أنماط التكرار وفاعليته في مجموعة”مشاهدات مجنون في عصر العولمة”للشاعر حميد الحريزي

د. رسول بلاوي (أستاذ مشارك في جامعة خليج فارس، بوشهر - ايران

157
أنماط التكرار وفاعليته في مجموعة “مشاهدات مجنون في عصر العولمة” للشاعر حميد الحريزي
د. رسول بلاوي (أستاذ مشارك في جامعة خليج فارس، بوشهر – ايران)

المقدمة:
التكرار ظاهرة فنيّة تحفيزية تسعی إلی اثراء دلالات النص ورفده بطاقات شعورية، وتزيد الخطاب جمالاً وائتلافاً نسقياً. يرتبط التكرار بالتأكيد من جانب، وبالإطناب من جانب آخر، مع ما به من خصائص أخری تكشف عن انفعالات الشاعر وخلجاته النفسية. فاللفظ المكرَّر في النص هو المفتاح الذي ينشر الضوء على الصورة، لاتصاله الوثيق بالوجدان؛ فالمتكلم إنّما يكرّر ما يثير اهتماماً عنده، وهو يحبّ في الوقت نفسه أن ينقله إلى نفوس مخاطبيه، أو مَن هم في حكم المخاطبين ممّن يصل القول إليهم على بُعد الزمان والمكان (1).
يلعب التكرار دوراً مهمّاً في بث الموسيقى الداخليّة؛ كما أنّ له وظيفة مزدوجة الأداء «تحمل مع التوثيق للمعنى، ودفع المساهلة في القصد إليه، قيمة صوتيّة وفنّية تزيد القلب له قبولاً، والوجدان به تعلّقاً» (2)، ولذا فقد اتُّخذ التكرار وسيلة لتحقيق الموسيقى، التي هي بلا شك «أقوى وسائل الإيحاء، وأقربُ إلى الدلالات اللغوية النفسيّة في سيولة أنغامها» (3).
ظاهرة التكرار من أهمّ الظواهر الأسلوبية التي يعتني بها البحث الأسلوبي في دراسة النصوص الأدبيّة، فهي سمة أدبيّة تتطلّب التفات وعنايّة فائقة من قبل القرّاء ودارسي الخطاب الشعري، ومن أنعم النظر في هذه الظاهرة ستظهر له دلالات ورؤی معمّقة تتواری خلف البناء السطحي للخطاب الأدبي؛ وقد ترفد النصوص بشحنات دلاليّة، ودفقات شعورية ومثيرات ترنميّة حسب طبيعة السياق والموضوع، فقد تكون »طبيعة الموضوع المعالج تقتضي تكرار معانٍ بعينها وأفكار بعينها لتوظّف فنيّاً وتقنيّاً في مواقف سردية معينة» (4).
التكرار من أهمّ الأدوات الجماليّة التي تساعد الشاعر علی تشكيل موقفه وتصويره، ولابدّ أن يركّز الشاعر في تكراره، كي لا يصبح التكرار مجرد حشو، فالشاعر إذا كرّر وألحّ فقد عكسَ للمتلقّي أهميّة ما يكرّره مع الإهتمام بما بعده، كي تتجّدد العلاقات وتثري الدلالات وينمو البناء الشعري (5). وقد درس البلاغيون والأدباء هذه الظاهرة الفنيّة وعُنوا بها عناية واسعة؛ فسمّوها تارة “التكرار”، وأخرى “الإعادة” أو “التَّرداد”، وحاولوا أن يبيّنوا صورها وأسبابها وفوائدها. ولا يخفی أنّ من فوائد التكرار: التأكيد والتقرير، الموعظة، رعاية الموسيقی الداخليّة، المبالغة في مدح أو الذّم، التفسير والتوضيح، التأثير في عمق ‏النفوس، التفكّر والتدبّر في أسرار التكرار (6).
ومن الشعراء الذين دأبوا علی استخدام ظاهرة التكرار ببراعة واتقان هو الشاعر العراقي المعاصر حميد الحريزي؛ فقد ألحّ علی استخدام هذه التقنية الفنيّة حيث وجد فيها طاقات شعورية وفنيّة لرفد مجموعته “مشاهدات مجنون في عصر العولمة”، إذ لا تكاد تخلو قصيدة من هذه الظاهرة الفنيّة. لقد استطاع الحريزي أن يتفنّن في تقنية التكرار وقد اتّخذها مرآة عاكسة لتوهّجه الروحي وانفعالاته النفسية. إنّنا في هذه الدراسة نهدف إلی استكشاف الطاقات التعبيرية والمثيرات الفنيّة الكامنة وراء هذه الظاهرة الأسلوبيّة اللافتة للنظر في شعر الحريزي.

أسئلة البحث:
هذه الدراسة تحاول أن تجيب عن الأسئلة التالية:
– أولاً: ما هي أبرز الخصائص الفنيّة لظاهرة التكرار في شعر حميد الحريزي؟
– ثانياً: ما هي أسباب ومبررات لجوء الشاعر في توظیف ظاهرة التكرار؟
– ما مدی تأثير وفاعلية أسلوب التكرار في شعر الحريزي؟
خلفية البحث
اهتمّت عدة دراسات من الباحثين المعاصرين بأسلوب التكرار ومظاهره في الشعر، ومنها كتاب موسوم بـ “التكرار في شعر محمود درويش” للباحث فهد ناصر عاشور (2004م). صدر هذا الكتاب عن منشورات “المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر”، وقد انبسطت أبوابه لبحث ظاهرة التكرار في شعر درويش؛ إذ ابتدأت بتكرار الحرف، ثم الحديث عن تكرار الكلمة بنوعيها الإسم والفعل، ثم تكرار العبارة، فتكرار المقطع، وصولاً إلی تكرار الصورة التي مثّلت نهاية الكتاب. وهناك بحث موسوم بـ «ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي» قام بتأليفها زهير أحمد المنصور. موسى ربايعة في بحثه المقدّم لمؤتمر النقد الأدبي الثاني بجامعة يرموك سنة 1988م، والذي يحمل عنوان «التكرار في الشعر الجاهلي» قام بدراسة ظاهرة التكرار؛ وأيضاً مقال لدهنون أمال تحت عنوان «جماليات التكرار في القصيدة المعاصرة» وقد نُشِر في مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ ومقال آخر «التكرار ودلالته في ديوان الموت في الحياة لعبد الوهاب البياتي» لإلياس مستيري في مجلة كلية الآداب واللغات. وهناك دراسة أخری حول «تأويل التكرار في شعر فدوی طوقان/1-الثورة والرفض» قام بتأليفها أحمد مداس؛ هذه الدراسة منشورة في مجلة “المخبر”، جامعة بسكرة – الجزائر (2015م)؛ قام الباحث في بحثه هذا بتأويل الملفوظات المكرّرة التي تحيل علی معاني الثورة والرفض. أمّا في شعر حميد الحريزي بالرغم من وجود بعض الدراسات المنشورة عن مجموعته في الانترنت إلّا أنّنا لم نعثر علی دراسة آكاديمية عنه بشكل كتاب أو رسالة جامعية أو بحث علمي منشور في مجلة محكمة؛ فهذه الدراسة المتواضعة تُعتبَر الرائدة من نوعها.
سيرة الشاعر:
وُلِد الشاعر العراقي حمید لفتة دخیل الحریزي عام 1953شم في النجف. هو أديب وكاتب وصحفي وخريج الطب الفني من بغداد عام 1974م. الحريزي عضو في:
– الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق،
– اتحاد الصحفيين العراقيين.
– عضو نقابة الصحفيين العراقيين.
صدرت له عدّة كتب وروايات وقصص ومجموعة شعرية، وفي ما يلي نذكر منها:
– صدر له كتاب بعنوان (الدين والسياسة) عن دار نور في ألمانيا.
– مجموعة قصصية بعنوان (أرض الزعفران) ضمن إصدارات مجلة بانيقيا لاتحاد الأدباء والكتّاب في النجف.
– ثلاثية روائية بعنوان (محطات / العربانة ج1، ومحطات كفاح ج2، ومحطات البياض الدامي ج 3) صدرت عام 2018م عن دار الفؤاد في القاهرة.
– صدرت له رواية (القداحة الحمراء) عن دار حروف المصرية (7).
أنماط التكرار في شعر الحريزي:
التكرار الذي رصدناه في مجموعة “مشاهدات مجنون في عصر العولمة” للشاعر حميد الحريزي يتحقّق عبر الأنماط التالية:
1- تكرار الحرف: هذا النوع من التكرار يشتمل علی تكرار حروف المباني والمعاني، وهو يشكل إيقاعاً جميلاً في النص الذي يرد فيه، ويكشف عن حالات الشاعر النفسية.
2- تكرار اللفظة: وهو تكرار وإلحاح علی الألفاظ الحساسة عند الشاعر، وينقسم إلی تكرار الإسماء وتكرار الأفعال والتكرار الصرفي.
3- تكرار العبارة أو الجملة: وهو تكرار يعكس الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة باعتبارها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم.
وهذه الأنماط الثلاثة لظاهرة التكرار تأتي علی مستويين أفقي ورأسي، لهندسّة البناء النصي وإثارته الشعورية والإيقاعية. وفي ما يلي نقوم بمعالجة هذه الأنماط في شعر الحريزي والكشف عن الجوانب الدلالية الناتجة عن ظاهرة التكرار.
أ) تكرار الحرف:
يُعدّ هذا التكرار أبسط أنواع التكرار، لقلّة ما تحمله هذه الحروف من معانٍ وقيمٍ شعورية قد لا ترتقي إلى مستوى تأثير الأسماء والأفعال والتراكيب. فتكرار الحرف «من أبسط أنواع التكرار وأقلّها أهميّة في الدلالة، وقد يلجأ إليه الشاعر بدوافع شعورية لتعزيز الإيقاع في محاولة منه لمحاكاة الحدث الذي يتناوله، وربما جاء للشاعر عفواً دون قصد» (8).
والتكرار الحرفي ناتج عن تكرار الحروف التي تُعدّ بمثابة المادّة الرئيسة التي تثري الإيقاع الداخلي للنصّ بلون خاصّ و«يحمل في ثناياه قيمة دلالية، إذ يضيف إلى موسيقية العبارة نغمات جديدة» (9). الحروف تنقسم إلی قسمين: حروف المباني (الفونيمات)، وحروف المعاني (الأدوات)، وكلاهما تكرّرا بكثافة في شعر حميد الحريزي للحفاظ علی الجانب الإيقاعي بغيّة الإثارة والإيحاء. وفي ما يلي نقوم بدراسة هذينِ القسمين من تكرار الحروف:
1- تكرار حروف المباني
المقصود بحروف المباني هي الحروف التي تشكل بنية الكلمات والتي تُسمّی بحروف الهجاء. تكرار هذا النوع من الحروف لا يقتصر دوره على مجرد تحسين الكلام، بل يمكن أن يكون من الوسائل المهمّة التي تلعب دورها العضوي في أداء المضمون. يلعب تكرارُ حروفِ الهجاء دوراً عظيماً في الموسيقى اللفظيّة، فقد تشترك الكلمات في حرف واحد أو أكثر، ويكون لهذا الاشتراك فائدة موسيقيّة عظيمة، وقيمة نغميّة جليلة تؤدّي إلى زيادة ربط الأداء بالمضمون (10). يُعَدّ تكرار حروف المباني من مثيرات نصوص الحريزي، إذ يكرّر الشاعر أصوات بعينها، رغبة في إبراز الجانب الإيقاعي النغمي للتركيب؛ وهذا الأسلوب في التشكيل الشعري يسهم في تنغيم الجملة وإبراز الجانب الدلالي أو النفسي للنص في كثير من الأحيان (11). كرّر الشاعر في المقبوس التالي حرف السين 7 مرّات:
فليذهب ((الإنسان))/ للجحيم وبئس المصير/ ما عاد هناك سرٌّ ولا سريرٌ / ما عدنا بحاجة للسائس / لا حاجة لنا بالصّاروخ والهامس (12).
تكرّر حرف السين في الكلمات التالية: (الإنسان؛ بئس؛ سرّ؛ سرير؛ السائس؛ الهامس) ليساهم في اثراء الدلالة والحفاظ علی موسيقی النص. لا يخفی أنّ حرف السين هو حرف عالي الصفير، حادّ الجَرْس، ينبئ بالموسيقى وتناغم الأصداء، مما يضفي على النص جمالاً موسيقياً وصوتياً. وحرف السين في هذا النص فضلاً عن إيقاعه المموسق، فهو يدلّ علی مدی الحزن والخيبة. في هذا النص تطفح الرؤية التشاؤومية التي مرجعها توالي الانكسارات والخيبات: «فليذهب ((الإنسان)) للجحيم وبئس المصير». هذا التعبير جاء بعد حرف فاء الاستنتاج ليدلّ علی حتميّة الأمر، وقد جاء الشاعر بمفردة ((الإنسان)) بين الأقواس ليؤكد أمره للمتلقي. وفي المقبوس التالي قام الشاعر بتكرار حرف القاف:
أراد أن يُنصف الفقير/ يطمر الفقر/ يقهر القهر (13)
تكرار حرف القاف في هذا النص يدلّ علی الفقر والقهر ومدی البطش وشدّته. كرّر الشاعر الفونيم “ق” وهو من حروف الإطباق ويؤدّي إلی تفخيم الموسيقی. ولعل الشاعر يكرّر هذا الصامت تكراراً شعورياً لأنّ «الإطباق قضية نفسية» (14). يمكننا القول بأنّ هذا التنويع في بناء الأصوات يحقّق وحدة صوتية متناغمة ومنسجمة، يكسب الكلمات قيمة جمالية من خلال جرسها المميّز وانسجامها وتناسقها (15). وفي نفس القصيدة تكرّر هذا الحرف:
أكثروا من الأقلام والأوراق/ أنا/ أنا شقيّ من العراق (16)
ففي هذا المقبوس القصير تكرّر حرف القاف 4 مرّات للدلالة علی الشقاوة التي أصبحت ملازمة للمواطن العراقي في ظل هذه الظروف التي تحيط به من كل جانب. والحريزي لتعميق هذه الرؤية قام بتكرار ضمير (أنا) أيضاً ليؤكد علی اتّصافه بهذه الصفة. تكرار الحرف لا يمكن أن يخضع لقواعد نقدية ثابتة يمكن تعميمها على النصوص الشعريّة للشاعر لاختلاف طبيعة الأسلوب والدلالة التي يحدثها كلّ حرف ضمن السياق في النص الواحد، وإن كان تأثير الحرف الموسيقي لا يرقى في قوته إلى تأثير الكلمة. لكن مع هذا فإنّ تكرار الحرف يحقّق أثراً واضحاً في ذهن المتلقي يجعله متهيّئاً للدخول إلى عمق النص الشعريّ. (17)
2- تكرار حروف المعاني
حروف المعاني في الاصطلاح هي الحروف التي تربُط الأسماءَ بالأفعال، والأسماء بالأسماء. وتدلّ على معنى في غيرها ويطلق عليها حروف الربط (18). وقد وظّف حميد الحريزي حروف المعاني علی نحو ملحوظ في تجربته الشعرية هادفاً إلی تلطيف السياق والحفاظ علی الموسيقی فضلاً عن الدلالات والإيحاءات التي يريد الإفضاء إليها. قام بتكرار حرف (في) الجار:
فلربما تُخفي الممنوع/ تُفتّشُ عن طوق ((عبیيدالله))/ في رُكام الدُّرُوع/ في البحر/ في النهر/ في السّهل (19)
فجاء هذا الحرف 3 مرّات قبل (ركام الدّروع؛ البحر؛ النهر؛ السّهل) وبما أنّ هذا الحرف يدلّ علی المكان فقد ساهم تكراره في هذا المقبوس في توسيع حيز المكان بشكلٍ تدريجي، فقد تكون عمليّة التفتيش عن طوق عبيدالله في رُكام الدّروع، وفي البحر وفي النهر، وفي السّهل، وهذا التنويع بين الأمكنة يدلّ علی الشموليّة حيث شملت البحر والبر. وفي ما يلي جاء:
في بلدي الموت/ وباءٌ مستوطن/في بلدي النّهب شعارٌ/ في بلدي العدل/ بالقهر/ بالخوف بالتشرّد/ بنشر/الشّر(20)
في هذا المقبوس تكرّر حرف (في) لكنّ هذه المرّة ركّز فيها علی مكان واحد وهو (بلدي)، فقام الشاعر بتكرار (في بلدي) بشكل استفتاحي لثلاث مرّات متتابعة، وقد حصر الشاعر الموت والنهب وعدم تحقّق العدالة ببلده. هذا وقد تكرّر حرف (الباء) الجارة في هذا المقبوس 4 مرّات (بالقهر؛ بالخوف؛ بالتشرّد؛ بنشر الشرّ) فلا تتحقّق العدالة في بلد الشاعر كما يری إلّا بتوالي هذه الأمور. وفي النص التالي تكرّر حرف (هل) الاستفهامية:
هل تعرفُ سرّ حكمتنا/ في:/ إقفال فمك/ هل تدرك حكمتنا/ في تكبيل يدك؟ (21)
لقد تكرّر حرف الاستفهام هنا مرّتين والشاعر لا يبتغي من هذا الحرف وتكراره جواباً فهو يعرف كل شيء؛ لكنه من خلال هذا التكرار أراد التعريض بالمخاطب حيث طلب منه أن يقفل فمه ويكبّل يديه فالحكمة تقتضي هذا الأمر.
ب) تكرار الكلمة:
إنّ الكلمات تتكوّن من أصوات وطاقات لذلك فإنّ إستخدام الكلمات المكرّرة يضفي على النصّ حلية إيقاعية ودلالة موحية. وقد ركّز الشعراء علی تكرار بعض الكلمات في نصوصهم دون غيرها، ويكون هذا التكرار ناتجاً عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، حيث تأتي مرّة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، إضافة إلى ما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النصّ الشعريّ. و«تكرار الكلمات يمنح النصّ إمتداداً وتنامياً في الصور والأحداث لذلك يُعدّ نقطة إرتكاز أساسية لتوالد الصور والأحداث وتنامي حركة النصّ» (22). القيمة السمعيّة لهذا التكرار أكبر من قيمة تكرار الحرف الواحد في الكلمة.
وإنّنا في ما يلي قمنا بدراسة تكرار الكلمات بنوعيّه (الإسمي والفعلي) وحاولنا أنّ نكشف عن دلالات هذا النوع من التكرار في مجموعة “مشاهدات مجنون في عصر العولمة” وما يخلّفه من شحنات إيحائية وطاقات شعورية.
1- تكرار الاسم:
بعض الكلمات تحتل مكانة مرموقة في المخزون اللغوي للشاعر فتفرض نفسها عليه متی ما وجدت مكانها المناسب في النص. وهذه الكلمات المكرّرة تدلّ علی اهمّيتها في مخيال الشاعر وتستقطب المتلقي إلی دلالات النص ورؤاه ومداليله الشعرية المفتوحة، إذ «إنّ تكرار الأسماء يترك بصمة في ذهن القارئ، من خلال تواتره في النص، وتوصيفه الحال الشعورية بثبات واستقرار وتنامٍ جمالي» (23). ولا يفوتنا هنا الإنتباه بأنّ «القاعدة الأساسية في التكرار أنّ اللفظ المكرّر ينبغي أن يكون وثيق الإرتباط بالمعنى العامّ وإلّا كان لفظية متكلّفة لا سبيل إلى قبولها. كما أنّه لا بدّ أن يخضع لكل ما يخضع له النصّ عموماً من قواعد ذوقية وجمالية» (24). قام الحريزي في النص التالي بهذا النوع من التكرار:
قَدَرُنا الدّمعُ/ قَدَرُنا القمع/ غزوات تتلو غزوات/ غزوات الأرض / وغزوات السّماء (25)
لقد ألحّ الشاعر علی تكرار كلمة (غزوات) 4 مرّات بمساحة قصيرة جدّاً ليدلّ علی كثافة هذه الغزوات وكثرتها فقد أصبحت هذه الغزوات متوالية (غزوات تتلو غزوات) وهي تأتي من جانب الأرض والسماء. فتعدّد هذه الغزوات يتطلّب تكرار الكلمة أيضاً ليدلّ علی كثافة الأمر، والحريزي قام بتجسيد هذه الكثافة من خلال عمليّة التكرار بفطنة ومهارة فنيّة. وفي ما يلي:
لكلّ شيء ثمنٌ/ تبيع لحمها لتؤكلك لحماً/ هذا قانون بيع وشراء/ الرّبح/ ثمّ الربح/ ثم الربح (26)
قام الشاعر بتكرار كلمة (الربح) 3 مرّات متتابعة، ليدلّ علی أهمّيتها في قانون الحياة (قانون البيع والشراء). استخدم الشاعر هذا التكرار علی مستوی رأسي ليدلّ علی تفشّي هذه الرؤية في الحياة فالكل تسعی في تعاملها إلی الربح. لقد استخدم الحريزي في ديوانه بكثافة هذا النوع من التكرار الذي يُطلَق عليه تكراراً استهلاليّاً أو تكرار البدایة أیضاً، حیث یركّز هذا النمط علی حالة لغویة، یتمّ تأكیدها عدّة مرّات. وكما يعرّفه الغرفي «هو نمط تتكرّر فیه اللفظة أو العبارة في بدایة الأسطر الشعریة بشكل متتابع أو غیر متتابع» (27). ویعرّفه محمد صابر عبید: «بالضغط علی حالة لغویة واحدة، وتوكیدها عدّة مرّات بصیغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلی وضع شعري معین قائم علی مستویین رئیسین: إیقاعي ودلالي» (28). بعبارة أخری، إنّ التكرار الاستهلالي هو التركیز علی كلمة أو جملة من خلال تكرارها عدّة مرات. وتشترط نازك الملائكة فی التكرار الاستهلالي أن یحقّق انسجاماً وتناسقاً داخل المقاطع الشعریة فـ«یوحّد القصیدة في اتجاه یقصده الشاعر إلّا إذا كان زیادة لا غرض لها» (29).
لم أنسك ولدي ((محمّداً))/ فلدينا ألف ((محمد)) و((محمد))/ في الشرق في الغرب/ طريق موت/ الأطفال مُعبّدُ/ ((محمدنا)) مات بلا أب/ ((محمدنا)) قُتل قبل أن يُولد/ ((محمدنا)) جزرَه/ مُصلوت مكبّرٌ/ ((محمدنا)) قتله مستكبرٌ/ ((محمدنا)) قتله مُحرّر/ ((محمدنا)) يحبو وسط الطاعون الأسود/ ((محمدنا)) لدمه يتيمّم (30)
استفتح الشاعر نصه بمحمد الدرة الطفل الفلسطيني الذي قُتل برصاص الصهاينة وهو في حضن أبيه. ثمّ اتّخذ اسم “محمد” لكل طفل في الشرق وفي الغرب يحيط به الموت من كل جانب. قام الشاعر بتكرار ((محمدنا)) داخل الأقواس 7 مرّات، وتكرار ((محمد)) 3 مرّات وفي المجموع تكرّر اسم “محمد” 10 مرّات، ليدلّ علی فداحة الأمر وكثرة هذه الأطفال الذين يحيط بهم الموت من كل جانب. وفي نفس القصيدة يقول الشاعر:
يا أخا ((محمد)) كي تسلم:/ عليك أن تعبُرَ كلّ بحور الهمّ/ بحر الجوع/ بحر المرض/ بحر الجهل/ بحر الأوحال/ وبحر الدّم كي تسلم / كم بحراً للآن عبرت / يا ولدي/ هل تعلم؟ (31)
يخاطب الشاعر اخوة محمد الذين نجوا من مخالب الموت فيقول كي تسلموا بأنفسكم عليكم أن تعبروا كل هذه البحار، ولتعميق هذه الرؤية قام بتكرار مفردة (البحر) 6 مرّات ومرّة واحدة بصيغة الجمع. فيری الحريزي بحور من الهمّ والجوع والمرض والجهل والأوحال والدّم تحيط بهذه الأطفال، وقد استخدم تكرار (البحر) بشكل استفتاحي في بداية السطور ويعود هذا النوع من التكرار إلی اضطراب نفسية الشاعر المتوتّرة والتي وجدت في هذا التكرار البداية القويّة المتكثّفة للانطلاق والتحرّر من هذا الواقع المتدهور. وفي المقبوس التالي كرّر لفظة “القبر”:
في المقابر أسكناك / كي / لا تهتم بشأن الدّفن/ فأنت / من القبر إلی القبر (32)
فهذا التكرار الأفقي للقبر يدلّ علی التمدّد وانتشار القبور وكثرتها. هذا التكرار المتتابع يتناغم مع حالة الشاعر النفسية ومعاناته، فكرّر هذه المفردة في صورة أفقية، وبهذا التكرار يعمّق في نفوسنا معاني الأسي والحزن العميق.
أنا شاهدٌ/ وأعلم اليقين/ أنا شاهد/ منذ آلاف السّنين/ أنا جئتكم من/ سومر وأكد (33)
جاء بتكرار ضمير (أنا) بشكل استفتاحي وعمودي ليدلّ علی الاعتزاز بالنفس وتأكيد الهوية فالشاعر / المواطن هنا شاهدٌ ويعلم علم اليقين وهو شاهد حيّ يضرب بجذوره إلی آلاف السنين منذ زمن سومر وأكد. نرى أنّ هذه الكلمة المكررّة متينة الإرتباط بسياق النصّ فسياق الاعتزاز والاعتداد بالنفس يتطلّب هذا التكرار. وفي النص التالي جاء بتكرار (مَن) الاستفهامية:
مَن اختطف/ من اغتصب/ حواريّ القصب؟/ من قطع رؤوس ((البرحي))؟؟؟/ من سرق عناقيد الذهب؟؟؟ (34)
قام الحريزي بتكرار “من” 4 مرّات متسائلاً عمّن (اختطف واغتصب وقطع الرؤوس وسرق)، وكثرة إستخدام الشاعر لأداة الإستفهام تجعلنا نعيش في صراع متناغم مع نفسية الشاعر المتسائلة الحائرة التي تحاول التخلّص من هذا المأزق؛ واستفتاح النص بـ “مَن” الإستفهامية هنا يعكس تجربة الشاعر الواقعيّة، وما يكتنفها من تناقضات ومفارقات، وعوامل الحيرة والقلق والتوتر.
2- تكرار الأفعال:
يلعب تكرار الأفعال في الجملة الشعرية دوراً مهمّاً في بث الائتلاف والتناغم النسقي بين إيقاعات القصيدة علی اختلاف أنساقها الشعرية، وتمظهراتها اللغوية، ومثيراتها النسقيّة ضمن السياق، فالقارئ يستهوية تكرار الفعل حيث يُعتبَر من مقوّمات النبض الشعوري والإحساس الدافق بالمعاناة والتجربة (35). الفعل إذا تكرّر في المقطع الواحد، أو في القصيدة كلّها فلاشك أنّ هناك غرضاً أو معنیً ما يؤدّيه هذا التكرار، ولا يكون الفعل المكرّر مجرد نسق زمني أو حدث محدّد فارغ من التكثيف الدلالي أو التدفّق الشعوري أو الترنم الإيقاعي. وقد قام الشاعر حميد الحريزي بتكرار الفعل في النص التالي:
أبحثُ عن منعزل / لأطلق سراحَ دموعي/ كي يصير الدّمع فراشات/ تُقبِّل/ كلَّ مكبّل/ كلّ مغدور/ كلّ نُزلاء زنزانات القهر/ تسقی وردةً تُكافحُ العطش/ تسقی شتلات العنبر (36)
فقد قام الشاعر بتكرار فعل (تسقي) المضارع للدلالة علی التعدّد (وردة تُكافح العطش) و(شتلات العنبر). وكذلك في المقبوس التالي قام بتكرار فعل (يعلّمنا) المسيّجة بالسخرية الجارحة:
في قاعات الدّرس/ يُعلّمُنا فنّ الخطابة أخرس/ وَمتسوّل أعمی/ يُعلّمُنا فنّ إدخار الفلس/ وشيخ الحيِّ/ يُعلّمُنا فنونَ المُنكر والرّجس (37)
ففي هذا المقطع قام بتكرار (يُعلّمُنا) 3مرّات وينتقد من خلالها أساليب التعليم في الوطن ويكشف عن قصورها وضعفها وتراجعها، وقد استخدم الشاعر أسلوب المفارقة الجارحة في نصّه هذا، فالأخرس يُعلّم فن الخطابة، والمتسوّل الأعمی يعلّم فن إدخار الفلس، وشيح الحي يقوم بتعليم فنون المُنكر، وكما هو واضح في هذا النص لقد بُنيت الجمل علی المفارقة.
3- التكرار الصرفي:
وما يلحق بتكرار الكلمة ما يُسمّی بالتكرار الصرفي، حيث تتوالی في الجملة أو المقطع كلمات: أسماء أو أفعال، علی وزن صرفي واحد، وهو تكرار يوفّر للنص إيقاعاً موسيقياً مؤثراً؛ و«كما يخضع لهندسة عاطفية فإنّه يخضع أيضاً لهندسة موسيقيّة» (38). ثمّة شبه اتفاق علی أنّ التنظيم الصرفي في الشعر يخلق الإيقاع باعتباره نظاماً من الأٌوات المتوالية في زمن معين (39). التكرار الصرفي لا يخلو من علاقة بنفسية الشاعر، إذ إن اختيار اللفظ يجسّد الحالة النفسية للشاعر ساعة الإبداع. يقول الحريزي في النص التالي:
أُنظر في نقالك / لتقرأ ((مسجات)) القهر / وتری (فديوات)) العهر / وأمّك تتسوّل في طرقات تنزُّ ذهباً أسوداً (40)
فقد جاء بتكرار صرفي بين (مسجات) و(فديوات) وهذه الصيغة الصرفية ساعدت البناء النصي علی جرس العبارة وإيحاءها. وقد حقّق هذا التكرار الفني نوعاً من التوازي البصري، وساهم في تعميق الدلالة، وإخصاب طاقاتها الإيقاعيّة. وفي المقبوس التالي:
مرحی لكلّ العجول/ مرحی لأسيادنا أصحاب الذُّيول/ بأعلی النّهق نصيحُ / كلّنا حميرٌ .. كلّنا حمير/ بذيولنا نبصمُ/ ببرازنا نرسمُ/ ببولنا الغزير (41)
جاء التكرار الصرفي بين (بذيولنا؛ ببرازنا؛ ببولنا) بشكل استفتاحي عمودي ليدلّ علی مدی انصياع الحمير (العامة) للعجل (الحاكم) ومدی استسلامهم وخضوعهم وتأييدهم له. وقد ساعد هذا التكرار الصرفي في إيقاع النص، وجود تكرار آخر لمفردة (مرحی) بشكل استفتاحی عمودي وتكرار لعبارة (كلّنا حمير) بشكل متتابع.
ج) تكرار الجملة:
يُعتبَر هذا القسم أشدّ إيقاعاً وترنّماً من القسم السابق إذ تتكرّر في هذا النمط كلمات متعددة متتاليةً بتناسق وتتابع هندسي، فحين تُكرّر الجملة أكثر من مرّة فهذا يعني أنّ فيها تأكيداً وتقوية للمعنى وكذلك يدلّ على ترنّم الموسيقى، فعلى قدر الكلمات والأصوات المكرّرة تتمّ الموسيقى. فتكرار الجملة هو تكرار يعكس الأهمية التي يوليها المتكلّم لمضمون تلك الجمل المكرّرة باعتبارها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلّم، إضافة إلى ما تحقّقه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه؛ وربّما تكون هذه العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنصّ فضلاً عن المهمّة النغمية التي يؤدّيها التكرار وهذا النوع نجده حاضراً في قصائد كثيرة من مجموعة “مشاهدات مجنون في زمن العولمة”.
ويحتاج تكرار العبارة إلى مهارة ودقّة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه فيجيء في مكانه اللائق وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنّه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري. يُعدّ تكرار الكلمة في النصّ وتكرار الجملة في السياق ذا أثر عظيم في توفير الجانب الموسيقيّ، ولهذا التكرار من القيمة السمعيّة ما هو أكبر ممّا هو لتكرار الحرف الواحد في الكلمة أو في الكلام (42). وقد ألحّ الشاعر علی هذا النوع من التكرار في النص التالي:
تجاوز عمره العشرين/ كان يحلم/ أن يُحبّ ويتعلّم/ كان يحلم/ أن يسكن في بين مُريح/ كان يحلم / أن يقول ما يشاء / أن ينعم بالضياء / كان يحلم / أن يعاكس الرّيح / كان يحلم/ أن يُعانق الشّمس/ بلا خوف / كان يحلم/ أن يلوّن الحروف / كان يحلم (43)
لقد كرّر الشاعر عبارة (كان يحلم) 7 مرّات للدلالة علی الحلم الذي يعيش فيه الشعب دون أن يتحقّق هذا الحلم. ولا يخفى أنّ تكرار هذه العبارة في المقطع يبعث نوعاً من التناغم الداخلي في النصّ، لأنّنا نرى تناسقا ًكبيراً بين الكلمات في كلّ جملة. وفي النص التالي تكرّرت عبارة (لا تحزن يا خالد):
لا تحزن يا خالد / توّهج القرص واكتمل البدر/ يرويه الجرح / يسقيه الدّمع / لو جفّ النهر/ لا تحزن يا خالد/ لم ننس كلمة السّر (44)
وخالد أحمد زكي مهندس عراقي ترك دراسته في لندن ليقود انتفاضه ضد حكم البعث في أهوار العراق عام 1969. تمكّنت السلطات من قتله وعدد من رفاقه بعد معركة بطولية غير متكافئة في العدة والعدد خاضها مع ثلة من رفاقه في أهوار الشطرة في الناصرية (الغموگة) بعد أن كبدوا قوات السلطة خسائر في الأرواح واسقطوا لهم طائرة عمودية. لُقّب بجيفارا الأهوار (45). وفي النص التالي قام بتكرار عبارة (كلّنا حميرٌ):
مرحی لكلّ العجول/ مرحی لأسيادنا أصحاب الذُّيول/ بأعلی النّهق نصيحُ / كلّنا حميرٌ .. كلّنا حمير/ بذيولنا نبصمُ/ ببرازنا نرسمُ/ ببولنا الغزير (46)
جاء الخطاب ساخراً يتطلّب التكرار فعندما يصبح العجل سيّداً / حاكماً علی قومه، فهذا يعني تدنّي مستوی العامة ولابدّ لهم من الانصياع والتنزّل إلی درجة (حمير) فيهتفون لسيدهم العجل بأعلی النهق (كلنا حمير … كلنا حمير). فيستمرّ هذا الإعجاب بجلالة العجل وزمرته فيأتي الهتاف مرّة ثانية:
فلنهتف جميعاً ويعلوم الصّفير/ عاش الأمير … مات الخفيرُ/ كلّنا حمير … كلّنا حمير (47)
تكرار هذه العبارة يساهم في «ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنّها قالب فني متكامل في نسق شعريّ متناسق. يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعنى وتجعله أصيلاً إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه وأن يجيء في موضعه، بحيث يؤدّي خدمة فنيّة ثابتة على مستوى النص تعتمد بشكل أساسي على الصدى أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكّد عليه أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية» (48).
التكرار الكروماتيكي:
التكرار الكروماتيكي يُعتبَر من أشكال تكرار الجملة، وهو تكرار الكلمات شكلاً ومضموناً علی طول المقطع، ولا يقع التغيير إلّا في الكلمة / الكلمات الأخيرة، مع الحفاظ علی العلاقة الدلالية بين الكلمة الأصل والكلمة الجديدة (49). علی سبيل المثال ففي المقبوس التالي:
حمارٌ يحمل أس((فاراً))؟؟/ فهو الأوّل في فن ال((سم))ع/ وهو الأوّل في رفع ال((زر))ع (50)
كرّر الشاعر عبارة (فهو الأوّل في ….) مرّتين وقد غيّر نهاية الجملة ففي الأولی جاء بـ (فن الرسم) والثانية بـ (رفع الزرع). من خلال هذا النوع من التكرار يستطيع الشاعر أن يحقّق داخل النص مستوی فنيّاً يعتمد علی الصدی والترديد كما يريد أن يؤكّد عليه من دلالات بعيداً عن أي نوع من النمطية الأسلوبية، مع إجراء بعض التغييرات البسيطة علی المقاطع التي يقع فيها التكرار (51). ونستشهد بنص آخر من مجموعة (مشاهدات مجنون في زمن العولمة):
صديقي الشاعر/ هيّا بنا نُقامر/ هيا بنا للمقابر (52)
قام الحريزي بتكرار اللازمة (هيّا بنا ….) ونوّع بختام الجملة ففي الأولی جاء بـ(نُقامر) والثانية بـ (للمقابر). هذا النوع من التكرار يمثّل نقطة الاتكاز في المعنی والعاطفة والإيقاع.
الخاتمة:
– يكشف لنا هذا البحث أن الشاعر العراقي المعاصر حميد الحريزي في مجموعته (مشاهدات مجنون في زمن العولمة)، قام بتوظيف ظاهرة التكرار بكثافة ومهارة، وهذه الظاهرة أصبحت من المنابع الأساسيّة للموسيقی الداخلية في نصوص الجموعة.
– إستخدم الحريزي ظاهرة التكرار بأنواعها الثلاثة وهي الحرف، والكمة، والعبارة. وهذه الظاهرة في نتاجه الشعري لها أثر عظيم في توفير الجانب الدلالي والموسيقيّ، وتكشف عن لواعجه واهتماماته، فهو من خلال التكرار یحاول تأكید فكرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره.
– التكرار في نصوص الحريزي يتمتع بجماليّة فنيّة وثراءً دلاليّاً، وقد استخدم هذه الظاهرة لكي تخرج نصوصه من الرتابة والسطحية إلی التعمّق في الدلالة والكثافة الشعورية والبراعة الفنيّة، ولكي يجد المتلقي لذّة ومتعة في قراءة النص.
– التكرار ذو صلة وثيقة بدلالات الكلام وأغراضه، ففي شعر الحريزي عندما تتكرّر بعض الحروف فهذا يدلّ على ميزة الحرف ودلالته الصوتية، وكذلك عندما تتكرّر الكلمات والعبارات يشعر المتلقّي بأنّ لتلك الكلمة أو العبارة أهمّية بالغة في كلامه، إضافة علی الإيقاع الذي يحدث في الكلام.
– علی مستوی تكرار الحروف فقد ألحّ الشاعر علی حرفي السين والقاف للدلالة علی مدی الحزن والقهر فضلاً علی الجانب الإيقاعي التي تحقّقه هذينِ الحرفين؛ كما وجد في تكرار حرف (في) الجار دلالة عميقة للتنويع في الأمكنة.
– وفي تكرار الكلمات، لقد جاء ببعض الأسماء والأفعال المكرّرة للدلالة علی مدی اهميّتها في نقل الفكرة وترسيخها في الأذهان. أمّا تكرار الجمل في شعر الحريزي فقد جاء بشكل متتابع وبتناسق تأكيداً للمعنی وحفاظاً علی إيقاع النص.
هوامش البحث:
1- عزّ الدين علي السيّد، التكرير بين المثير والتأثير، 1978م، ص 136.
2- النعمان القاضي، أبو فراس الحمدانيّ الموقف والتشكيل الجماليّ، 1981م، ص 88.
3- سالم أحمد الحمداني، مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربيّ الحديث، 1989م، ص 246.
4- عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي )معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية “زقاق المدق”(، 1995م، ص 268.
5- مدحت سعيد الجبار، الصورة الشعرية عند أبي القاسم، 1984م، ص 47.
6- رسول بلاوي، «مثیرات التكرار الترنمی فی شعر هارون هاشم رشید (دیوان وردة علی جبین القدس أنموذجاً)»، 2017م، ص 2.
7- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 156.
8- عمران خضير، لغة الشعر العراقي المعاصر، 1982، ص 144.
9- ممدوح عبدالرحمن، المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر، 1994م، ص 94.
10- النعمان القاضي، أبو فراس الحمدانيّ الموقف والتشكيل الجماليّ، 1981، ص 501.
11- عصام شرتح، موحيات الخطاب الشعري/ دراسة في شعر يحيی السماوي، 2011م، ص 158.
12- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، صص 19و20.
13- المصدر نفسه، ص 46.
14- عناية عبد الرحمن عبد الصمد أبو طالب، التشكيل التخيلي والموسيقي في شعر المقالح، 2009م، ص281 .
15- حسن خلف وآخرون، «دراسة الموسيقی الداخلية في الصحيفة السجادية»، 1392هـ.ش، ص 72.
16- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 47.
17- رسول بلاوي، آليات التعبير في شعر أديب كمال الدين، 2015م، ص 40.
18- ابن سيده، المخصص، 1966م، ص 255.
19- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 51.
20- المصدر نفسه، ص 30.
21- المصدر نفسه، ص 38.
22- حسن الغرفي، حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، 2001م، ص 84.
23- عصام شرتح، موحيات الخطاب الشعري/دراسة في شعر يحيی السماوي، 2011م، ص 164.
24- نازك الملائكة، قضايا الشعر العربي المعاصر، 1967م، ص 231.
25- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 92.
26- المصدر نفسه، ص 96.
27- حسن الغرفي، حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، 2001م، ص 81 .
28- محمد صابر عبید، القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الإیقاعیة، 2001م، ص 161.
29- نازك الملائكة، قضايا الشعر العربي المعاصر،1967م، ص 269.
30- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، صص 100 و101.
31- المصدر نفسه، ص 102.
32- المصدر نفسه، ص 41 و42.
33- المصدر نفسه، ص 48.
34- المصدر نفسه، ص 71.
35- عصام شرتح، موحيات الخطاب الشعري/ دراسة في شعر يحيی السماوي، 2011م، ص 177 – 171.
36- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 62.
37- المصدر نفسه، صص 14 و15.
38- نازك الملائكة، قضايا الشعر العربي المعاصر،1967م، ص 479.
39- السيد البحراوي، في البحث عن لؤلؤة المستحيل، 1988م، ص 18.
40- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 15.
41- المصدر نفسه، ص 18.
42- عزّ الدين علي السيّد، التكرير بين المثير والتأثير ، 1978، ص 80.
43- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، صص 44 و45.
44- المصدر نفسه، ص 85.
45- المصدر نفسه، ص 82.
46- المصدر نفسه، ص 18 .
47- المصدر نفسه، ص 19.
48- رسول بلاوي، «ظاهرة التكرار ودلالاتها الفنيّة في شعر الدكتور علي مجيد البديري»، 2018م، ص 13.
49- أسماء غريب، تجليات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين، 2013م، ص 208.
50- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 34.
51- أسماء غريب، تجليات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين، 2013م، ص 208.
52- حميد الحريزي، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، 2019م، ص 44.
قائمة المصادر والمراجع:
– ابن سيده، علي بن اسماعيل، المخصص، ج4، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1966م.
– أبو طالب، عناية عبد الرحمن عبد الصمد، التشكيل التخيلي والموسيقي في شعر المقالح، دمشق، دار الفكر، 2009م.
– البحراوي، السيد، في البحث عن لؤلؤة المستحيل، بيروت، دار الفكر، 1988م.
– بلاوي، رسول، آليات التعبير في شعر أديب كمال الدين، بيروت، دار الضفاف، 2015م.
———، «ظاهرة التكرار ودلالاتها الفنيّة في شعر الدكتور علي مجيد البديري»، مجلة الأستاذ، جامعة بغداد، العدد 224، 2018م، صص 1 – 16.
———، «مثیرات التكرار الترنمی فی شعر هارون هاشم رشید (دیوان وردة علی جبین القدس أنموذجاً)»، مجلة لسان مبين، السنة 8، العدد 27، 2017م، صص 1 – 26.
– الجبار، مدحت سعيد، الصورة الشعرية عند أبي القاسم، ليبيا، الدار العربيّة للكتاب، 1984م.
– الحريزي، حميد، مشاهدات مجنون في عصر العولمة، ط1، بغداد، دار الكتب والوثائق، 2019م.
– الحمداني، سالم أحمد، مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربيّ الحديث، الموصل، مطبعة التعليم العالي، 1989م.
– خضير، عمران، لغة الشعر العراقي المعاصر، ط1، الكويت، وكالة المطبوعات، 1982.
– خلف، حسن وآخرون، «دراسة الموسيقی الداخلية في الصحيفة السجادية»، اصفهان، مجلة بحوث في اللغة العربية وآدابها، العدد 8، 1392هـ.ش، صص 67 – 79.
– السيّد، عزّ الدين علي، التكرير بين المثير والتأثير، ط2، بيروت، عالم الكتب، 1978م.
– شرتح، عصام ، موحيات الخطاب الشعري/ دراسة في شعر يحيی السماوي، ط1، دمشق، دار الينابيع، 2011م.
– عبدالرحمن، ممدوح، المؤثرات الإيقاعية في لغة الشعر، اسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1994م.
– عبید، محمد صابر، القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الإیقاعیة، دمشق، اتحاد الكتب العرب، 2001م.
– الغرفي، حسن، حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، المغرب، إفريقيا الشرق، 2001م.
– غريب، أسماء، تجليات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين، ط1، بيروت، دار الضفاف، 2013م.
– القاضي، النعمان، أبو فراس الحمدانيّ الموقف والتشكيل الجماليّ، مصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ودار التوفيق النموذجيّة للطباعة والجمع الآلي، 1981م.
– مرتاض، عبد الملك، تحليل الخطاب السردي )معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية “زقاق المدق”(، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1995م.
– الملائكة، نازك، قضايا الشعر العربي المعاصر، الطبعة الثالثة، بغداد، منشورات مكتبة النهضة، 1967م. مجلة اللغة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع