جديد الصحيفة

التنوع الثقافي ورهان التنمية

 فاطمة لمحرحر

باحثة في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية المعاصرة

 

لم يعد ينظر للثقافة كأنها بنية مجردة منفصلة عن النظام المجتمعي وعن قوانين اشتغال نمط  إنتاجه وجدلية علائق مكوناته، وإنما تقارب الثقافة بوصفها نتاج لهذا النظام. وبالنظر إلى القيمة المضافة التي تمثلها الثقافة في الاقتصاد العالمي، فقد أصبحت إحدى الرافعات الاساسية للتنمية. إذ عرفت هذه الاخيرة تطورا في طبيعة قيمتها ومدلولها، ففي البدايات كان التركيز على هامش الربح، لكن وفي ظل تنامي الاهتمام بالفرد واعتباره وسيلة وهدف للتنمية تم التوجه نحو تنمية الانسان. وهذا ما أدى إلى طرح كيفية الحفاظ على هذه التنمية في ظل تعاقب الاجيال التي تختلف من مرحلة إلى أخرى. ومن جهة ظهور اختلافات في الرؤى والثقافات التي أنتجت تنوع ثقافي كبير والذي يعبر عن أداة قيمية للإعادة تنظيم المجتمع وهذا ما يعزز من تفاعل ثقافات المجتمع واعتبارها الية جديدة في مجال الهندسة الاجتماعية تؤسس لتفعيل التنمية في كل المستويات. حين نحاول تأمل مفهوم التنمية والثقافة بعيدا عما هو شائع ومتداول فإننا نجد التنمية تكاد تكون ظاهرة قديمة وطبيعية، سواء بالنسبة للكون الذي هو حركة مستمرة لا تعرف التوقف أو الجمود، مع التوجه الدائم نحو التطور الذي يمس مختلف مظاهر هذا الكون، بما فيه من موجودات وكائنات تعيش فيه وتنعم بخيراته. ويعتبر الانسان أهم المخلوقات التي تدرك هذه الحقيقة وتستفيد منها بجميع أبعادها، بدءا مما يحتم عليه وجوده في هذا الكون، إلى الشعور بالحاجة لتنميته.

تجدر الاشارة إلى أنه منذ بداية تسعينات القرن الماضي، تنامى التفكير الموازي حول موضوع علاقة التنوع الثقافي بالتنمية، خاصة من خلال التقارير المختصة، ومنها تقرير اللجنة العالمية للتنوع الثقافي سنة 1996، والاعلان العالمي لمنظمة اليونسكو بشأن التنوع الثقافي سنة 2001. وفي هذا الاطار أقر اعلان اليونسكو العالمي في مادته الثالثة، بأن التنوع الثقافي بوصفه عاملا من عوامل التنمية، ولان التنوع الثقافي يوسع نطاق الخيارات المتاحة لكل فرد فهو أحد مصادر التنمية لا بمعنى النمو الاقتصادي فحسب، وإنما من حيث أيضا بلوغ حياة فكرية وعاطفية وأخلاقية مرضية. كما أكد اللجنة العالمية للثقافة والتنمية التابعة لليونسكو أن الثقافة هي مصدر التقدم البشري و إبداعاته. لذا يتعين تعزيزها حتى تنمو وتتطور لتحقيق الرفاهية الانسانية. حيث يعد التنوع الثقافي من ركائز التنمية وهو ما يستجب أن تحترم نماذج التنمية خصوصية وهوية المجتمعات وان تحترم ثقافة الافراد، وأن يتعدى التمكين الحقوقي ليشمل كل الفئات الهشة ويمتد إلى الاقليات والمهاجرين والشعوب الاصلية. لأن التنمية تتم بالإنسان ومن أجله وهو ما يقتضي ضرورة اشراكهم في صنع القرارات ومختلف المسارات التي تهم حياته. وقد أكد غلان مكسيكو بشأن السياسات الثقافية لعام 1982 على الدور المركزي الذي يلعبه التنوع الثقافي في تحقيق التنمية واعتبار أن التنمية بدون الثقافة كالجسد بدون روح، وأن مفهوم التنمية يجب أن يمتد إلى تحقيق الرفاه الثقافي.

ورغم وفرة مداخل التقدم التنموي، وفي مقدمتها المدخل الاقتصادي، فإن مجال التنوع الثقافي يبقى جوهريا في هذا الباب، إن لم نقل إن أي مدخل اخر مهما تكن أهميته لا يمكنه أن يؤتي نتائجه الايجابية، إن لم يرتكز على التنوع الثقافي، لدرجة أن تعثر العديد من برامج التنمية يمكن أن تعزى في جانب مهم منها إلى قصور في التصور والتنزيل الثقافيين، ذلك أن مفهوم التنوع الثقافي يتضمن من الابعاد والارتباطات، ما يشمل كافة مظاهر الحياة والفاعلية البشرية على المستويات الفردية والجمعية، المحلية، الاقليمية والدولية. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الانعطاف الواضح منذ فترة سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي نحو ايلاء قضية التنوع الثقافي أسبقيتها في التخطيط والبرامج التنموية.

ويمكننا القول، بأن التنوع الثقافي مصدر للإثراء الثقافة البشرية فثقافات الافراد يثريها التواصل مع الثقافات الفردية المغايرة لها. وينطوي التنوع الثقافي في حد ذاته على شيء من القيم الجمالية في خلق عالم متنوع وغني في الرأي والافكار، فالتنوع هو أحد المقومات الاساسية للحرية الانسانية. كما يخلق التنوع الثقافي مناخا مشتركا بين الثقافات المختلفة، ويعد مصدرا لمواجهة المشاكل المعاصرة. من خلال ايجاد حلول لمخاوف المشاكل الحاضرة ومستقبل المجتمع الانساني في شموليته.

وختاما، إن ظاهرة التنوع الثقافي ليست جديدة وإنما عرفتها العديد من دول العالم منذ أزمنة بعيدة، وقد أكدت العديد من الاتفاقيات والاعلانات على ضرورة الاقرار بها باعتبارها أحد مؤشرات حرية وحماية الكرامة الانسانية، وهذا ما يعزز من خدمة الانسان. ومن المنتظر من كل سياسية ثقافي عقلانية أن تقوم دوما على وضع التنوع الثقافي اساس أي  مشروع للإصلاح الثقافي، كرؤيا تخدم السعي الحثيث إلى جعل التنوع الثقافي عصبا للتنمية ومعيارا لدرجات التقدم المادي والنوعي.

شارك المقال
2 تعليقات

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال