إضاءة على نصّ الشاعرة : نيسان سليم رافت .. نص غير مكتمل

144

بقلم : كريم عبدالله .. بغداد – العراق .. 2/8 / 2019

حينما يكون الشعر قريباً منّا فحتماً سيكونالأفضل بعدما يتغشانا بسحابة من النشوة الماطرة والعذوبة المترقرقة , وربماالمواضيع العادية ستكون أحبّ الأشياء الينا اذا استطاع الشاعر ان يسخّر اللغةويفجّر طاقاتها ويستخدم أدواته بصورة صحيحة . يبقى الشاعر المخلوق العجيب والمثيروالغريب والمشاكس مادام يتمتع بخيال وحرّية تمنحة فرصة الخلق والأكتشاف . فالشاعربمقدوره أن يبثّ السحر في نسيجه الشعري ويمسك بالمتلقي ويجعله ماخوذا بما يحسّويستشعر بسلسلة الأنغام والتوترات التي تبعث من المفردات البسيطة , ويضفي عليهامسحة سحرية تجعل النصّ متوهّجاً كما في هذا النصّ للشاعرة : نيسان سليم رافت . 

اننا نقف مأخوذين بعالمزاخر بالعذابات والقلق والتهكم المرير والألم الفظيع والأكتئاب والأنتظار اللامجديوالغربة الطويلة والخراب والأمل المنتظر ../ أشعر بأنقباضة متكررة فأنا إمرأة مملة هكذا ../ .. لقد عشت الوحدة والعزلة والحب ../ .. لا أحد يفهم لماذا أنا أعيش، لأجل ماذا أحلم، لا أحد يستمعلأنين الوحدة في صدري، ولا لعواء الذئب المجروح، ولا أحد يرى دخان سيجارة العجوزالمتعب في داخلي../ .. ويغلقونأذانهم عن نبرة الحزن في حديثي ../ جميعمن أخبرتهم عن خوفي من الموت ../ .. أشعر بآلام الحيض لكن فيقلبي ../ .. جلّما اريده هو التخلص من وباء الغربة ../ . وكأنّ الشاعرة في هذا النصّ الذي لم يكتمل تعيش فيصحراء مترمية الأطراف , أو تسكن حلف قضبان الزمن لاخلاص وفكاك من جبروته . استطاعتالشاعرة بلغتها هذه ان ترسم لنا صورة جليّة عن واقع تافه وأن تضفي عليه رفيف الشعربعدما استطاعت تسخير مفرداتها وشحنها بطاقات شعورية .. / حتىتعلمت أن أكتب نصي هذا بكلمات أبعد ما تكون عن الكلمات ../ .. سألتقي بكَ يومًا، بصدفةمدبرة، لتخبرني عن علاقتك الزوجية المملة، عن المرأة التي تزوجتها بعد أن قلت ليبأنك لا تستطيع الإلتزام، ستخبرني بأنك شاهدت معها الأفلام التي كنا قد اتفقنا علىمشاهدتها سويًا، بأنك سافرت معها للعديد من البلدان، لكنك لم تشعر باللذة والحماسالذي كنت تحلم به ../.. لقد استطاعت الشاعرة هنا أن تشدّنا الى عالمها المستقبلي بهذه الانتقالاتالممزوجة بالألم المرّ والأمل الالمفقود , هي حالة يمارسها الأنسان / الشاعر /كتعويض لما فقده في حياتها الواقعية , فيهرب الى أحلامه التي يفصّلها كيفما يريد ,ويحاول ان يتحرر من الواقع المؤلم والبائس ../ .. عندما تكون الخسارة فادحة يكونوقعها أمرّ وأوجع في النفس الانسانية النقيّة المحبة للخير والسلام والحبّ , لقدحاولت الشاعرة ببوحها الممضّ ان تبرز لنا العالم الداخلي للأنثى بتصويرها الخلجاتالداخلية والهموم اليومية الذاتية وقراءة الواقع بعين الحقيقة وإبراز الملامحالقبيحة له عسى أن يخفف من شدّة الغربة ووحشة الوحدة , لقد بدأ النصّ من الهرم ثمبدأ يتلاشي شيئا فشيئا ليتركنا في حيرة من أمرنا ../ سنلتقيحتمًا وسأذكرك بنصي هذا لأراك حزينًا فأجد بذلك حجة لعناقك وبعدها سأعاود الرحيل،لربما ستحب أطلاق لحيتك لمرة واحدة ../ .. يبقى النصّ مفتحا على جميع الاحتمالات والتأويلاتلانه لم ينتهي بعد فمازال هناك متسع من الوقت ../ وحتىيكتمل النص ../ سأنتظر حتى يزهر النارنج في عودتك ../ ..ويبقى الحبّ الصادق هو من يثير في النفس المشاعر القوية ويمنح الشاعر فضاء شاسعامن خلاله ان يبوح لنا ما يثير ويقلق ويجعلنا نتفاعل بصدق معه ونقف الى جانبه فيمحنته .

النصّ :

نص غير مكتمل 
أشعر بأنقباضة متكررة فأنا إمرأة مملةهكذا قال لي أحدهم ذات مرة..
لا أحد يفهم تعلقي الشديد بفيروزوبغابرييل ماركيز وغسان كنفاني..
لقد عشت الوحدة والعزلة والحب مع غابرييلوأحببت حتى نسيت النوم مع فيروز وما زلت أسأل ذلك الأحمق عن حاله بكلمات باردة ..
ما زلت أرى أن قضايا الوطن تحملنيالمسؤولية
وما زلت أكره غادة السمّانوبهتان أعترافاتها برسائل الغرام ،
ربما أنت ستفهم ذلك معالوقت.
لا أحد يفهم لماذا أناأعيش، لأجل ماذا أحلم، لا أحد يستمع لأنين الوحدة في صدري، ولا لعواء الذئبالمجروح، ولا أحد يرى دخان سيجارة العجوز المتعب في داخلي..
كلهم يرونني كاتبة وليسإمرأة لها عالم مكتظ بأسماء الجنود الذين لم يعرف عنهم إلا سجل دونت فيه تواريخالتحاقهم للقتال
ونساء بألوان كثيرة 
يرون ما تكتبه يدي ويغضونأبصارهم عن إرتجافها، يسمعون ما يقوله لساني ويغلقون أذانهم عن نبرة الحزن فيحديثي، لكن ربما ستسمعها أنت..
جميع من أخبرتهم أن الورقيتحدث معي لم يصدقوني لولا مشاعرهم القليلة لقالوا عني “مجنونة”، جميعمن أخبرتهم عن خوفي من الموت لم يردوا بشيء 
من الذي سيرى الحزن في ضحكةالوجه
لم ينتبه أحدًا
لا أحد يفهم لماذا يأتي علىبالي أن أدخن سيجارة، إنها الوحيدة التي تقتل الدمع المالح في خواصر أوطانناالمسلوبة

فيسياق الحديث عن السيجارة تذكرت أن وجودها أنساني أشياء كثيرة 
ثلاث أغنيات، ومشوار واحدٍ لكنه طويل ورسالة لم أكملختامها رغم أنني أغلقتها ووضعت عليها طابعاً قديماً
وذكراه عندما أمسك بيدي لأول مرة وكيف بدء العالم يختفي،والضجيج يختفي وأنا أختنق، أجل بدأت أختنق لأني لم أكمل النص الأخير: .

وقتهاشعرت بشيء يتحرك داخل أحشائي، ابتعدت عن نفسي للوهلة الأولى، لم أكن أعرف ماهوشعرت بحرارة تتولد تحت جلدي، وكأن جيوش من النمل تمشي على أطرافي، لم أكن أعرف 
حتى تعلمت أن أكتب نصي هذا بكلمات أبعد ما تكون عنالكلمات، لم أعد أقوى على كتابة جملة كاملة، أشعر بآلام الحيض لكن في قلبي، كلالأشياء تخرج مدوية مني، تخرج عن سيطرتي، جلّ ما اريده هو التخلص من وباء الغربةمع انتهاء هذا النص.

ورغبةعارمة بتمزيق كل الأوراق، بمسح الكتابات وتمزيق هذا الخراب..
بدأ السواد يغطي المكان، ويغطيني، فقد أتى الليل ليعزيني،سأرتدي الخمار منذ اليوم، كي لا يرى أحدٌ بهتان ضحكتي، ولا حتى تجاعيد عيناي، وكيلا أراك بصورة واضحة ذات ألوان..

سألتقيبكَ يومًا، بصدفة مدبرة، لتخبرني عن علاقتك الزوجية المملة، عن المرأة التيتزوجتها بعد أن قلت لي بأنك لا تستطيع الإلتزام، ستخبرني بأنك شاهدت معها الأفلامالتي كنا قد اتفقنا على مشاهدتها سويًا، بأنك سافرت معها للعديد من البلدان، لكنكلم تشعر باللذة والحماس الذي كنت تحلم به..
ستخبرني بأنها مثقفة لكنها من النوع الممل وأنها لا تجيدالرقص رغم أنك علمتها بعضه، فهي لا تملك روحًا راقصة، وهي طباخة ماهرة لكن لا طعمللحب في طعامها..
ستخبرني بأنك تقضي الليل بجانب امرأة لا تعرف المغازلة،فلا تقول لك بأن لحيتك جميلة، وشامتك هذه بنية وتلك سوداء، لا تقبلك في عينيكالمتعبتين، ستخبرني بأنها تنزعج من يدك التي تتعرق عند الإمساك بيدها ولم تحبهاكما أحببتها أنا، ولا تبدي إعجابها بكنزاتك الصوفية، وغبية لا تعرف معنى النقاطولا الضباب بصورتك الشخصية في الهوية، بأنفك الذي تراه كبيرًا ..
سنلتقي حتمًا وسأذكرك بنصي هذا لأراك حزينًا فأجد بذلك حجةلعناقك وبعدها سأعاود الرحيل، لربما ستحب أطلاق لحيتك لمرة واحدة
وحتى يكتمل النص

سأنتظرحتى يزهر النارنج في عودتك

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع