إطلالة خاطفة

120
إطلالة خاطفة
نورة سعدي

 

لم أكن أعلم حينما قرأت العبارة التي سيرد ذكرها في ثنايا هذه الإطلالة الخاطفة أنها ليست قولا مأثورا أومقولة قائلها مجهول كما ظننت أول وهلة وإنما هي في الواقع صدر بيت من الشعر لعالم لغوي ومؤرخ وشاعر وأديب عربي كبير ذائع الصيت قال عنه أعلام عصره أنه أشعر العلماء وأعلم الشعراء، الشاعر هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي الدوسي الملقب بان دريد صاحب المقصورة قصيدته الشهيرة التي مدح بها آل ميكال.

 ولد المؤلف في البصرة عام 223/ه الموافق لعام 837م وتوفي في بغداد ودفن في مقبرة الخيزران يوم 23 رجب سنة 321/ه الموافق لعام 933/م،عثرت على الجملة الوجيزة التي استوقفتني (إنما المرء حديث بعده) منشورة بهذه الصيغة في قاموس المعاني فيما كنت أتأكد من معنى مفردة  دون أن يشير المصدرالمذكور إلى النص الذي اقتبست منه بل اكتفى بشرحها موضحا أنها تحث على العمل وحسن التعامل ، مبدئيا هذا ما يفهم من بيت الشعر الذي جاء مفصولا عن عجزه،لكن إذا شئنا أن نفصل ونتوسع بعض الشيء في الموضوع يمكننا القول أن المرء أي الانسان رجلا كان أم امرأة ، حيّا كان أم ميتا لابد أن يخوض الناس في سيرته إماّ بالإيجاب أوبالسلب وحسبما  قدمت يداه فاللبيب وحده هو الذي يسعى في حياته أن يكون مثالا يحتذي به الأخرون بتطلعه المستميت إلى المكارم المتمثلة في الجود والخلق الحميد و الكلمة الطيبة والعمل الصالح القيم الذي يعود عليه وعلى محيطه الأسري ومجتمعه والإنسانية جمعاء بالفائدة في شتى مجالات الحياة والمعرفة  مما يجعله محل احترام وتقدير و تبجيل كل من عرفه عن قرب سواء أبقي على قيد الحياة أم غيّبه الموت يوما ما ،فضلا عن أنه كلما ذكر في المجالس في الحالتين أنزله من وعى قيمة مآثره المنزلة التي تليق به وأغدق عليه من الذكر الطيب ،أي الحديث الحسن ما يستحقه ،الحديث الذي سيتناقله بينهم البعض بعده عن سيرته النيرة وهذا ما ألمح إليه ابن دريد في بيت الشعر البليغ الذي قاربته ،البيت المقتطف من المقصورة البديعة:

 

            وإنما المرء حديث بعده …. فكن حديثا حسنا لمن وعى

 

                                   نورة سعدي

    …………………………………..

 الجود بضم الجيم

…………………..

مطلع قصيدة  ابن دريد

يا ظبية أشبه شيىء بالمها …. ترعى الخزامى بين أشجارالنّقا

أما تري رأسي حاكى لونه …طرّة صبح تحت أذيال الدّجى ؟

                                                                                 

وللفتى من ماله ما قدمت  …..   يداه قبل موته لا ما اقتنى

وإنما المرء حديث بعده   …..   فكن حديثا حسنا لمن وعى

          (أبيات من المقصورة الطويلة )

………………………………………………..

مؤلفات ابن دريد  في اللغة والأدب تزيد عن الخمسين كتابا أشهرها على سبيل المثال لا الحصر

جمهرة اللغة ،الإشتقاق، المجتبى ،الأشربة  ،الأمالي ،ذخائر الحكمة والمقصورة

هذه اضاءات وجيزة عن ابن دريد  صاحب البيت المذكور أعلاه  الذي شدّ انتباهي وليست سيرته التي تتتطلب الإحاطة بها من كل الجوانب كيما نستوفي هذا العالم و الأديب الجليل حقه بعيدا عن هذه الاطلالة الخاطفة

نورة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع