أنا أعتذر…

98

أين كنت وأين أصبحت؟
هذا المكان مظلم…
أشعر بالوحدة، هل يحق لي أن أتذمر وأشتكي؟
أنا قاتلة… نعم أنا قاتلة…
هل كانوا هنا؟!
أم أنّ ذلك أوهام
هل خلقوا من طين أم من قوس قزح
هل هم بشر؟!
أم ملائكة يتجسسوا علي من بين بساتين الجنة …
أو لربما أزهار في الجنة…
ولكن , لمَ اختفوا…وماذا أفعل أنا هنا الآن !
إلى أين ذهبوا قبل وداعي ,
من سبب في رحيلهم أنا , أم الاستهتار …..
يصمت داخلي قليلاً ومن ثم يصرخ : أحقاً غادروا؟
لم يتبقَ أي شيء سوى ذاكرة مهترئة تغطى بغبار الزمن ..
عقارب الساعة تدقّ وكأنها شبح الأحزان ( تك تك توك )
أغضب وأصرخ كفى…..
لم يكن إلا ذلك الشاب ينظر إلى وجهي المتعب…..
التفت نحوه وقلت أرجوك اصفعني لعلني أستيقظ من هذا الكابوس…..
ثمّ قال : لماذا تهلوسين بهذه الطريقة؟
لماذا انت وحيدة؟
أين ذهبت عائلتك؟
هل أنت خائفة من الخندق المظلم؟
لا تخافي فكل شيء سوف ينتهي قريبا …
هيا أخبريني ما بك؟
توقفت ذاكرتي للحظة وبدأت تتصارع بين موجات المحيط تصارع لكي لا تفقد خيط ما بين الواقع والمحيط تحارب وتصارع في تلك الحياة لكي لا تكون في أعماق المحيط بين ظلام وعندما بدأت أخذ آخر نفس لي في الحياة وجدت نفسي أطفو على سطح المحيط ولكن ما زلت في الأعماق بين الظلام وها أنا في خندق من جديد ولكن بتلك اللحظة وأنا أحارب بين موجات المحيط وجدت يدًا تمد يدها لي نعم أنا سعيدة في سؤالك وكأنها الفرصة للتخلص من الألم التي في صدري من ضربات السكين التي تغزو قلبي….
أصواتهم لا تفارقني أنا أتذكر ذلك اليوم جيدا أنه لا يفارق ذاكرتي دقيقة واحدة أتذكر صوت أبي و أمي وهما يرددان لي لا تذهبي …لا تذهبي ;
ذلك اليوم كان يوما جميلاً ومميزا إنه عيد ميلاد صديقتي( جنى) فأنا أنتظر ذلك اليوم في كل سنة فـ(جنى) ليست صديقة الطفولة فحسب إنها أختي التي لم تلدها أمي كنت سعيدة ذهبت الي ابي وقلت له قم باختيار ثوب جميل لي وفي تلك لحظة نظر بعيني بطريقه غريبه وقال : إلى أين ستذهبين ؟
عند صديقتي (جنى) اليوم عيد ميلادها …
فقاطعني وهو غاضب ومن ثم قال : لن تذهبي إلى اي مكان .
انصدمت من جوابه فأبي يحبني كثيرا أنا ابنته الوحيدة المدللة لا أذكر يوماً أنه رفض لي طلباً، نعم لا يرفض لي طلبا، أتذكر ذلك اليوم عندما جاء أحمد لخطبتي، لم يكن مقتنع بأحمد ولكنه وافق، ماذا حصل الآن؟ لماذا كان غاضبا؟ ذهبت إلى أمي أبكي… لكن , لم تتأثر ببكائي وكانت قاسيه مثله تماما، لم اجد نفسي الا بغرفتي ابكي ليتني بقيت أبكي وقتها أفضل من بكائي الآن…
مسكت هاتفي وتحدثت مع صديقتي (جنى) وقلت لها ما حدث معي
فقالت لي: هل يمكن أنهم يصدقون هذه الشائعات ، هذا الفايروس غير موجود ، فأخبرتني بخطه جهنميه ,لكن رفضت هذه الخطه من أجل أبني ركان، كيف سأتركه وأخرج…..
نعم اعترف ان دائما كلام ناس يزين العقل في الباطل..
وهذا الباطل يأتي كما تحبه شهواتنا….
نعم تلك الشهوه الموجوده بداخل كل شخص…
هذا لا يسمى في الجهل انما الانانية…
نعم أنانيتي لعبت دورها ..
نعم كانت متل ذلك الشيطان…
بعد الساعة العاشرة بدأت بتنفيذ الخطة عندما تأكدت أنّ أبي وامي غارقون بالنوم، انتهيت من تجهيز نفسي وأرتديت اغلى وأجمل ملابسي، انتهيت من تجهيز ابني راكان ومن ثم تجولت في الحي قليلاُ، كنت سعيدة، أوقفت سيارة أجرة …
رقصنا طوال الليل لم نتوقف وبعد الانتهاء من الحفلة رجعت إلى البيت ودخلت بكل هدوء لم يشعروا أبي وأمي بأي شيء بدأت بالنظر الي مرآتي وقلت لنفسي أمي وأبي كانوا خائفين بدون اي سبب. ذهبت إلي غرفتي وقمت باحتضان ابني وغفويت بالنوم، وفي اليوم التالي ، تفاجأت ان صديقتي( سوزي ) تتصل وتقول لي لقد أعلنوا على التلفاز أنه يجب ان نذهب الي المستشفى لنخضع للفحص لان والدة (جنى) قدمت من بريطانيا منذ فترة وعندما خضعت للفحص اكتشفوا إصابتها بفايروس المستجد…
لم أذهب لأجراء الفحوصات، كنت خائفة من توبيخ أمي وأبي وزوجي، أحمد سينزعج كثيرا لأني خرجت من المنزل مع راكان، لقد حذرني قبل سفره، سيطلقني حتمًا
انتهى كل شيء…
نعم لقد انتهى…
انتهى ذلك الحب..
الحب الذي أرهق جسدي …
لكن ما الذي يجري هنا ؟
هل انا حقا خسرته …
نعم لقد ذهب وتخلص من أنانيتي…
لماذا لم يقبل أعتذاري…
هل الاعتذار يعيد صغيرنا إلى أحضانه….
وقلت لنفسي لن يحصل شيء، شعرت بأعراض التعب بعد عدة أيام ، طفلي يبكي، لمست جسده كان مثل ذلك البركان، وفجأة سمعت صوت ابي وامي يقعان على ارض بلحظتهما شعرت اني فقدتهما فركضت اليهما وطلبت سيارة الاسعاف عندما وصلت وجدت كل صديقاتي مع عائلاتهم بالمستشفى، لكن همّهم بأفضل حال، نعم بأفضل حال، كيف ذلك؟ وجت صديقتي (جنى) ايضاً تبكي ايضاً فقد خسرت والدتها منذ قليل وبتلك اللحظة كانت عظامي ترتجف لا بل كانت تتخبط ببعضها من شدة الخوف على أبي وأمي وطفلي فوضعونا كل شخص بغرفة لكن كنت اسأل عن حالهم، طفلي توفى بنفس الوقت…
أما والدي فكان الطبيب يقول أن عمرهم كبير
الشيب غزى رأسهم ….
والدتي التي كانت تشعر بالفخر بي…
وابي الذي كان يشعر بسعادة عندما غزى الشيب رأسه..
نعم أتذكر تلك الجملة جيدا أنا سعيد بشيخوختي…
لأني أعلم أنك أنت التي سوف تعتني بي…
كان دائما يشعر في الأمان عندما يكبر في السن…
ولكن لم يعلم ان نهائته حتما ستكون على يدي…
ولو كان يعلم ذلك حقًا لم يبتسم لتلك الشيبات البيضاء التي تظهر على رأسه….
وهم بالكاد قادرون على التنفس كنت مثل الأموات من دونهما وسمعت الخبر انهم توفوا بعد عدة أيام بسبب عدم وجود أجهزة تنفس الاصطناعي، بذلك الوقت كان الوباء قد انتشر بنصف البلدة …
وها أنا بهذا الخندق المظلم لوحدي…
هل تسألني عن عائلتي؟
نعم أنا قتلتهم….
قتلتهم باستهتار. أم بأنانية
سألني زوجي أين مكانه الآن؟
زوجي رحل وتخلص من أنانيتي…
أنانيتي التي كانت أخطر من ذلك الفايروس
ليت يأتي الموت ليخلصني من ذلك الكابوس ولكن كأن القدر يريد معاقبتي على فعلتي تلك… فكل شيء يحصل الآن بسببي أنا بسبب الاستهتار, بسبب الطفولة التي لم أتخلص منها وأنا في السن العشرين
أنا أعتذر..
لكن ما فائدة اعتذاري الآن ؟
لكن أنا أشعر بالندم….
هل ندمي سيغير من واقع شيء ؟
أنا أريدهم فقط…
أنا سبب.. أم استهتار!
قاطعني حفيدي ركان وقال : أنا لم أفهم شيء، أين جدي بهذه القصه؟
ضحكت حفيدتي وقالت :جدي يكون ذلك الشاب الموجود بالخندق مع جدتي.
تفاجأه ركان ولم يصدق فقال لي لا أصدق انك تعرفتي على جدي بهذه الظروف أنها أروع قصه رومانسية.
ضحكت وقلت له كان يشبه تلك الرقعة النور الموجودة في نهاية الخندق … ذلك الأمل الذي جعلني أنهض من جديد
نعم ذلك الأمل..
النور الذي استطاع ترميم قلبي وترميمي و أعاد حياتي من جديد…
الفايروس سلب مني عائلتي لكنه منح لي حبا كنت أبحث عنه منذ سنين…
أنتم أشبال ذلك الأسد..
نعم ذلك الأسد الذي كان سندا ورجلا لي من بعد عائلتي……

بقلم تماسي طويسات
أنا أعتذر…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع