إقحام الرواية في السينما المصرية و توظيف صورة الإغراء فيها

عوامل نجاح و انتشار برغم صرامة مقص الرقابة

212
عوامل نجاح و انتشار برغم صرامة مقص الرقابة
إقحام الرواية في السينما المصرية و توظيف صورة الإغراء فيها
بوخلاط نادية


استطاعت السينما المصرية بعد أزيد من قرن على ظهورها و بروزها بشكل لافت في أربعينيات و خمسينيات القرن الماضي و هو الزخم الذي استمر حتى يومنا هذا و الذي مكنها من التموقع و بلوغ العالمية و حصد جوائز في مهرجانات عربية أو قارية ، و قد يتساءل البعض عن سر هذا النجاح الذي لم تخمد نيرانه حتى اليوم رغم ما عرفته مصر من هزات و تقلبات سياسية و على رأسها مع عرف بثورة25 يناير 2011 و رياح الربيع العربي التي اجتاحت العديد من الدول عصفت بالعديد من القطاعات فيما صمد قطاع صناعة السينما و واصل دوران الكاميرا و نشاط “بلاتوهات” التصوير، و يرجع بعض المختصين في المجال السينمائي هذا النجاح لكثرة الإبداع و نشاط كتاب السيناريوهات و استغلال زخم الإنتاج الأدبي الغزير الذي يعتبر مادة خصبة يلجأ إليها عدد من المخرجين لتحويلها إلى سيناريوهات و من ثم أفلام ناجحة

من طه حسين ونجيب محفوظ إلى إحسان عبد القدوس عصر السينما المصرية الذهبي

شكلت الروايات التي أبدعها طه حسين و نجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس و كذا جمال الغيطاني و أسماء أخرى تعتبر من قامات و أعمدة الأدب المصري مادة خصبة و ثرية سعى اغلب المخرجين إلى أللاستثمار فيها و إخراجها من الورق إلى الصورة المرئية أضفى إليها خيال المخرجين و إبداعهم جمالية و شهرة انتقلت الى كامل الوطن العربي بل حتى إلى أوروبا في مهرجانات ذاع فيها صيت الفيلم المصري بشكل لافت .
و لعل الميزة المهمة هو كون المخرجين لم يتوانوا في نقل مشاكل القرى و الحارات الفقيرة و القصص الإنسانية بشكل احترافي منح لتلك الروايات روحا بعثت من خلالها إلى الواقع ، لقد عرف طه حسين بقدرته العجيبة في الزخم السردي و نقله أدق تفاصيل الريف المصري بكل أبعاده الايجابية و السلبية ، كما أبدع في وصف معاناة سكان الريف و المدن بتلك السلاسة التي صاحبها عمق مما جعل كل أعماله تصنف كروائع ساهمت في بروز السينما المصرية و نجاحها في نقل الرواية من الورق إلى الواقع و بشكل راقي وجميل ، فنأخذ مثلا رواية “دعاء الكروان” لطه حسين التي حولت إلى فيلم أخرجه المخرج المصري الكبير هنري بركات و عرض لأول مرة سنة 1959 ،و ويعد من بين أفضل الأفلام التي قدمتها السينما المصرية، حيث جاء في الترتيب السادس في قائمة أفضل عشرة أفلام في تاريخ هذه السينما في الاستفتاء الذي أجرته مجلة ” فنون” المصرية سنة 1984.
لم يكن دعاء الكروان هو الفيلم الوحيد الذي لاقى شهرة واسعة بل هناك أفلام أخرى ذاع صيتها نذكر منها فيلم “السلخانة” ، “أبناء حارتنا “، ” بوابة الحلواني” ، “عمارة يعقوبيان” ، “أذكريني” ، “أبي فوق الشجرة ” الذي ادى الدور فيه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ حيث اتهم المخرج بالمبالغة في شحن الفيلم بالمشاهد الجنسية الساخنة ، وكذا غيرها من الأعمال الأدبية التي حولت إلى أفلام ذاع صيتها و حصدت شهرة عربية و تخاطفت لعرضها ، و لم يشمل الأمر الأفلام الروائية الطويلة بل تعدته الى المسلسلات الدرامية التي اشتقت قصصها من بعض الروايات أو من قيام روائيين مارسوا كتابة السيناريوهات كتابة قصص حولت إلى سيناريوهات لمسلسلات ناجحة على غرار مسلسل “بين القصرين” ، “الأرض”، “اللص و الكلاب” ، “سرايا عابدين” و غيرها من الأعمال التلفزيونية التي حفرت في ذاكرة ليس المشاهد المصري بل المشاهد العربي من محيطه إلى خليجه .
لقد نجح المخرجين المصريين في كسب الرهان و نقل صورة مصر و تسويقها الى العالمية و كانت تلك الأفلام عاملا مساعدا على ازدهار السياحة بمصر من خلال تلك المناظر الجميلة و حسن اختيار و انتقاء أماكن التصوير مثل الغردقة ، شرم الشيخ ، الإسكندرية ، أسوان، و الريف المصري فضلا عن القاهرة بشوارعها الجميلة و حتى بالريف المصري و حقوله الواسعة
نقلت تلك الأفلام صورة الفلاح المصري ، و العامل الكادح و طبقة المسحوقين و سكان المقابر دون السعي إلى تزييف الصورة و خلق بديل مزيف يعكس صورة الرفاهية للمواطن المصري و لعل تلك هي الايجابية ، فنقل الحقيقة دون زيف كانت عاملا من عوامل النجاح

أفلام الجيل الجديد ، الاشتغال على كسر ” التابوهات”

كثيرا ما وسمت الأفلام المصرية خاصة للجيل الجديد من المخرجين مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا بكونهم يشتغلون على إبراز ” الإغراء” كعنصر أساسي يطغى على المضمون القيمي للفيلم و رسالته الجوهرية التي يقدمها للمشاهد سواء المصري أو العربي، و ظلت تلك السمة ملازمة لهم ، و طغت ادوار الإغراء على الرسالة الجوهرية التي من المفروض أن يحملها اي عمل سينمائي ، و هناك من يقر بتلك الحقيقة و يبرر ان دور الإغراء ما هو إلا بمثابة ملح الطعام أو “الكرزة على الكيكة” كما يقول المثل الشائع ، و ان كانت كما يرى الغالبية شر لا بد منه ، قد تنحرف بعض الأفلام و تركز على الإغراء من خلال مشاهد خادشة تشعر المشاهد بالحرج أو قد تؤدي للعزوف عن المشاهدة خلال العرض الأول لها بدور السينما ، و قد تحدث زوبعة من النقد قد تصل إلى تدخل مقص الرقابة لحذف تلك المشاهد من الفيلم .
يخوض صناع السينما في مصر، معارك مستمرة مع الرقابة التي تضع المنع تحت خطوط “خدش للحياء”. هل هذا المنع تقييد للإبداع أو ضبط لما يعرض من أفلام حفاظاً على التقاليد العامة؟ يقول الناقد الفني رامي العقاد: “ليس جديداً على الرقابة منع أفلام من العرض، فلها تاريخ طويل في ذلك، لا بد أن نكون مع الحرية المسؤولة ، لكن على الرقابة أن تعي أيضاً أن الجمهور يقوم بشراء تذاكر السينما ليشاهد ما يريده. ويرى العقاد أنه كلما منعت الرقابة فيلماً من العرض بحجة “خدش الحياء” أو “الإثارة الجنسية”، انتشر الفيلم بشكل أكبر، كما حصل مع “حلاوة روح” الذي سبق ومنعه رئيس الوزراء المصري السابق، وحين سألوه عن أسباب المنع وهل شاهد الفيلم أم لا، قال “لم أره لكنني سمعت عنه”، ان هذا أمرٌ يؤكد شيئاً هاماً وهو أن الرقابة لا تراقب بشكل جيد، فكيف يتم منع فيلم وصاحب القرار لم يره ويحكم عليه حكماً فنياً شاملاً. وهناك مشكلة حقيقة لدى صناع السينما العربية، فلا يوظفون تلك المشاهد بشكل يخدم أحداث العمل السينمائي، أو في إطار سياق درامي.
لا بد أن تكون هناك رقابة مسؤولة، لا تمنع إبداعاً من العرض، ووضع ميثاق شرف سينمائي يراعي ضوابط الفن وتركيبة المجتمع .

فيلم أصحاب و لا أعز ، يثير زوبعة في الوسط الفني و الرقابة تتحرك

أثار فيلم “أصحاب ولا أعز” زوبعة من الرفض و السخط في اوساط المجتمع المصري و حتى بين النقاد السينمائيين ، هذا الفيلم المأخوذ عن الفيلم الإيطالي “Perfect Stranger” و الذي تروي أحداثه قصة 7 أصدقاء يجتمعون على العشاء، ويقررون أن يلعبوا لعبة، حيث يضع الجميع هواتفهم المحمولة على طاولة العشاء، بشرط أن تكون كل الرسائل أو المكالمات الجديدة على مرأى ومسمع من الجميع، وسرعان ما تتحول اللعبة التي كانت في البداية ممتعة وشيقة إلى وابل من الفضائح والأسرار التي لم يكن يعرف عنها أحد بمن فيهم أقرب الأصدقاء، ويجسد الفنان اللبناني فؤاد يمين شخصية مثلي جنسيا يخفي الأمر عن أصدقائه.
و كان للصحافة الفنية في مصر و المعروف عنها عدم تفويت أي فرصة أو إهمال أيا من التفاصيل قد أثارت جدلا واسعا بخصوص ما حمله الفيلم خاصة كونه طرح قضايا تعتبر في المجتمع المصري و العربي عموما من “المحرمات” و خاصة مسألة المثلية الجنسية التي اتهموه بترويجها في مجتمع مسلم و عرف بتحفظه الشديد .
ورغم الجدل إلا أن هذا الفيلم عرض في دور السينما و اعتبره البعض من النقاد و حتى الإعلاميين المتخصصين في المجال السينمائي رؤية إخراجية مميزة لأن تلك الأشياء او لنقل الممارسات هي موجودة في المجتمع كحقيقة ممارسة فلما الاستمرار في دفن الرأس في الرمل مثل النعامة و تجاهلها و التصرف حيالها كأنها لم توجد و أن الواقع يقول العكس تماما !!.
لم يسلم فيلم ” أصحاب و لا أعز” من منشار الصحافة المصرية التي تهجمت عليه بشكل لاذع و قد كان هذا العامل دعاية مجانية له قد حركت فضول المشاهد المصري للذهاب للسينما و مشاهدته .
في حين يرى البعض ان تركيز النقاد و الأجهزة الرقابية في مصر و حتى في بلداننا العربية ينحصر فقط في استهجان مشاهد يرونها خادشة و تمس بالآداب العامة في حين لا تولي أهمية للجوانب الأخرى ، كمسائل الطرح ، الفكرة ، الغاية و الرسالة التي يحملها الفيلم في خطابه المباشر للمتلقي من الجمهور .
السينما الأمريكية أو حتى الأوربية تتعامل مع هذه النقاط و تعتبر أن مشاهد العري أو الجنس ما هي إلا واجهة “جمالية” للعمل تزيد من قيمته و لأن ثقافتهم برغم وجود التحفظ لدى فئات المجتمع الأمريكي المعروف بها إلا أنهم يؤمنون بسلطة الإبداع السينمائي و يعتبرون الأفلام وسيلة لتسليط الضوء على أشياء هي بالفعل موجودة ليس في المجتمع الأمريكي فحسب بل في كل المجتمعات ، رغم أن الرقابة لها كلمتها لكن مقصها يتعامل مع المواضيع بشكل سلس عكس ما هو معمول به في الدول العربية التي تعتبر طرح مثل هذه المسائل في الأفلام مساس بالأخلاق و لأن سطوة الدين قوية في هذه المجتمع فاءن أي نية في انجاز عمل يتنافى معها يعتبر من المستحيلات و لكن هذا لا ينفي وجود أعمال سينمائية في وطننا العربي على غرار المغرب، تونس و الجزائر حيث أثارت زوبعة من الانتقادات و بعضها عرض على المشاهد رغم الزوبعة التي أثارتها تلك الأعمال لكنها مرت و شاهدها الناس و علق الكثير منها في الذاكرة الفردية و الجماعية .

إعداد/ بوخلاط نادية / وهران / الجزائر

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المقالات