إدريس (قصة قصيرة)

106
إدريس
قصة قصيرة
بقلم / حسن ابوقباعة المجبري

 

أمواج عاتية تتلاطم في هذا الشتاء القارص، فتنكسر على صخور الشاطئ المقابل، لتنتهي بزبد أبيض متلاش ومتداخل مع زرقة مياه الموج العاتي القادم كذلك والمتكرر.
ومن بين تلك الأمواج ظهرت بقايا أخشاب لقارب متحطم في موقع مجهول من محيط البحر الغاضب.
..بقايا أشلاء لبحارة غرقى، وآواني خفيفة وقوارير متناثرة هنا وهناك، ومن بين الصخور، يئن طفلُ رضيع بين ذراعي أمه المرتمية واهنة، تنتظر بشغف شيئا أقرب إلى الموت.
..يقترب منها صوت الأمل صوت أذان الفجر، فتتسرب ابتسامة خافتة تمدها بطاقة جديدة لتتحرك زاحفة ململمة أشلائها من على حافة الهلاك إلى الطوق المأمول.. تكتم آلامها، فتتجاهل خدوشها و تتثاقل خطواتها، لتسقط هنا وهناك قبل أن تلمح الرصيف وتشاهد معالم المدينة ومبانيها المتلاصقة بعشوائية مفرطة لحد الفساد.
تزداد قوتها وتتأمل الوصول إلى أحد البيوت فتصل وتقرع النوافذ قبل الأبواب ،فيتهادى إلى مسامعها صوت أحدهم يتسلل بالأنين
-من الطارق؟
فتجيب بكتم الأنفاس متزامنة مع أنين الألم وضجيجٍ صراخ الطفل الجائع:
– أنا
فيعيد القاطن:
– من تكونين.؟ ومن أنت؟
فتسلم أمرها للموت قبل أن تتكلم، وليكمل الطفل الحوار بصرخة متقطعة بائسة.
.. يُفتح الباب ليخرج شخصٌ متذمرٌ من توقيت القدوم، فيجد الموت والحياة..
أُمُ ولجت الموت، وطفل ولج الحياة!
تذمر من المعاناة التي ستنتج من القادمين
..همّ كبير اعتراه، وتبدد سبابا وشتائم للدنيا ،ولكل شيء حتى الجلالة!ليتعدوا علي الملكوت و ميزان الله في الأرض.
فأرعدت السماء غضبا واهتزت المدينة من جراء زلزال عظيم حطم بيوتا هنا وهناك وانتشر الصراخ والعويل ممتزجا بصفارات الإنذار وأصوات مركبات الإسعاف، التي هرعت لعين المكان لتجد القاطنين وقد ارتبكوا وتبعثروا في كل مكان، فمنهم من مات ومنهم من أصيب ومنهم من احتجز ما بين حطام البيوت، فازدادت المأساة تعقيدا.
..تراجع القاطن عن قراره بانتشاله جثتي الأم والطفل الرضيع لخطب جلل، فطفله الرضيع قد هلك هو الآخر بفعل الزلزال.
…وفر على نفسه مشقة الغسل والدفن،فجرجر جثة الأم المجهولة إلى ثغرة نتجت في أحد البيوت المجاورة من جراء كارثة الزلزال، وعاد إلى طفله الشرعي المتوفى ،فحمله ووضعه بين ذراعي الأم الميتة، ليضمن راحة باله، فلن يقيم مراسم جنازة لابنه الرضيع، فلقد قرر أن يربى الطفل البديل فأعطاه اسم طفله المتوفى
“إدريس”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع