أيّ اللُّغات أولى بالحماية؟

59

م.م. فكتوريا مناتي محمود
يرى علماء الاجتماع ، ان دراسة لغة او ممارستها ، تعني دراسة ثقافة اهلها وأفكارهم؛ لأنَّ (اللغة( ليست مجرد ألفاظ للتفاهم بين الأفراد، وإنما هي وعاء يحوي مكونات وجدانية، ومعتقدات. فتعلُّم أيِّ لغة لا ينفك عن تعلُّم ثقافة أهلها وأفكارهم ومعتقداتهم، وكذا الإلمام بأيّ ثقافة يستلزم الإلمام باللغة التي تمثّل تلك الثقافة.
بلْ إنَّ دراسة أيّ لغة يمكن أن تسيطر على فكر دارسها وروحه، وتؤثر على لغته الأم.
وفي ذلك يقول د. زغلول النجار: إنَّ “المتخصصين الذين ينهمكون في التدريس والبحث والتأليف والنشر بلغات أجنبيَّة، ينعزلون تدريجيًّا عن مجتمعاتهم، حتى يصبحوا غرباء بين أهليهم وعشائرهم على غير قصد أوْ تخطيط منهم مما يؤدي إلى تفكيك روابط المجتمعات وحجبها عن أصحاب الفكر والرأي حتى يتمّ تحلّلها”.
وقد تنبَّه المسلمون منذ وقت مبكر إلى هذه الحقيقة؛ حقيقة تأثير اللغة بألفاظها. لذا؛ حرصوا على تسمية المواليد بالأسماء الحسنة، بلْ دعوا إلى تغيير الاسم غير الحسن إلى اسم حسن، حتى ولوْ كان صاحبه قد عُرِفَ به ونشأ عليه فيما ذهب من حياته. والسبب ؛ أنَّ الأسماء ليست مجرد كلمات جوفاء، فاللغة عموماً وعاء القيم الثقافية التي تعيشها الأمة.
وفي هذا الصدد؛ يقول شاعر صَقَلية “أجنازيا بوتينا” في قصيدة له بعنوان “لغة وحوار” :
ضع شعباً في السلاسِل .. سُدَّ أفواهَهم
جرِّدهم من مَلابِسهم .. وجَوازات سفرِهم
لكنَّهم ما زالوا أحراراً
والموائد التي يأكُلون عليها
والأَسِرَّة التي يَنامُون عليها
لكنَّهم ما زالوا أغنياء
إنَّ الشعب يفتقر ويُستعبَد
عندما يُسلَب اللسان الذي ترَكَه له الأجداد
وعندئذٍ يضيع للأبد.
يبدو أنَّ هذه القصيدة أيقظت الأوربيين، وألهبت حماستهم؛ فاتفقوا على أن يجعلوا يوم السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام؛ يوماً قومياً أوربياً خاصاً بحماية اللغات الأوربية، من المهاجرين الوافدين من دول العالم الثالث وقالت المفوضية الأوربية التي أطلقت على هذا اليوم اسم European day of language إنه من الواجب الوطني على الأوربيين حماية لغاتهم من الجيل الأول والثاني من المهاجرين الذين لا ينطقونها بشكل سليم؛ ما يشوّه اللغات الأوربية، حيث لعب الهنود والباكستانيون والبنغاليون والصينيون والفلبينيون والإيرانيون وغيرهم دوراً في تشويه اللغات الأوربية، لأنهم لا ينطقون حروفها بدقة، ما يؤثر على سلامة اللغات الأوربية مع مرور الزمن.
وتقول مجلة The Monitor إنَّ هناك اتجاهاً لدى الأوربيين أن لا يسمحوا لأيّ أجنبي أن يأخذ )تأشيرة( لبلادهم إلاَّ بعد أن يجتاز امتحان اللغة من المعاهد البريطانية والألمانية والفرنسية المنتشرة في معظم أنحاء العالم. هذا؛ ويقول المشرفون على المركز الأوربي لحماية اللغات الأوربية : إنَّ الشعوب الأوربية بدأت تتخوف على لغاتها من المهاجرين إليها، حيث ينقل هؤلاء المهاجرون إلى أوربا ثقافتهم ولغاتهم، ومع مرور الوقت يؤثر ذلك سلباً على الأجيال المقبلة، خصوصاً أنَّ 92 % من اللواتي يعملن في مجال حضانة الأطفال وخادمات ومربيات من الهند وباكستان والفلبين وغيرها من دول جنوب شرقي آسيا. ولأنَّ هذه الشريحة من المجتمع لا تنطق اللغات الأوربية بطريقة جيدة، فإن الأطفال الأوربيين سيتأثرون سلباً بالعاملات في هذا المجال، ما سيخلق جيلاً من الأطفال الأوربيين الذين يخلطون بين لغتهم وثقافتهم الأوربية ولغة وثقافة المربيَّة القادمة من جنوب شرقي آسيا.
ويقولون أيضاً : إنَّ الهدف من تخصيص يوم لحماية اللغات الأوربية؛ هو تذكير الأوربيين بأنَّ لغاتهم مهددة بالخطر، وعليهم الحذر من المربيات القادمات من آسيا.
ويؤكدون أنَّ لديهم الكثير من الأفكار والطرق التي سيحمون بها لغاتهم، وإنهم من عام 2015 م لنْ يسمحوا باستخدام خادمة أوْ مربية أطفال أوْ حتى حرفيين من الدول الأجنبية، إلاَّ بعد خضوعهم لامتحان لغة، فالذي يريد أن يعمل في بريطانيا عليه إتقان اللغة الإنجليزية كما ينطقها الإنجليز، وليس كما ينطقونها هم. وكذلك من يريد أن يعمل في فرنسا أوْ إسبانيا أوْ ألمانيا، أوْ غيرها من الدول.
من جانبها؛ ذكرت )الأمم المتحدة( أنَّ من حق أيّ شعب الحفاظ على لغته دون المساس بها من الآخرين، وأنَّ الأوربيين لديهم الحق في البحث عن وسائل يحمون بها لغاتهم من الوافدين إلى بلادهم، وأن هذا لا يشكِّل نظرة عنصرية، بلْ حق مشروع لأيّ دولة.
وقال بيان الأمم المتحدة: إنَّ العالم اليوم به أكثر من 6000 ستة آلاف لغة، وأنَّ 95 % من هذه اللغات لا ينطقها ولا يستخدمها سوى 6 % من الناس. ولأنَّ العالم أصبح يتقارب الآن بشكل كبير، وزالت الحواجز بين القارات، فإنَّ اللغات الضعيفة، سوف تندثر، ولنْ يبقى حتى نهاية القرن الحادي والعشرين سوى اللغات القومية، والتي لن يتجاوز عددها 6- 8 لغات
من هنا؛ بدأت الدول الأوربية تبحث عن طرق حديثة للحفاظ على لغاتها، ولهذا حددت يوم “السادس والعشرين” من شهر سبتمبر من كل عام؛ يوماً خاصاً بحماية اللغات الأوربية.
هكذا يبكون، ويتباكون على لغاتهم، والعربية لا بواكِيَ لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع