أديب كمال الدين:الراكب في قطار التيه بحثاً عن شخصياته الحُروفية

15

أديب كمال الدين: الراكب في قطار التيه بحثاً عن
شخصياته الحُروفية
عدنان حسين أحمد – لندن

 

صدر عن “منشورات ضفاف” في بيروت المجلّد السادس من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر العراقي أديب كمال الدين المُقيم في مدينة أديلايد الأسترالية.
يضم المجلّد خمس مجموعات شعرية وهي على التوالي: “شخصيات حُروفيّة”، “حرفٌ من شمس”، “فتنة الحرف”، “قال لي حرفي”، “وكان لهُ حرف”. وتشتمل هذه المجموعات الخمس على 197 قصيدة تتخذ من الحرف والنقطة ثيمات واقعية، جميلة، مُراوغة لا تتفادى الخيال.
ربما يتساءل القارئ: كيف يتسنى لأديب كمال الدين أن يكتب هذا الكمّ النوعي الكبير من القصائد الشعرية الأنيقة الرشيقة التي تفاجئ قارئها وتأخذ بتلابيبه من دون أن تتيح له الفرصة لالتقاط الأنفاس، فالأعمّ الأغلب من قصائده ينطوي على عنصري المفاجأة والإدهاش اللذين أدمنَ عليهما خمسة عقود أو يزيد ناهيك عن صوره الشعرية المُبهرة التي تلسع المتلقي وتقذفه في أتون اللذّة الإبداعية. لا تقتصر قصيدة أديب كمال الدين على المضمون وجمالياته الفنيّة وإنما تتعداها إلى الشكل والتقنيات، فهو يكتب قصيدة نثر بامتياز لكنه يتحاشى الوقوع في فخّ الوزن المتخشِّب أو ينخرط في رطانة القافية التابوتيّة.
يراهن شاعرنا الحروفيّ على التقنية القصصية، ويندر أن يجد القارئ قصيدة لكمال الدين تفلت من البنية القصصية التي تتكئ على الراوي العليم الذي يسرد حكايته بضمير المتكلم الذي بلغ عقده السابع وهو راكب في “قطار التيه” الذي لم يتوقف حتى في محطته الأخيرة أديلايد لأن شخصياته الحروفية التي يبحث عنها مبثوثة في كل مكان من كوكبنا الذي لا يكفّ عن الدوران.
يكتشف قارئ المجموعة الأولى العدد الكبير من “شخصياته الحُروفيّة” التي نذكر منها كَلكَامش، وأنكيدو، وشوبان، ومحمد القبانجي، وصاحب الشاهر، وجان دمّو، وفان كوخ، وديميز روسوس، وأنجلينا جولي، وسعد محمد رحيم وما سواهم من شخصيات استحقت أن تلج قاموسه الحُروفي وتصبح ثيمة شعرية لا يمكن أن ينساها القارئ بسهولة. ففي قصيدة “الآخر الذي هو أنا” يبحث الشاعر عن نفسه فيجدها في الآخر “الأعمى” و “التائه” الذي “يبحثُ عني، ولا يتركني أهذي في الطريق، إلى أن أموت”. وفي قصيدة “لم تكن” يضع “الطفل الشاعر” الذي أضاعَ دراهم العيدِ السبعة بموازاة كَلكَامش الذي أضاعَ صديقه أنكيدو، وفقدَ عُشبه الخلود، وفي مقابل الحلاّج الذي سيُحرَق غدًا ويُنثر رماده عند ناصية الجسر، وفي مواجهة السيّاب الذي رأى “من الهول ما يكفي لقتلِ بلاد”.
ربما تُلخِّص قصيدة “حينَ قُتِلَ الملكُ الشاب” المأساة التي يعيشها العراقيون بشكلٍ متكرر حيث يقتلون أولياءهم وملوكهم ورؤساءهم ثم يبكونهم ويندبونهم على مرّ السنين. لقد مهّد الشاعر لمقتل الملك الشاب بمشهدَين لا غير: “هجم الناس على بيته، ونهبوا سيّارتَه وملابسَه وحصانَه” والمفارقة أنّ المُهاجمين “نهبوا صورتَه الشخصيّة”! تُرى، ما الذي سيفعلون بها وهم الذين قطعوا أنفاسَه، أوقفوا دقّاتَ قلبه؟ وعلى الرغم من قساوة هذا المشهد التراجيدي نجح الشاعر في رسم المعادل الموضوعي للمأساة حينَ أدارَ عدسة كاميرته إلى الوراء وصوّرَ لنا بشكلٍ حيادي ما فعلهُ الدكتاتور بأبناء الرافدين بعد بضعة عقود حينَ شرّدهم في المنافي والأمصار وجعلهم يتحرّقون شوقاً لمعانقة خرائب الوطن وأطلاله الدارسة حيث قال:”يا ليتهم ما فعلوا ذلك، إذ جاء من بعده طاغيةٌ، هجمَ على بيوتِهم بيتاً بيتاً، ونهبَ أعمارهم عمراً عمراً”.
يستنطق أديب كمال الدين حياة جان دمّو برمتها من خلال قصيدة مُكثّفة واحدة تحمل عنوان “أمام تمثال جان دمّو” حيث ارتأت جمعية الكحوليين في سدني أن تصنع تمثالاً لهذا الشاعر الذي لم يبقَ في فمه الأدرد سوى سنّ واحدة، وابتسامة كبيرة يسخر بها من البشر الفانين وبيده زجاجة خمر كبيرة يحتسي منها صباح مساء كي لا يتسرّب إليه الملل أو يعرف القلق طريقاً إلى عقله الشارد منذ عقود طويلة. يُمسرِّح كمال الدين هذا المشهد حين يقف بجانب التمثال كل يوم تقريباً ويقرأ قصيدة جديدة لجان دمّو “عنوانها السُّكرُ والشتمُ، ومضمونها السُّكرُ والشَّتمُ والعَربدة!”.
ينسج شاعرنا الحروفي قصائد كثيرة على هذا المنوال الذي يجعل المتلقّي مُلِّماً بحياة الشخصية المكتوب عنها سواء أكان رسّامًا مثل فان كوخ، أو ممثلة مثل أنجلينا جولي أو روائياً مثل سعد محمد رحيم، وهذه قدرة إبداعية هائلة لا يتوفّر عليها إلاّ أصحاب المواهب الفاذّة التي تختصر النهر بقطرة ماء، وتستدعي التاريخ كله في بضع حكايات شعرية لذيذة شكلاً ومضمونا.
تتضمن المجموعة الثانية “حرفٌ من شمس” أنواعاً مختلفة من القصائد الجميلة والمُبهرة لكننا سنكتفي بقصيدة “جناحان” التي تندرج في إطار القصيدة المفتوحة التي تتحمّل إضافة شخصيات جديدة لكن جرت العادة أن يكتفي الشاعر بالعدد الذي يفي بالغرض الإبداعي، فثمة قصائد تكتفي بثلاث أو أربع شخصيات تؤدي إلى الدهشة والإبهار. وفي قصيدة “جناحان” هناك سبع شخصيات وهي الحرف، والطائر، والمرأة، والمرآة، والنهر، والغراب، والشاعر” ولم تعد القصيدة بحاجة إلى المزيد فارتأى مُبدع هذا النص أن يُنهيه بطريقة عجائبية تضع المتلقّي في دائرة الذهول. لنقرأ المقطع الأخير من القصيدة الذي يقول:”حينَ قرّر الشاعر أن يطير، كتبَ اسمكِ السِّحري في ذاكرته، فنَبَتَ لهُ، على الفورِ، جناحان”.
تحتشد المجموعة الثالثة الموسومة بـ “فتنة الحرف” بالعديد من القصائد الذاتية التي يكتبها الشاعر بطريقة غير مباشرة. وفي قصيدة “بنك الأحلام” يسّهب الراوي الذي يتقنّع غالبًا بقناع المؤلف في الحديث عن شخصية أخرى لكننا نتفاجأ في نهاية المطاف بأنه يتحدث عن نفسه عبر لُعبة فنية شديدة الإتقان. ولو تتبعنا قصة هذه القصيدة لوجدنا أنّ الشاعر قد أسّس بنكاً للأحلام، ونشر إعلاناً في الصحف يطالب فيه الحالمين والمشرّدين والمجانين أن يودعوا أحلامهم في هذا البنك ولم يستجب له سوى رجل واحد يبعث له يومياً “مائة حلم وحلم” وحينما نسترسل في القصة نكتشف أن هذا الرجل يشبهه في كل شيئ، بما في ذلك البدلة، والنظارة، وربطة العُنق إلى أن تأتي المفاجأة التي يعوّل عليها الشاعر حيث يقول في خاتمة القصيدة:”وحينَ مددتُ يدي لأصافحة، اكتشفت أنهُ . . . . . . أنا”.
يُوجز أديب كمال الدين الفرقَ بين ثنائية “الهُنا والهُناك” وهو عنوان قصيدة مميزة في مجموعته الشعرية الرابعة المُعنونة “قال لي حرفي” فهذه القصيدة وشقيقاتها الأُخريات تنتمي إلى نمط “القصائد المُغلقة” التي تكتفي بإجابة مُحددة تروي ظمأ القارئ، وتُطفئ عطشه بالكامل، وحينما يجيب عن سؤال الحرف يقول:”هُناكَ يُنفقُ القلبُ عمرَه حالمًا بالهُنا، وهُنا يجدُ القلبُ أنَّ الحلمَ موجودٌ دون شكّ، لكنهُ من دونِ حاءٍ، ومن دونِ لامٍ، ومن دونِ ميم!”.
على الرغم من أنّ المجموعة الخامسة التي تنتظم تحت عنوان “وكان له حرف” تحتوي على قصائد مركزّة تلامس شغاف القلب، وتستدرج القارئ إلى مناخها الشعري العذب، وتزجّهُ في غابة الأسئلة الحادّة إلاّ أننا سنتوقف عند قصيدة “حرف القول” لأنها تتمحور على ثنائية “الحرف والنقطة” التي شغلته خمسين عاماً أو يزيد إذا افترضنا أنه بدأ كتابة الشعر بين سن الخامسة عشر والعشرين، غير أنّ “الحرف” الذي يكمن فيه “سرّ الأبدية” كان مشروعاً شعرياً لوحده، مثلما كانت “النقطة” التي يكمن فيها “سرّ الكون” مشروعاً شعرياً موازياً له ولا يمكن للاثنين معاً أن يتوقفا طالما تصعد الأنفاس وتهبط في صدر الشاعر المُلهِم أديب كمال الدين الذي صعد إلى “قطار التيه” ولن يترجل منه إلى أن يصل إلى “محطة الضياع الأخيرة” بحسب توصيفة الشعري الجميل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع