم الرمز البين ذاتي ، وعن القواعد العامة .. بينما اللحظة الأيقونة بوصفها مرحلة ، مصدرا لتمظهر الدلالة على شكل علامة ” ( 11 ) … رؤيا استبصارية لإنتاج التداعيات الحميمية ، والصور الأصيلة ، لذلك ، فليس من العجيب أن يستمد الشاعر من الظلام نورا / قنديلا / ، أو يعتبر الضياء فضاء للظلمة حيث الفضاء النوعي المطلق الذي تتعايش فيه هذه المتناقضات …فضاء يتراءى لذات الحالة المقامية ، حين تتملص روحها من إكراهات الواقع .. فالإبداع الحق ينتشل المبدع من ظلام التيه ، والتخبط في متاهات الرؤى الضبابية ، نحو فضاء النور ، حيث صفاء الرؤيا ونبل المقصد .. فأن تبحث عن سبيل ضوئي ، مما طبيعته ظلمة ، هي طبيعية ودأب المبدعين لا المبتدعين …لذا فالقصيدة سوف تكون ، عبارة عن رؤيا إبداعية ، أحستها ذات الحالة ، بعد ما تحرر شعورها من إكراهات الرؤية الواقعية ، وهذا ما سنعيش آثاره عبر سيولة هذه الضخات الجمالية :
الضخة الأولى :
موضوعها الدينامي يحفزه توتر استهلالي :
حيث سينتاب ذات الحالة رغبة ، في معانقة موضوع القيمة ، لكنها في حاجة إلى جسر للعبور إلى مقام الحالة الوجدانية ..، لذا فقد التمست البصيرة الشعرية ، لدى الحالة ، ضوء قنديل من الليل بوصفه وسيلةَ وزاداً ، نحو عالم المعنى الخطابي ، بعيدا عن المعاني ، بوصفها دلالات مباشرة عن ظواهر إنسانية ، يعج بها الواقع ، بل باعتبارها تجارب أدبية ، بعد ما انصهرت هذه الأخير في بوتقة الشعور ، لتخرج صافية نقية صادقة ، لا افتعال ولا تصنع … فالليل سمك ظلامي ، ولن تجتازه سوى المشاعر المرهفة ، نحو جيوبه ، مقاماته ، ودروبه ، لتنعم بالسكينة والهدوء ، حيث تتصادى صور الإبداعات الإنسانية . والشاعر يعي هذا المسار الذي يختفي وراء كل التجارب الإبداعية الحقة ، لذا فلا بد من السعي إليه ، ويبدو ذلك من خلال عملية التوتر الانفعالي التي استهل بها تجربته هاته يقول :
نقلب في جيوب الليل
على قنديل ..
نشد به الرحيل
لدروب المعنى في كلامي .
بحث إذن عن نور قدسي وجداني ، ارتبط بالمسيرة الضوئية للقنديل ، وبتداعياته في دروب الثقافة الشعبية ، بوصفه مؤشرا على ذات الحالة / الشاعر ، وهي الممتلكة لمصوغات الحالة المقامية : الرغبة ، والإرادة ، القدرة ، والفعل ل ” تشد” سفرها الحسي ، نحو موضوع القيمة ، جاعلة من ” الرحيل ” الزاد والوسيلة في الآن نفسه ، فالملفوظ ( الرحيل ) يؤشر على حركة الانتقال أو السفر إلى فضاء التخييل ، مؤول ذلك السياق الخطابي الذي نسجته العلامات المحفزة / جيوب الليل ،القنديل/ ، كما يؤشر على متاع السفر … فالفعل ( نشد ) حدث عمِل على تقوية ، عزم الذات وتحفيزها ، ثم وسيلة لتأمين المتاع .. نحو فضاء الرؤيا ، حيث المعاني البكر ، التي ستؤثث القصيدة / التجربة ، وذلك باعتبار ملفوظ الكلام دال على حدث فردي خاص ، لأنه إيقاع شعوري ذاتي ، عوض ملفوظ اللغة ، بوصفه ، إيقاعا جماعيا ، ومن ثمة فذات الحالة أو الشاعر يسعى إلى التأشير على حالة ولادة جنينية للدلالة ، ترتبط بحميمية التجربة .. وهذا ما ستؤشر عليه الضخة الثانية
الضخة الثانية :
موضوعها الدينامي من الظاهر إلى الكينونة :
وكما نعلم أن الشمعة ، توأم القنديل ، بوصفها تمثل كينونة الذات ، ستكون نواة الإشعاع الدلالي لسيلان الضخة الثانية ، منه ستستمد انبزاغ النور، الذي سيعمل على إذابة كينونتها الدلالية ، باعتبارها جزءا من مقام الحالة ، مؤشرا بذلك على انصهار الذات في فضاء المعاني ، عبر انسياب عفوي سلس ، مؤوله سيلان الدموع الشمعة ، باعتبارها صورا وخواطر ورؤى ، نابعة من عمق أحاسيس الشمعة ، بوصفها أيقونة تؤشر على استفاقة ذات الإلهام ، مصدر الإبداع الحق التي تسكن جوانية ذات الحالة / الشاعر، فحركت مشاعرها لتمسك بأثر ” الشعا ” لأن ” الأثر الذي يوحي ، وهو يُملأ كل مرة بالمشاركة العاطفية والتخييلية للمؤول ” ( 12 ) ستجعله زنادا للشمعة / ذات الإلهام ، التي حركت منابع كل الحواس ، وعطلت مصادر التفكير لديها ،بعدما استبعدت ضوء القنديل لكونه ، فقط ، كان وسيلة الذات نحو موضوع القيمة . وأين ضوء القنديل من نور الشمعة ؟؟؟.. تقول ذات الحالة :
زرعت به الشعا
في وجه ظلامي.

” الشعا ” الذي تكتفي به تلك الوجوه المتشاعرة ، العاجزة عن الوصول على مقام ذات الإلهام ،”الشمعة ” ، ويقفون فقط عند ضبابية الأثر ، لذا جاءت استغاثة الذات الشاعرة مستجدية دون الحيلولة بينها وبين التمسح بقدسية ذات الإلهام ، ونضارة جمالها …وذلك بعد ما استغرق كل من فضاء وزمان الرؤيا ذات الحالة ، حيث تعتمل التجربة الإبداعية ،عبر إحساسها بعمق وفوران المشاعر ،وبوطأة ومتعة الجمال الإبداعي تقول :
ها العار خليني نمسح
خدود وردها بكمامي .
إن لمقام الإبداع توهجات إبداعية ، لا ينكرها كل من يدرك طبيعة العملية الإبداعية؛ فقد لا تتكرر الحالة الإبداعية مرة أخرى ، وبنفس سمك هذه الضخة الشعورية الحرى، والإحساس المرهف ؛ للدرجة التي يؤدي وقعها في أعماق الذات لذةً؛ وشعوراً بالنشوة، والارتياح؛ ولذا دفع اِسفرار ذات الإلهام عن بهاء جمالها لذات الحالة ، إلى أن تتوسل هذه الأخيرة ، أيقونة ” الكم ” ، وقد ” انصهرت في حالة من الوعي الجمعي للإبداع تقول الرؤيا لا الرؤية ” ( 13) ، فالكم ” أداة ، لملامسة هذا الجمال ، بوصفه ينتمي إلى نسق الطبيعة ، طبيعةُ ذات الإلهام ، التي تراءات عبر نور الشمعة وسيلان جمال معانيها … وذلك ، أن للبنية التركيبية للأيقونة “كم” مؤشرين : أحدهما يحيل على نسق الثوب يستبعده السياق الخطابي ، والآخر على نسق الطبيعة ” كم الزهرة أو الوردة . لتصبح ذات الإحساس بدورها ، من جنس الورد ، حتى يمكنها الاندماج في هذا الفضاء المقامي .. لتنعم صحبة ذات الجمال أو الإلهام الشعري ، بطاقة الحس الجمالية ، قبل تلاشيها ، غير أنها مع الأسف ،لا زالت في حالة تبرعم أو تكمم ، لتفتق القصيدة ، مؤول ذلك العلامة المحفزة “خدود الورد ” تقول ذات الحالة وهي تتحسس سيلان الضخة الثانية :
دموع الشمعة تسيل
وكل ما بكات قليل ..
زرعت به الشعا
في وجه ظلامي.
نشم روايح مسك الليل
ويحشم نور القنديل ..
ما يهز عيون
في مراية ملامي
ضوي لهيه وقيل
عليك السالبة لعقيل ..
ها العار خليني نمسح
خدود وردها بكمامي .
فمع صفاء الحواس وطيبوبة الرؤيا ” أصبحت ذات الحالة / الشاعر ، لا يدرك إلا أحوال ذاته ، ولا يشعر إلا بها ، إنه لهيب شمعة ، غذاؤها من ذاته ” ( 14).. مما جعل حواسه تتبادل أدوار الاستمتاع ، فتراجعت حاسة الرؤية الإرادية ، أمام حاسة الشم اللاإرادية ، بناء على انتشار مسك الليل .. لأن غاية ذات الحالة هي الاستفراد بنور الإبداع ، لذةً وتجربةً قصوى ، ومن ثمة ، شرعت الذات في الاستمساك ( المسك ) بلحظات الرؤيا الإبداعية ، فحياة الإبداع الحقة ، تختلف عن حياة الواقع ، فأن تعيش الحالة إبداعا ، يختلف عنها ، وقد تم نقلها عبر وسائل التوسط ، وهذا ما وعتها ذات الحالة / الشاعر ، فسعت إلى البحث عن وسيلة تعبير لها القدرة على تصوير آثار هذه الحالة الإبداعية العفوية ، تراءت لها أيقونة الشربيل ، لذا ، فبعد ما حققت ذات الحالة ولوجها إلى مقام الإبداع ، ” وحرّكت ” في الفضاء الجمالي للتجربة ، ستجد نفسها عاجزة عن استعادت هذه الحالة المقامية .كما عاشتها ،.وستسعى من جديد للبحث عمن يمنحها وسيلة التجوال ، في هذه البهاء النوراني والمعاني الجمالية .. قصد الاحتفاظ بها . ومرة أخرى تعود إلى أيقونة ” الليل ” ذلك الزمن الإبداعي المطلق ، الذي أجازت لها عملية الدخول المقامي ، ليهبها وسيلة التعبير التي كانت من طينة الثقافة الشعبية نفسها ” الشربيل ” بألوانه الزركشية وتعدد أشكاله ، تبعا لذلك التساوق الألمعي بين هذه المكونات : القنديل ، الشمعة . ثم ” الشربيل ” وسيلتها للتخطيط والتشكيل ، : ” لأنها تستهدف توصيف شكل المعنى أو الدلالة ، لا الدلالة ، بل هندسة الدلالة . فالدلالة ستعتبر إذن كأثر ، كنتيجة نابعة من لعبة علاقات بين العلامات أو العناصر الدالة “.( 15).. بوصفها إبداعا ذاتيا ترسم أشكاله حواس فنان أصيل ، ولأن لحظة الإشراق الإبداعي هاته تحتاج إلى لغة إبداعية لا إلى لغة متواضع عليها ، ومن ثمة فانبزاغ أيقونة الشربيل كان بتأثير لحظة الإشراق هاته ، به ستحاول الاستمتاع ، ثم تصوير آثار هذه التجربة الإبداعية .. التي سوف تكون عبارة عن تخطيطات ، خيالات شعورية ، يجب اختراقها نحو فضاء التجربة الغائب .. وبما أن الذات ليس لها القدرة على التعبير المباشر ، عن ومضات ، ومضان هذه الرؤيا الإبداعية التي نعمت بها ، صحبة إشراقة ذات الإلهام .. فسيكمن الإشكال في قدرتها وإمكاناتها على ترجمة هذه التجربة ؟؟؟ فلجأت ، بذلك ، ومن جديد إلى بذل الجهد والبحث عن أداة تواصل ، لها طاقة على تحمل وتحميل تلك المعاني ، التي اجتاحتها في حضرة ذات الإلهام ،لأن الإبداع معاناة حسية ، والشعر إحساس ، وليس ترفا لغويا ، فتلك مسألة ، تزخر بها المعاجم اللغوية والشعبية … تقول:
نقلب في جيوب الليل
على شربيل
نخطط بيه
في مرح خيالك قدامي
فتشرع التداعيات التلقائية في السيلان ، فتستغرق الذات لحظة ذهول أمام هذا الانهمار العفوي للمعاني ، فتلتمس من ذات الإلهام التدرج في عرض هذه الإشراقات الإبداعية . فتغمر الذات لحظة تفاعل قصوى بينها وبين ضخات الإبداع ، في عالم الشعور ، عالم الجمال الإنساني ، حيث تتساوى المتناقضات .. وتنمحي الإكراهات .. والتماسها التأني ، في استعراض صور الإبداع .. الناتج عن مخاض التجربة … عن ولادة عسيرة للمعاني البكر ، لأن الذات في حاجة إلى نفس تدريجي من أجل استيعاب لحظة الحالة هاته .. .فهي تعيش مقاما حاليا قد نقول شبيها بمقام الصوفي…تقول ذات الحالة المقامية :
فتي علي بالتاويل
نتهجا حرف حرف ..
باش نعرف
سر بهاك في مقامي
..فبعد استشعار ذات الحالة لنبض التجربة ، في صفائها انطلقت نشوى نحوى ” المحرك ” ،زادُها الخيال، للاتقاط صور الإبداع ، وهي تتغنج أمامها .. أمام الفارس الخيال الذي أمسك بالقدرة الإبداعية ، بعد ما أخضع معانيها لإرادته ، مسحورا بسر جمالها ، وهي تتبختر خارج حركة الزمن الكرونولوجي . وتلك خاصية حرمت منها كثير من الذوات المتشاعرة … لكنه ، وفي تصويره لهذه الحركة الإبداعية ، لا يحاول أن ينقل فضاءها وحسب، بل طاقة شعوره بها ومفعولها فيه،
نحرك على ظهر الخيل
وفي المحرك نتخايل
حروف زينك
تتخنتت قدامي .
إنه فضاء المعاني المطلق والمشترك بين ذوات الإبداع ، فكل منها يغتنم نصيبه حسب إخلاصه ، وصدق سريرته الإبداعية ، لكن للأسف ، تأتي لحظة الاستفاقة من هذه الغفوة الإبداعية ، سريعا ، بعد ما عاشت الذات لحظاتها الجمالية ، وجنت ثمار هذا الفضاء المشرع ، فقط ، لكل ذات إبداع .. وتحاول الذات تصور وتصوير لحظة الاستفاقة هاته ، عبر علامات تشتغل كمؤشرات ومؤولات الذات ، في الآن نفسه ، عن لحظة مغادرها لمقام عالم المعاني ..لأن نسيان الإشارة الحالية أو المقامية ، التي كانت جوازها نحو فضاء وزمان الإبداع ، تعد مؤشرا على انتهاء الرحلة ونفاد ” الرحيل ” ، ومؤولا على عودتها إلى فضاء الواقع .. بعد ما تزودت حواسها ب” رحيل” المعاني”، إضافة إلى الدور الزمكاني الذي لعبته الأيقونة ” هنايا ” ، بوصفها رابطا بين جوانية التجربة وبرانيتها ، بين فضاء الحالة المقامية الإبداعية وزمنيتها ، وبين الواقع المعيش ..
ختمت جنان السبيل
آية بآية
ونسيت الدليل
هنايا
في غرق سرير منامي .
الضخة الثالثة :
موضوعها الدينامي العودة إلى الظاهر :
لذا ، فبعد البحث الأول عن منفد إلى التجربة ، عبر ضوء القنديل ، تلاه بحث ثان عن وسيلة الانصهار في فضاء التجربة الإبداعية ، حيث انبثاق التداعيات عن طقوس أيقونتي الشمعة والشربيل ، تأتي عملية البحث عن الضخة الثالثة ، معلنة عن إشكالية الذات ومعاناتها مع تحسر حواسها وقد شعرت بخروجها من فضاء الإبداع الجمالي ، نحو فضاء الواقع الإنساني ، الموضوعي .. تقول ذات الحالة :
نقلب في تشامير الليل
على منديل
نشد به خاطر الدمعة
طاحت من قراب نظامي
وانا واقف حسكا والميل
خارج من لخيام
طيح وراق الشنعا
قدام باب تخمامي .
نحن أمام ، كم من المؤشرات الخارجية ، التي ستعمل على تأويل لحظة صحو الذات ، من سطوة اللحظة الإبداعية وانفصالها عن زمان وفضاء التجربة ، والانتقال من داخل الليل إلى خارجه ، من جيوبه إلى لباسه الخارجي ” تشاميره “، ومن البحث عن فضاء المجرد المعنوي / النور / القنديل ، الشمعة ، الشربيل ، إلى البحث عن نقل كل هذه التدعيات ، إلى فضاء المادي والملموس ، مؤشر ذلك ، محاولة الذات التمسك بأثر هذه الداعيات ، رغم إحساسها ببوادر بانفلات طقوس اللحظة الإبداعية ، مما صعب إيجاد وسيلة ملائمة لتجسيدها/ مؤول ذلك الحركة الأيقوني للعلامة ” الميل” وحركة الفعل ” نشد “
بعد الحركة الحدثية والحالية الأولى ” نشد الرحيل” ، في مطلع القصيدة ، طبعا ، التي كانت نحو عمق التجربة ، حيث دموع الشمعة ، أي احتراقها وسيلان معانيها في صفاء الرؤيا ، عملت حركته الحدثية والحالية الثانية” نشد به خاطر الدمعة ” على توجه الذات نحو خارج التجربة ، من جوانيتها ، حيث احتراق ذات الحالة … وسقوط دمعة ، يدال تنكيرها على مطلق الدلالة ، بوصفها أثرا على ولادة المعاني ، النابعة من عمق التجربة الإبداعية الذاتية ..وتعبيرا صادقا عن الذات من الرؤيا إلى الرؤية ، إلى برانيتها ، حيث الواقع المعيش ، فضاء الناس تقول ذات الحالة :
نقلب في تشامير الليل
على منديل
نشد به خاطر الدمعة
طاحت من قراب نظامي
وقد أشرت الحركة الحالية لأيقونة المنديل ، بوصفها علامة على عمق الإحساس ، على الاعتمال الداخلي ، من ناحية ، وعلى تحسر ذات الحالة ، لعدم استدامة لحظة الإبداع ، التي استمتعت فيها بعالم جمال المعاني ، حيث الإشراقة الوجدانية ، الروحية .. أما حركة الميل ، خارج مشاعر الذات ، وبعيدا عن فضاء المعاني المطلقة ، تعد مؤشرا على إحساس الذات بالحدوث الفعلي ، لتحول في وضعتها المقامية ، مما دفعها إلى عدم قطع الصلة بعالم معانى الإبداع ، .وهي تحاول التعبير عن كينونة المعاني المحسوسة ، عبر إكراهات الظاهر الموضوعية والمعرفية ..التي تتوسل التخمام والتأمل ، في التعامل مع كينونة المشاعر . تقول ذات الحالة :
وانا واقف حسكا والميل
خارج من لخيام
طيح وراق الشنعا
قدام باب تخمامي .
إنها مغادرة عالم الأحاسيس والعودة إلى فضاء الناس .. عالم الواقع … المعرفة الحياتية الطبيعية والتفكير من جديد…
لا على سبيل الختم :
فإن من يتأمل سيرورة العلامات المحفزة جمالياً ، في هذا النسق الزجلي ، سيدرك أن قيمة العلامة سواء أكانت مؤشرا أو إيقونة أو رمزا ، فإن فعاليتها تكمن في تجاورها الصوتي وتصادي إيقاعاتها في التركيب وفي تناغمها الانسيابي .عبر بنية التشاكل الدلالي ( .16. ).ل: قنديل / شربيل / تشامير الرحيل تسيل … وذلك ليس فقط ، نتيجة تفاعلات النسق الخطابي ،وإنما بما تملك العلامات ، أيضا ، من وقع صوتي مؤثر، و”حركة” مكثف تكتسبها من سياق اقترانها، وتجاورها من جهة، وبنيتها الصرفية من جهة ثانية…
وهكذا تتبدَّى لنا التجربة الشعرية للشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد، تجربة داخلية، ومعاناة جَوَّانية، تُفصِح عن نفسها ، بإطلاق طاقة الشعور، لتعبِّر عن فعل الإبداع الأدبي في الحياة .. ذلك أن قصيدة الرؤيا تطرح أسئلة عميقة ، من خلال استبطانها للمحسوسات ، وتفاعلها معها ، فهي لا تكتفي ، فقط بالمرئي من التجربة ، ولا تنقله بشيء من التحوير ، أوتغرق في الحديث عن الذات، وإنما هي تتعدى ذلك ، لإعادة تشكيل إحساسها بالمرئي ، وتقترح قراءتها للوقائع ( … ) هي إذن رؤيا بإحساس وإحساس برؤيا ) ( 17) …وهذا يدل على أن الحالة الإبداعية ، وقوة مردودها الرؤيوي والشعوري ، هي التي تحدد درجة سموق الرؤية، وارتفاع درجتها الشعرية ؛ ؛ فالقوة الرؤيوية؛ وتوهج الحالة الإبداعية تحدد عمق التجربة، وتطورها من مرحلة إلى أخرى، بل من قصيدة لقصيدة أخرى …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع