ايلي عامير،يعود مستقلا دراجة هوائية ليخبرنا ماساة مازالت تنزف دما

اعلي محمد رشيد

” الصبي صاحب الدراجة الهوائية ” رواية جديدة تسلط الضوء على الفترة الزمنية لقيام إسرائيل وانطفاء شمعة الطائفة اليهودية في العراق .

 

كُتب على ظهر رواية إيلي أمير الجديدة ، أن المؤلف “لم يتعرض إلى اسراره أبدًا” في كتاباته ، وأن هذا هو “كتابه الأكثر سرا واحساسا”. في الواقع ، عند مقارنة محتويات الرواية بحياة كاتبها ، يتضح أن هذه الرواية هي كتابة السيرة الذاتية ، مقدمة في غطاء نثري. بالطبع ، لا توجد وسيلة لمعرفة ما هو وهمي وما هو موثق ، ولكن حتى التفاصيل الصغيرة التي تبدو صغيرة – اسم العائلة الأصلي ، خلاصجي ، الذي تقاسم به كلا من المؤلف ونوري ، الشخصية الرئيسية في الرواية – تكشف عن الهوية الواضحة التي وحدّت بين الاثنين.

لذلك فان هذه الرواية نوع من الضوء لا يتم إخباره في الشخص المتكلم، ولكن في الشخص الثالث. يبدو أن الابتعاد قد سمحت للكاتب بالتحدث بشكل أكثر راحة ، دون الشعور بأنه كان مرتبطا بما يحدث أو يدين أو يسخر أو يتباهى ، لكنه يترك كل شيء له “هو” البعيد ، الذي يختلف منه على ما يبدو. بعد كل شيء ، نشعر جميعا أنه إلى حد كبير ، باننا الشاب أو المرأة التي كنا قبل سنوات عديدة لم يعد لهم وجود الان. وعليه فان المسافة الزمنية تعطي شعورًا بأن هذا هو شخص آخر ، ومن الافضل إن نقص تقلبات حياته بتقنية ضمير الشخص الثالث.

في الحقيقة ، إن تقلبات حياة نوري خالاصجي رائعة. ويرجع ذلك أساسًا إلى أنها تعبرعن فترة تاريخية مهمة جدًا في تاريخ إسرائيل ، وتركز على جانب معين من تلك الفترة ، وهو ما يعكسه إيلي عمير ونوري ، شخصيته الثانية ، في حياتهما.

فقد وصل كلا من ايلي عامير ونوري من العراق ، قضيا سنوات عدة في الكيبوتس وانتقلوا في صباهم إلى القدس ، هناك عاشا بعيدا عن عائلتيهما. بغية كسب الرزق عملا طوال اليوم في مجال الصحافة ومراسلين في مكتب رئيس الوزراء ، وخصصا الليل تحضيرا لامتحانات الثانوية . استقلال نوري ، قوته ، الحيلة التي تحملها ، قواه العقلية ، المصاعب التي اُجبرعلى مواجهتها ، التشويق والإلهام. كيف يمكن لصبي يبلغ من العمر ستة عشر عامًا أن يقف بمفرده بمواجهتها  ، وأن يعيش حياته ، ويتخذ قرارات مصيرية ، بل ويتحمل نفسه ، حتى لو لم يكن لديه خيار آخر ، دور رئيس الأسرة ، الذي يفعل كل شيء لمساعدة والديه وإخوته وأخواته؟

بعيدا عن التاريخ الشخصي المثير للجدل ، هناك تثمين خاص للرواية، لكونها تثير موضوع الصعوبات التي مر بها مهاجروا البلدان العربية . فبعد الفيلم الروائي الإسرائيلي ” صالح ، هذه هي إسرائيل ” الذي تطرق وكشف باسلوب واضح المشاكل والتقلبات النفسية التي شعر بها مهاجرو شمال أفريقيا ، جاءت هذه الرواية مكملة وتسير على خطى الفيلم وتشير إلى هجرة يهود العراق. ومنزلة الناس الذين أتوا إلى بلد لم يفهمهم أو يقدروهم فيها احد. الفجوة التي عرضتها الرواية هي بين الآمال والواقع ، وبين قدرات وتعليم ومواهب هؤلاء المهاجرين ، وبين المواقف التي تلقوها ووجدوها في الدولة الفتية ، هي صدمة مخزية وحزينة ومثيرة للتفكير. وهي هنا موصوفة بالتفصيل ، مرارًا وتكرارًا ، من خلال هذه الرواية الكثيفة التي أمامنا ومن بين الامثلة التي اقتبسناها من الرواية نذكر : ” لم يعد يوجد هنا الاسد واللبوة الذان كانا في بغداد ، ويتذكرهما من ايام طفولته ” يقول نوري بعد رؤيه والديه وهو فقد فقدا الامل في العيش على الارض الموعودة بعد ان خسرا احترامهما ومنزلتهما التي الفياها هناك في بغداد. ويضيف انه كان اباه يأمل عندما كان في بغداد ، إن يكون في إسرائيل مواطنا متساويا مع الآخرين ، يملك منزلا ، ولكنه اكتشف بأنه مهاجر ، حاله حال الإيرانيين الذي هاجروا إلى العراق في بدايات القرن الماضي وسكنوا بغداد ، ولم يتعلموا العربية ، وعاشوا فيها حياة البائسين . ” فقد أرسلت عائلة نوري للسكن في قرية ” العميان ” الواقعة في الجزء الأكثر بؤسا في المستوطنة ، حيث يقطن فيها فاقدوا البصر المهاجرين من الدول العربية ؛ حتى وان كانوا معافين واصحاء “.

وهم يتذكرون جمال مسقط رأسهم وهم غارقون في الشوق لها.و يكتب عن والدته أنها “لم تتذكر سوى المنزل متعدد الألوان والسقف ، والنوم على السطح في فصلي الربيع والصيف ، والمربى والقيمر صباحا واللبن الرائب والخبز وجميع روائح الأسواق ، ورائحة التوابل من الهند وبلاد فارس ، ووفرة الخضروات والفواكه ، وكثرة أشجار النخيل والحدائق والسينما و الفنادق والمتاحف الأثرية البابلية . اغمضت عينيها وحلمت بالإبحار في نهر دجلة ، ورأت الأنوار البراقة للجسر في الليل ، واستمعت إلى صوت المجاذيف تضرب نهر طفولتها ،. مشيت مرة أخرى عبر بساتين النخيل واستمعت إلى صوتها وهي تعانق بعضهما البعض بين جانبي النهر في مهب الريح ، في عينيها عادت مدينة الزهور النابضة بالحياة ، وكل صباح عندما استيقظت ، فركت عينيها ورأيت صفوفًا من الخيام والأسلاك الشائكة وتحولت الرمال ؛ ثم غير الخيمة إلى كوخ ، وعبثا انتظرت الخلاص “.

 

ان نوري ووالده  يدركان أن التعليم هو مفتاح النجاح: “إذا لم تتعلم ، فانك ستكون خاضعا لهم ، وستقومون بعملهم الأسود كما فعل المسلمون من أجلنا” ، إذ يحث الأب ابنه هنا على دوام الدراسة والتفوق ، مشيرا إلى التفرقة العنصرية التي تنتظر كل من يسقط في أيدي الغربيين من اليهود ليكون خاضعا لهم وخادما لاعمالهم ومواطنا من الدرجة الثانية.

لا يرتبط الصدع بين المهاجرين فقط بأحوالهم الشخصية. يثورون أيضاً ضد محو التقاليد القديمة ، التي يرون أنها تضعف القوة المعنوية والروحية للدولة: حيث ينصح الأب ابنه نوري قائلا “باي حق يدنسون تقاليد إسرائيل ، ولماذا يتكبرون ،الا يكرمون أجدادهم؟” فماذا يعتبرون انفسهم؟ ، هل اختصرت تقاليد اليهود على سلق البيض ، أو اقتلاع الأحجار أو زرع الأرض؟” قال هذا الكلام قبل إجباره على مغادرة الكيبوتس ليبحث عن مكانته كصبي صغير.

ويضيف في وصف معاناة اليهود العراقيين والمهاجرين الجدد بالمقارنة مع المهاجرين من الدول الغربية قائلا : وخلص أغاسي إلى القول: “كنا منبوذين ، حتى لو درسنا اللغة اليديشية ، وارتدينا ملابسهم وصلينا بلغتهم الخاصة ، فإنهم لن يقبلونا ، حتى حزب ماباي قد تغاضى عن وعوده تجاههنا”.

لم ينس عامير تسليط الضوء على الامو الحزبية في إسرائيل : حيث وصف العلاقة بين حزب ماباي والصهيونية التقدمية ، بين بيغن وبن غوريون ، بين وجهات نظر جابوتنسكي وبين الآراء البلشفية . فضلا عن هذا ، إن عامير الذي تجول في صباه بالقدس ، لا يخفى عنه ذكر الشخصيات الأساسية في فلسطين ، إذ يسهب في وصف الشخصيات الصهيونية التي قابلها أمثال : بن غوريون ، بيغن ، موشيه دايان ، كائولاه كاهان ، تيدي كولاك ، شمعون بيريز ، يستحاق نافون ، وكذلك كلا من الاديبين عكنون وعوز في شبابهما ، حيث يذكرهما باسلوب فكاهي ونقدي ، هذا الأمر يدفعنا إلى القول إن المؤلف يعرف جيدا ماذا يقول وماذا يصف ومتى . ” إن شخصية عكنون هي شخصية فريدة ومسلية ، حيث يوصف بأنه فكاهي وحاد “.

ولا يشدد عامير فقط على الضيق الجسدي الذي يعاني منه المهاجرون الجدد ، ولكن بشكل أساسي العاطفي والروحي. إذ يعرض عدم المبالاة التي اتبعتها السلطات الإسرائيلية تجاههم ، ” يتساءل نوري إذا أراد أي شخص أن يعرف ما يفكر به المهاجرون الشباب امثاله ، وما يحلم به والديه وافراد المعابروت   وما البلد الذي يريدونه ، وأشفق على والده وجميع زملائه الذين ألقوا في الخيام وأكواخ الصفيح في الأماكن النائية. حيث العيش الضنك، ولم يسال عليهم احد مطلقا “.

ويعترض نوري على التمييز العرقي السائد في إسرائيل ، “يسأل نوري ، صديق من أصل كردي ، “كيف نجحت في امتحانات المسح؟”. و يجيبه بمرارة:  ما هو الاستبيان الذي أرسلوه جميع أطفال معسكر العبور إلى المدارس المهنية ، حتى أنه لم يتحول أحدهم إلى مدرسة نظرية؟ أي انه لسنا مشمولون بالمتوسطة والاعدادية ، إنما هي لهم فقط – يقصد اليهود الاشكناز – ليذهبوا إلى الجحيم ” ،”كيف تعرف كل هذا؟” سئل نوري ، “هل لديك مسرح في بغداد؟” وضد النفاق: تم إرسال أطفال المهاجرين من الدول العربية ليكونوا موظفين. “وهكذا يمكنهم مواصلة الحديث عن الاشتراكية والمساواة”.

ويكثر عامير من السخرية والنقد اللاذع تجاه السياسة والسياسون في إسرائيل ، ولم يستثني أحدا من الأحزاب الحاكمة . على الرغم من تقديره لابن غوريون ، لكنه لم يمنع من توجيه سهامه الناقدة له : ” سال صديق نوري قائلا : ” بماذا أجاب بن غوريون ؟ ” ويجيبه : ” يجيب ؟ فمن نحن حتى يجيب بن غوريون عنا “. ويعترض عامير أيضا على جهود رئيس الحكومة الحثيثة في الترجمة العبرية للعديد من الروائع العالمية بدلا من وهب وقته لادارة الدولة وخصوصا قاطنوا المعبرات : ” “تساءل لماذا لا يهتم بمئات الآلاف من اللاجئين والمشردين الذين تم إحضارهم إلى إسرائيل ، وليس لديهم خبز يأكلون وسقف فوق رؤوسهم.” بدلاً من التعامل لساعات وأيام مع ما يسميه “هذا الجنون”: مناقشات ومشاورات لا تنتهي مع المثقفين حول “المصير” من الأفضل أن تُترجم في وقت سابق ، الالياذة أو الاوديسا (بينما لم تتم مناقشة الأعمال المكتوبة باللغة العربية ، “لغة الجيران وعشرات الآلاف من المهاجرين” ، على حد قول نوري ، وهو إيلي أمير).

ويستمر عامير بوصف المنازل التي يعيشون فيها والأطعمة الفاخرة التي يتناولونها ؛ حتى دوف يوسف ، الذي كان مسؤولاً عن تقنين سياسات التقنين ، لم يقم بتقليص طعامه وعاش في فيلا فاخرة. وكذلك العنصرية التي واجهها المهاجرون في اختيار حتى مناطق العيش التي فُرضت عليهم من قبل الحكومة : “حذره بركات من فعل أي شيء دون الوكالة اليهودية ، يجب ألا يفقدوا حق السكن” في ضوء هذه التجربة المؤلمة والمثيرة ، يعد نوري نفسه يومًا ما سيتم تعيينه في منصب رفيع ، فانه سيختار الطريق الصواب “عندما يحين اليوم ، لن يزعج المسؤولون المهاجرين ، وسيختار كل مهاجر مكان إقامته: لن يتعرضوا للتهديد بفقدان حقهم في السكن إذا مروا بمكان آخر ، لن يكون هناك تعسف وطغيان في مكتبه … “لقد مزق القلب لقراءة هذا الثقة بالنفس ، والذي يمكن للمرء أن يتعلم من معاناة الضعفاء في المجتمع.

واعطى عامير المجال لشخصياته في عرض احلامهم : ” “في غضون 10 أو 20 عامًا ، سيكون الأشكناز أقلية … سيبصق علينا سكنة الكيبوتس عندها ستحل ساعة الحساب”.

وأخيرا نقول إن هذه الرواية ما هي إلا وثيقة تاريخية لحقبة مهمة من تاريخ اليهود المهاجرين ؛ على وجه الخصوص اولئك المهاجرين من الشرق ، حيث رسم وعرض وقال عامير وبصورة جليه كل ماحدث في تلك الفترة للمهاجرين من الأم ومصائب ومشاكل سواء المادية منها أو المعنوية . طبعا رُحب بهذه الرواية من قبل جمهور النقاد والمتخصصين في الأدب العبري في إسرائيل ، وترجمت إلى لغتين لحد الآن .

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال
%d مدونون معجبون بهذه: